العمل الكوري الفريد ’رمز الأبدية‘ للفنان ’جونغكيو بارك (جيه بارك)‘. تم الحصول على جميع الصور من قبل إدارة معرض الأبد هو الآن عبر البريد الإلكتروني وتم الحصول على تصريح باستخدامها في هذا المقال.
بقلم مراسلتي كوريا نت الفخريتين المصريتين إسراء الزيني وسلوى الزيني
في الجيزة حيث تقف الأهرامات كشاهد أبدي، انطلقت النسخة الخامسة من معرض ’الأبد هو الآن‘ في الحادي عشر من نوفمبر 2025 الذي تنظمه مؤسسة آرت دي إيجيبت بالتعاون مع منظمة اليونسكو وبرعاية كل من وزارات الخارجية والثقافة والسياحة والآثار في مصر، لتعيد صياغة الحوار بين الفن المعاصر والحضارة المصرية في مشهد مهيب.
من جديد تحولت هضبة أهرامات الجيزة إلى مسرح عالمي يحتفي بالإبداع والخلود، بمشاركة عشرة فنانين من عشر دول مختلفة اجتمعوا على أرض واحدة ليجسدوا حوارًا بصريًا بين الماضي والمستقبل.
هذا العام كان لنا كمراسلتين فخريتين لموقع كوريا.نت شرف تلقي دعوة رسمية من إدارة المعرض ومؤسسة آرت دي إيجيبت لحضور حفل الافتتاح وتغطية فعالياته من قلب الموقع الأثري الأكثر شهرة في العالم.
ومن بين الأعمال المشاركة جذب أنظار جميع الزوار العمل الكوري الفريد ’رمز الأبدية‘ للفنان ’بارك جونيغ-كيو (جيه بارك)‘، الذي نجح في أن يخلق أمام الأهرامات تجربة تجمع بين الرياضيات والضوء والخيال الشعري.
‘ويعد الفنان ’بارك جونيغ-كيو (جيه بارك)‘ ثاني فنان كوري يعرض عمله أمام أهرامات الجيزة بعد الفنان الكوري ’كانغ إك-جونغ.
العمل الكوري الفريد ’رمز الأبدية‘ للفنان ’بارك جونغ-كيو (جيه بارك)‘. (الصورة من إسراء الزيني.)
المعابد الأربعة تزين أهرامات الجيزة عام 2024. تم الحصول على جميع الصور من قبل إدارة معرض الأبد هو الآن عبر البريد الإلكتروني وتم الحصول على تصريح باستخدامها في هذا المقال.
أما الفنان الكوري ’كانغ إك-جونغ‘ الذي شارك في النسخة الرابعة من المعرض العام الماضي، فقد قدم آنذاك عملاً مختلفًا تناول التواصل الإنساني عبر اللغة والفن، مستخدمًا الخط العربي والهانغول إلى جانب رموز من الكتابة المصرية القديمة.
اشتهر كانغ عالميًا بمشاريعه التي تربط بين الثقافات مثل مشروع ’جدار الهانغول‘ في نيويورك وواصل عبر مشاركته في ’الأبد هو الآن‘ 2024 رسالته الإنسانية من قلب الجيزة، حيث تجاورت لغات الشعوب على خلفية من الحجارة الخالدة.
في اليوم الأول من افتتاح معرض ’الأبد هو الآن‘ على هضبة الأهرامات، التقينا بالفنان الكوري ’بارك جونيغ-كيو (جيه بارك)‘ أمام عمله الفني ’رمز الأبدية‘ ليحدثنا عن مشروعه الذي جمع بين الرياضيات والضوء والفن الرقمي بطريقة لم تُرَ من قبل أمام الأهرامات.
بدأ بارك حديثه موضحًا أن فكرة العمل لم تأتِ فجأة بل هي نتيجة أكثر من عشرِ سنواتٍ من التجربة الفنية المتواصلة. في البداية كان يحول أرقام الهواتف وبطاقات الهوية الشخصية إلى معادلات رياضية تنتج أشكالًا هندسية فريدة لكل شخص، ما يشبه بصمة رقمية خاصة لكل إنسان.
"كنت دائمًا مهتمًا بالعلاقة بين البيانات والحياة البشرية. الأرقام التي تبدو عشوائية تحمل في داخلها قصصًا وأسرارًا، وإذا تمكنت من تحويلها إلى شكل بصري، يصبح لها صوت ولغة، لغة يمكن للعين أن تفسرها بشكل جديد."
مع تقديم النسخة الجديدة من العمل أمام الأهرامات، شرح بارك كيف ربط بين الفكرة الرقمية والهندسة المصرية القديمة:
"استخدمت ارتفاعات وأطوال أضلاع الأهرام في معادلاتي الرياضية. هذه الأهرام تمثل أول الأشكال الهندسية في التاريخ الإنساني، بُنيت قبل أكثر من 4500 عام، وما زالت قائمة بدقة مذهلة. دمج هذا التراث الهندسي مع العالم الرقمي هو ما أعطى عملي أبعاده الجديدة."
