آراء

2026.07.22

الرئيس الكوري لي جيه-ميونغ والرئيس المنغولي أوخنانغين خوريلسوخ يتصافحان خلال مراسم الاستقبال الرسمية في ساحة سوخباتار بالعاصمة أولان باتور يوم 9 يوليو (بالتوقيت المحلي). (المصدر: المكتب الرئاسي لجمهورية كوريا)

الرئيس الكوري لي جيه-ميونغ والرئيس المنغولي أوخنانغين خوريلسوخ يتصافحان خلال مراسم الاستقبال الرسمية في ساحة سوخباتار بالعاصمة أولان باتور يوم 9 يوليو (بالتوقيت المحلي). (المصدر: المكتب الرئاسي لجمهورية كوريا)



Professor Song_s



بقلم سونغ بيونغ-غو، أستاذ قسم الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية بجامعة دانكوك ورئيس الجمعية الكورية للدراسات المنغولية

في ظل التصاعد المستمر للتنافس بين الولايات المتحدة والصين، وتنامي النزعات القومية الاقتصادية، أصبحت الدبلوماسية الرئاسية اليوم إحدى أهم استراتيجيات البقاء. وقد شكلت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الكوري لي جيه-ميونغ إلى منغوليا خلال الفترة من 9 إلى 11 يوليو، وهي أول زيارة دولة يقوم بها رئيس كوري إلى منغوليا منذ خمسة عشر عاماً، نقطة تحول نوعية في تعزيز أمن الموارد في ظل إعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية، إلى جانب إرساء تعاون أمني مؤسسي في شمال شرق آسيا. كما سيرتقي «الإعلان المشترك للعصر الذهبي بين كوريا ومنغوليا»، الذي أعلنه قائدا البلدين، بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.

وأعادت هذه الزيارة تنشيط الدبلوماسية الرئاسية التي ظلت راكدة منذ عام 2011، معلنةً استئناف قنوات التواصل الدبلوماسي رفيعة المستوى بصورة كاملة بين البلدين. كما أصبح الرئيس لي أول رئيس كوري يُدعى بصفة ضيف شرف رسمي لإلقاء كلمة في افتتاح مهرجان «نادام» التقليدي، الذي يُعد أهم رمز وطني في منغوليا، وأحد عناصر التراث الثقافي غير المادي المدرجة على قائمة اليونسكو. ولم تقتصر العلاقات الودية بين الزعيمين على البروتوكول الرسمي، بل عكست أجواءً غير رسمية عززت الثقة المتبادلة.

ويعكس هذا الاستقبال الاستثنائي عمق الثقة التي يكنها الشعب والحكومة المنغوليان تجاه كوريا. كما أن التواصل الإنساني مع قادة السهوب المنغولية لا يقتصر على الرمزية الدبلوماسية، بل يشكل رصيداً دبلوماسياً مهماً يعزز استقرار الشراكة الثنائية في مواجهة التقلبات الدولية.

ويواجه الاقتصاد الكوري اليوم تحديين رئيسيين، يتمثلان في تنويع سلاسل التوريد للحد من الاعتماد على عدد محدود من الدول، وضمان أمن الموارد في ظل احتدام المنافسة العالمية على التكنولوجيا. وبالنسبة لكوريا، التي تتصدر الصناعات المستقبلية مثل أشباه الموصلات المتقدمة، والبطاريات القابلة لإعادة الشحن، والسيارات الكهربائية، فإن تأمين إمدادات مستقرة من المعادن الحيوية يمثل شرياناً حيوياً لاستمرار قدرتها التنافسية. ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية الخاصة لمنغوليا.

وكان أبرز إنجاز تحقق خلال هذه الزيارة هو التأمين المؤسسي لسلاسل توريد المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة من منغوليا. فقد نجحت كوريا في ترسيخ موطئ قدم مستقر ومستقل لسلاسل التوريد في قلب أوراسيا، في مواجهة احتكار الموارد واستخدامها كورقة ضغط من قبل بعض الدول، وهو ما من شأنه أن يعزز القدرة التنافسية للصناعة الكورية إلى مستوى جديد. وفي المقابل، تتيح هذه الشراكة لمنغوليا فرصة التحول من مجرد مصدر للمواد الخام إلى اقتصاد قائم على القيمة المضافة، من خلال دمج تقنيات التكرير والمعالجة والبنية التحتية الصناعية الكورية المتقدمة.

