الرئيس لي جيه-ميونغ والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يعقدان قمة موسعة في المقر الرئاسي بالعاصمة برازيليا، في 27 يوليو (بالتوقيت المحلي). (المصدر: المكتب الرئاسي لجمهورية كوريا)
هونغ هيون-إيك، الأمين العام للجنة الكورية لليونسكو
تواجه كوريا بصورة دائمة تهديدات البرنامج النووي الكوري الشمالي، ولذلك لا مفر من أن تضع الأمن الوطني في صدارة أولوياتها. ومن هذا المنطلق، سعت حكومة لي جيه-ميونغ إلى استعادة العلاقات مع كوريا الشمالية على أساس الثقة والتضامن بين كوريا والولايات المتحدة واليابان، بالتوازي مع العمل على تطبيع العلاقات مع الصين، التي تؤثر بصورة مباشرة في أمن شبه الجزيرة الكورية.
ومنذ مطلع العام الجديد، أجرى الرئيس لي زيارة دولة إلى الصين بهدف استعادة الشراكة الاستراتيجية معها بعد أن شهدت العلاقات فتورًا خلال الحكومة السابقة، ثم توجه مباشرة إلى اليابان. كما واصل لقاءاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سواء في اجتماعات ثنائية أو متعددة الأطراف، لتعزيز علاقات الثقة على مستويات متعددة. وهكذا وضع في المقام الأول الأسس الدبلوماسية اللازمة لتعزيز الأمن الوطني.
ومع تزايد أهمية الأمن الاقتصادي والتجارة والصناعة إلى جانب الأمن السياسي والعسكري، باتت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى دبلوماسية براغماتية شاملة، إذ تشتد المنافسة في هذه المجالات حتى بين الدول الحليفة. وقد أطلق الرئيس ترامب حربًا جمركية في إطار سياسة إعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية، فيما أدت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
كما أدت الحرب الروسية الأوكرانية والحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعطل إمدادات النفط والمواد الخام وارتفاع الأسعار العالمية بصورة حادة، ما أدخل الاقتصاد العالمي في حالة من الاضطراب. وبالنسبة إلى كوريا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة والمواد الخام وعلى التجارة الخارجية، فإن تأمين سلاسل الإمداد وأسواق التصدير يمثل ضرورة ملحة. ولا سيما أن الصناعات المستقبلية الرئيسية في البلاد، مثل أشباه الموصلات والبطاريات والصناعات الكيميائية، تعتمد بصورة حيوية على تأمين إمدادات مستقرة من العناصر الأرضية النادرة والليثيوم والنحاس والنفط والغاز.
وهذا هو السياق الذي جاءت فيه الجولة الدبلوماسية الطويلة التي قام بها الرئيس لي خلال 7 ليالٍ و11 يومًا، من 24 يوليو إلى 3 أغسطس، بدءًا من سان فرانسيسكو، مرورًا بالبرازيل وتشيلي والأرجنتين، وصولًا إلى فرانكفورت، حيث التقى أفراد الجالية الكورية وشجعهم قبل عودته إلى البلاد.
نتائج الزيارة ودلالاتها
بدأ الرئيس لي جولته في سان فرانسيسكو، التي تعد مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي، حيث التقى عددًا من كبار الرؤساء التنفيذيين لشركات التكنولوجيا العالمية، من بينهم جينسن هوانغ من «إنفيديا»، وسام ألتمان من «أوبن إيه آي»، وداريو أمودي من «أنثروبيك»، وهوك تان من «برودكوم»، ودعاهم إلى الاستثمار في كوريا.
وفي الوقت نفسه، شجع على بناء شبكة تعاون متبادل المنفعة بين كوريا والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، تجمع هذه الشركات مع كبرى الشركات الكورية، ومنها سامسونغ إلكترونيكس، وإس كيه هاينكس، وهيونداي موتور، ونافر، ويقودها عدد من أبرز رجال الأعمال الكوريين، مثل لي جاي يونغ وتشوي تاي وون وتشونغ أوي سون ولي هاي جين. وتشمل هذه الشبكة تعاونًا في قطاع أشباه الموصلات بقيمة 950 مليار دولار، أي نحو 1375 تريليون وون.
كما توصل الرئيس إلى تفاهمات بشأن التعاون الاستثماري مع ممثلي شركات عالمية لرأس المال المخاطر، قبل أن يعلن من خلال «إعلان سان فرانسيسكو» أن كوريا «سترتقي إلى مصاف الدول المحورية التي لا غنى عنها في سلسلة الإمداد العالمية للذكاء الاصطناعي». وبذلك رسخت الجولة أسس الصناعات التكنولوجية المتقدمة التي ستقود مستقبل كوريا، ومهدت الطريق على المستوى العالمي أمام البلاد للارتقاء إلى قوة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.
أما الجولة في أمريكا الجنوبية، فقد ركزت على تعزيز التجارة، وتأمين سلاسل إمداد الموارد الحيوية، وتوسيع نطاق الدبلوماسية الكورية نحو دول الجنوب العالمي.
وخلال زيارة دولة إلى البرازيل، أكبر دول أمريكا الجنوبية من حيث المساحة والسكان والنفوذ، التقى الرئيس لي بالرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي يتقاطع معه في جوانب من الخلفية الاجتماعية والتجربة الحياتية، وجدد الزعيمان التأكيد على التضامن والثقة بين البلدين.