صورة للفنان ’بارك جونغ-كيو (جيه بارك)‘ مع عمله ’رمز الأبدية‘ أمام أهرامات الجيزة. تم الحصول على جميع الصور من قبل إدارة معرض الأبد هو الآن عبر البريد الإلكتروني وتم الحصول على تصريح باستخدامها في هذا المقال.
الهيكل الفني الذي صممه بارك يتكون من إطار مربع يحتوي على شكل ثلاثي الأضلاع، مشفّر بأرقام ورموز تمثل هويات وأسرارًا بشرية. حول هذا الهيكل وضع حوالي ألف نقطة مرآة من الفولاذ المقاوم للصدأ، تتلألأ تحت أشعة الشمس بطريقة تشبه نبضات ضوئية، لكنها ليست مجرد زخرفة، بل شفرة مورس. من خلالها كتب بارك قصيدة رمزية بعنوان ’رسالة من دانغون إلى الفرعون‘ تخيل فيها الحوار بين مؤسس كوريا القديمة دانغون وانغوم وفرعون مصر:
"كما تشرق الشمس من مشرقها، يبعث دانغون، الذي أسس مملكة جوجوسون وفق مشيئة السماء والارض، بتحياته إلى جلالة الفرعون، الذي يحمل أسرار نهر النيل. رغم بُعد المسافة بين بلدينا، أؤمن أننا نتّحد في تعظيمنا للسماء، وفي محبتنا لشعوبنا. تحت شجرتنا المقدسة، وتحت أهراماتكم العظيمة، يحيى الإنسان في تناغم مع الآلهة، ونُنقش الحقيقة في الحجر والسماء. عبر الزمان والعصور، فلتكن حكمتنا نورًا يُضيء بيننا."
العمل الكوري الفريد ’رمز الأبدية‘ للفنان ’بارك جونغ-كيو (جيه بارك)‘. (الصورة من سلوى الزيني.)
تحدث بارك عن هذا الجزء من العمل قائلاً:
"أردت أن أعكس من خلال هذه الرسالة العلاقة بين حضارتين متباعدتين جغرافيًا، لكنهما تتشاركان الشغف بالخلود وبفكرة ترك أثر يتجاوز الزمن. الشفرة الرقمية والضوضاء هي أدوات لإعادة تصور الزمن والهوية، وتمنح العمل قدرة على التحدث مع كل زائر بطريقة مختلفة، بحسب نظرته وفهمه."
أما عن مفهوم الضوضاء الرقمية، فقد وصفه بارك بأنه قلب فلسفته الفنية:
"الضوضاء الرقمية غالبًا ما تُرى كخطأ يجب التخلص منه. لكنني أراها لغة العصر الحديث، تعكس الفوضى والنظام في آن واحد، مثل المجتمع البشري ذاته. استخدام هذه الضوضاء في عملي يسمح لي بإظهار طبقات مختلفة من الحياة، ويحوّل ما هو مهمل أو مخفي إلى عنصر أساسي وجميل في العمل."
من خلال هذا الجمع بين الهندسة القديمة والأرقام والضوء والفن الرقمي استطاع بارك أن يخلق تجربة تتجاوز مجرد المشاهدة، تجربة تجعل كل زائر يتأمل في معنى الخلود والزمن والعلاقات الإنسانية بطريقة فريدة أمام أعظم إنجاز هندسي في التاريخ البشري.
الفنان الكوري ’بارك جونغ-كيو (جيه بارك)‘ برفقة الأستاذة ’نادين عبدالغفار‘ مؤسسة معرض الأبد هو الآن. (الصورة من إسراء الزيني.)
الفنان الكوري ’بارك جونغ-كيو (جيه بارك)‘ برفقة المراسلتين إسراء الزيني وسلوى الزيني. (الصورة من إسراء الزيني.)
يبقى عمل ’رمز الأبدية‘ تجربة استثنائية بكل المقاييس، أدهشنا بدقته وفكرته الفريدة أمام أعظم إنجاز هندسي في التاريخ. هذه هي المرة الثانية التي يقدم فيها فنان كوري عمله في معرض ’الأبد هو الآن‘ ما يعكس اتساع أفق التعاون الفني بين مصر وكوريا وعمق الحوار الثقافي بين البلدين. العمل لا يقتصر على الإبهار البصري، بل يحمل فكرة مبتكرة تعكس قدرة الفن على الجمع بين التراث والابتكار الرقمي، وتجعل الزائر يخرج من أمامه بانبهار حقيقي وتقدير أكبر للخيال الإبداعي الذي يمكن أن يتحقق على أرض الواقع. وبهذا المعنى، يتحول عمل 'رمز الأبدية' إلى تجربة تأملية تضع الزائر أمام سؤال جوهري:
هل يمكن للتكنولوجيا أن تعيدنا إلى جوهر الإنسان؟
وكيف يمكن للفن أن يجعل من ’الضوضاء‘ رسالة سلام بين الحضارات؟
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.