ومن الناحية الدبلوماسية والأمنية، تتمتع منغوليا بموقع جيوسياسي فريد، إذ تقع بين قوتين عظميين هما روسيا والصين، ومع ذلك تحافظ على علاقات دبلوماسية وثيقة مع كل من كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية. كما واصلت دعمها الثابت لمواقف كوريا الجنوبية في المحافل الدولية فيما يتعلق بإخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي وترسيخ السلام. وتُعد «حوارات أولان باتور»، وهي آلية حوار أمني متعدد الأطراف تقودها منغوليا، منصة دبلوماسية مهمة لإشراك كوريا الشمالية في الحوار.

ومن المشجع، من المنظور الجيوسياسي، أن يجدد الرئيسان أوخنانغين خوريلسوخ ولي خلال القمة تأكيد دعمهما الكامل لإخلاء شبه الجزيرة الكورية من السلاح النووي، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، إلى جانب الاتفاق على تفعيل آليات الحوار الأمني في شمال شرق آسيا. وفي ظل تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة، بما في ذلك تنامي التقارب بين كوريا الشمالية وروسيا، فإن توظيف الموقع الاستراتيجي لمنغوليا لتوسيع نطاق الدبلوماسية وتعزيز التعاون متعدد الأطراف يُعد إنجازاً محورياً آخر لهذه الزيارة.

ولقد جسدت زيارة الرئيس لي نموذجاً ناجحاً جمع بتناغم بين المرتكزات الثلاث للدبلوماسية، وهي: المصالح الاقتصادية (دبلوماسية الموارد)، والتعاون الأمني (السلام في شبه الجزيرة الكورية)، والتضامن الثقافي (المشاركة كضيف شرف في مهرجان «نادام»).

ومع ذلك، فإن الأهم من الإعلانات الدبلوماسية هو تنفيذ الاتفاقيات وتحويل «العصر الذهبي» إلى نتائج ملموسة. وينبغي أن تتجاوز العلاقات المستقبلية إطار التعاون التقليدي في مجال الموارد، لتشهد تحولاً شاملاً من خلال المبادرات العملية التالية:

أولاً: توسيع الشراكة في مجال الطاقة الخضراء عبر مشاركة الشركات الكورية في إنشاء البنية التحتية لمشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بما يسهم في مكافحة التصحر وقيادة التحول الأخضر في أوراسيا.

ثانياً: نقل البنية التحتية الكورية في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والذكاء الاصطناعي والبرمجيات، بهدف إعداد الشباب المنغولي ليصبحوا كوادر رقمية قادرة على قيادة المستقبل ضمن أطر مؤسسية مستدامة.

ثالثاً: تحديث البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد في أوراسيا، من خلال دعم تطوير السكك الحديدية والطرق وشبكات الطيران في منغوليا، بما يمنح منغوليا فرصاً أكبر للوصول إلى الموانئ البحرية، ويوفر لكوريا موطئ قدم برياً في أوراسيا.

رابعاً: إضفاء الطابع المؤسسي على التبادل الأكاديمي والثقافي بين الأجيال القادمة، من خلال تعزيز البحوث المشتركة بين الجامعات، وتوسيع برامج التبادل الأكاديمي والبشري، بما يرسخ أسس الشراكة المستدامة.

تُطلق كوريا على منغوليا اسم «بلد السماء الزرقاء»، بينما تُطلق منغوليا على كوريا اسم «بلد قوس قزح» أو «سولونغوس». وتعكس هذه التسميات عمق مشاعر الصداقة والثقة المتبادلة بين الشعبين. وقد مثلت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس لي شرارة جديدة أعادت إحياء الإمكانات الكامنة في هذه العلاقات التاريخية.

ويقع على عاتقنا الآن تحويل هذه الإنجازات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة من خلال ترسيخها في أطر قانونية ومؤسسية، والارتقاء بها إلى مستوى تعاون حر وخلاق يقوده القطاع الخاص. وعندما تتكامل الإمكانات الهائلة لمنغوليا في سهولها الشاسعة مع القدرات التكنولوجية المتقدمة لكوريا، ستصبح العلاقات الكورية-المنغولية أحد أهم المحاور الدافعة للسلام والازدهار المشترك في شمال شرق آسيا.


ملاحظة: يعمل الأستاذ سونغ بيونغ-غو أستاذاً في قسم الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية بجامعة دانكوك، كما يشغل منصب مدير معهد الدراسات المنغولية التابع للجامعة، ورئيس الجمعية الكورية للدراسات المنغولية.