كما حصلت كوريا على التزام باستئناف المفاوضات التجارية مع «ميركوسور»، أكبر سوق مشتركة في أمريكا الجنوبية، ما وفر لها موطئ قدم للوصول إلى سوق يبلغ عدد سكانها نحو 280 مليون نسمة. ووقع الجانبان 7 مذكرات تفاهم في مجالات تشمل الطاقة والفضاء، كما اتفقا على تطوير المعادن الحيوية وتعزيز سلاسل الإمداد، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة، التي تمتلك البرازيل ثاني أكبر احتياطي عالمي منها، إلى جانب النيكل وخام الحديد.
واتفق البلدان كذلك على توسيع التعاون في مجالي الصناعات الدفاعية والطيران، بما في ذلك التطوير المشترك لطائرة مدنية من الجيل المقبل، وفتح آفاق أوسع أمام الشركات الكورية في قطاعات مثل صناعة التجميل. وأكد الجانبان عزمهما على الارتقاء إلى شراكة مثالية تجمع بين التكنولوجيا الابتكارية والقدرات التصنيعية الكورية من جهة، والموارد والطاقة الوفيرة في البرازيل من جهة أخرى، بما يسهم في بناء سلاسل إمداد مستقرة وقيادة الصناعات المستقبلية بصورة مشتركة.
ومع تشيلي، أول دولة أبرمت كوريا معها اتفاقية تجارة حرة، اتفق الجانبان على تحديث الاتفاقية بعد 22 عامًا، في إطار شراكتهما في دعم التجارة الحرة الدولية.
وتملك كوريا قدرة تنافسية عالمية في الصناعات المتقدمة، مثل البطاريات والسيارات وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، في حين تعد تشيلي أكبر منتج للنحاس في العالم وصاحبة أكبر احتياطي من الليثيوم، ما يجعلها قاعدة رئيسية لسلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعات الخضراء العالمية. ومن هذا المنطلق، اتفق الجانبان على أن يصبحا شريكين مثاليين في هذه المجالات. كما يُتوقع أن تدعم تشيلي انضمام كوريا إلى الاتفاق الشامل والتقدمي للشراكة عبر المحيط الهادئ.
وفي الأرجنتين، استأنف الرئيس لي الدبلوماسية الثنائية على مستوى القمة في أول زيارة لرئيس كوري منذ 22 عامًا إلى بلد يمتلك رابع أكبر احتياطي من الليثيوم وثاني أكبر احتياطي من الغاز الصخري في العالم.
ووقع الرئيس لي مع نظيره الأرجنتيني خافيير ميلي مذكرة تفاهم للتعاون في المعادن الحيوية تشمل كامل سلسلة الإمداد، من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة، إلى جانب اتفاقية لتجنب الازدواج الضريبي. كما اتفق الجانبان على بدء استيراد النفط الخام الأرجنتيني على نطاق واسع اعتبارًا من العام المقبل، بعد بدء استيراده تجريبيًا هذا العام.
وجسدت هذه الجولة استراتيجية للأمن الاقتصادي تقوم على توظيف الدبلوماسية لمواجهة تصاعد الحمائية التجارية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية. فقد عملت كوريا على بناء شبكة للتعاون المتبادل المنفعة مع كبرى شركات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة في الولايات المتحدة، إلى جانب تعزيز سلاسل الإمداد وتأمين الموارد اللازمة للصناعات المستقبلية.
وبهذا المعنى، قدمت الجولة نموذجًا واضحًا للدبلوماسية البراغماتية، من خلال الجمع بين تنمية الصناعات المتقدمة، وتأمين الموارد، وتعزيز القدرة التنافسية المستقبلية للصناعة الكورية، وترسيخ الأمن الاقتصادي للبلاد.
مهام الدبلوماسية الكورية
عقدت كوريا حتى الآن قممًا ثنائية مع جميع أعضاء مجموعة العشرين باستثناء روسيا، ما وفر أساسًا لاستعدادها لتولي رئاسة المجموعة عام 2028.
ويمكن لكوريا أن تستفيد من رغبة روسيا في تطبيع العلاقات معها، وأن تظهر قدرًا من المرونة والتوازن في التعامل مع العلاقة بين روسيا والغرب، بما يساعدها على استكمال نهجها في الدبلوماسية البراغماتية الشاملة.
وفي الوقت نفسه، شجع على بناء شبكة تعاون متبادل المنفعة بين كوريا والولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، تجمع هذه الشركات مع كبرى الشركات الكورية، ومنها سامسونغ إلكترونيكس، وإس كيه هاينكس، وهيونداي موتور، ونافر، ويقودها عدد من أبرز رجال الأعمال الكوريين، مثل لي جاي-يونغ وتشوي تاي-وون وتشونغ أوي-سون ولي هاي-جين. وتشمل هذه الشبكة تعاونًا في قطاع أشباه الموصلات بقيمة 950 مليار دولار، أي نحو 1375 تريليون وون.
هونغ هيون-إيك هو الأمين العام للجنة الكورية لليونسكو. ومنذ عام 1997، عمل باحثًا في معهد سيجونغ، حيث تناول في أبحاثه قضايا البرنامج النووي الكوري الشمالي، والعلاقات بين الكوريتين، والتحالف الكوري الأمريكي، والعلاقات الكورية الروسية، وبناء نظام سلام في شبه الجزيرة الكورية، إلى جانب قضايا الأمن الوطني والاستراتيجية الوطنية لكوريا. كما شغل منصب رئيس الأكاديمية الوطنية الدبلوماسية، ورئيس اللجنة الفرعية للشؤون الخارجية والأمن في لجنة تخطيط شؤون الدولة.