آراء

2026.07.02

منظر بانورامي لـ«شاطئ هايونداي» يظهر من «مرصد بوسان إكس ذا سكاي»، أحد أبرز المعالم في حي هايونداي بمدينة بوسان. (تصوير: تيريزيا مارغريت)

منظر بانورامي لـ«شاطئ هايونداي» يظهر من «مرصد بوسان إكس ذا سكاي»، أحد أبرز المعالم في حي هايونداي بمدينة بوسان. (تصوير: تيريزيا مارغريت)




هو مين، رئيس هيئة التراث الوطني

تنطلق في 19 يوليو بمدينة بوسان الكورية أعمال الدورة الثامنة والأربعين للجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، التي تُعد أولمبياد الدبلوماسية الثقافية لمناقشة التراث ذي القيمة العالمية الاستثنائية الذي ينبغي للبشرية جمعاء حمايته ورعايته. وتمثل هذه الدورة محطة تاريخية، إذ تتولى كوريا رئاستها للمرة الأولى منذ انضمامها إلى اتفاقية التراث العالمي عام 1988. ويشكل هذا الحدث علامة فارقة في سياسة التراث الوطني الكورية، ويعد أفضل فرصة لترسيخ مكانة «كي-تراث» عالميًا، بعدما تحولت البلاد من دولة متلقية للمساعدات الدولية إلى دولة تؤدي دورًا قياديًا في المجال الثقافي.

ورغم حداثة انضمامها إلى الاتفاقية عام 1988، فقد أدرجت كوريا حتى الآن 17 موقعًا من التراث الثقافي والطبيعي، وحظيت جميعها باعتراف عالمي لقيمتها العالمية الاستثنائية. فمنذ إدراج ضريح «جونغميو»، ومغارة «سوكغورام» ومعبد «بولغوكسا»، ومخزن «هينسا جانغكيونغ بانجيون» عام 1995، يجسد التراث الكوري عمقًا تاريخيًا وتنوعًا حضاريًا. كما أبهرت «جزيرة جيجو البركانية وأنابيب الحمم البركانية»، التي أدرجت كأول موقع تراث طبيعي لكوريا عام 2007، العالم بقيمتها الجيولوجية الفريدة وجمالها الطبيعي الأخاذ. أما «نقش بانغوتشون الصخري»، الذي أدرج العام الماضي، فيجسد بوضوح حياة الإنسان وفكره في عصور ما قبل التاريخ، بوصفه إرثًا مشتركًا للبشرية. وتبرهن مواقع التراث العالمي الكورية، من أول موقع طبيعي إلى أحدث موقع ثقافي، على كيف تعايشت الطبيعة والإنسان، والماضي والحاضر، عبر العصور.

وتحمل مدينة بوسان، التي تستضيف هذه الدورة، رمزية مهمة بحد ذاتها. فقد كانت «العاصمة المؤقتة» التي احتضنت اللاجئين من مختلف أنحاء البلاد خلال الحرب الكورية، ولا تزال آثار الكرامة الإنسانية والأمل التي تجلت وسط المعاناة الشديدة قائمة في أنحاء المدينة، وهي مدرجة أيضًا على القائمة المؤقتة للتراث العالمي لليونسكو. وبعد أن حققت بوسان نموًا اقتصاديًا وازدهارًا كبيرين على أنقاض الحرب بدعم من المجتمع الدولي، أصبحت اليوم منصة للتضامن الدولي، حيث يجتمع خبراء التراث العالمي لمناقشة المستقبل. وتتوافق مسيرة المدينة في تجاوز المحن وتحقيق التعافي والازدهار تمامًا مع قيم السلام والتعايش التي تنادي بها اليونسكو.

ومن المتوقع أن تمثل هذه الدورة، التي تستضيفها كوريا للمرة الأولى، فرصة مهمة للارتقاء بمكانة كوريا القيادية على الساحة الدولية. فترؤس اللجنة لأول مرة يعني أن كوريا لم تعد مجرد دولة تزخر بالتراث، بل أصبحت فاعلًا رئيسًا يقود منظومة حماية التراث العالمي وإدارته. كما تتزايد التوقعات بإدراج «المسطحات الطينية الكورية – المرحلة الثانية» ضمن قائمة التراث العالمي. وإذا تحقق هذا الإدراج الموسع، فسيشكل فرصة جديدة لإبراز القيمة العالمية للمسطحات الطينية الكورية بوصفها خزانًا غنيًا للتنوع البيولوجي.

وعلاوة على ذلك، تستعد كوريا لاعتماد «إعلان بوسان»، الذي سيقدم رؤية مستقبلية لسياسات التراث العالمي وسبل مواجهة الأزمات المركبة التي تهدد هذا التراث. ويواجه التراث العالمي اليوم تحديات غير مسبوقة، من بينها الأضرار الناجمة عن تغير المناخ والدمار الناتج عن النزاعات المسلحة. ولمواجهة هذه التحديات، تقترح كوريا تعزيز التضامن الدولي بإضافة «التعاون» إلى الأهداف الإستراتيجية الخمسة التي اعتمدتها اليونسكو، وهي: المصداقية، والصون، وبناء القدرات، والتواصل، والمجتمعات المحلية. كما يطرح الإعلان، للمرة الأولى في مجال التراث العالمي، قضية الحفاظ على أصالة التراث في عصر الذكاء الاصطناعي، من خلال تضمين مبادئ الأخلاق والمسؤولية في عصر التحول الرقمي.

ونأمل ألا يقتصر «إعلان بوسان» على كونه نتيجة لحدث عابر، بل أن يصبح معلمًا رئيسًا في مجال التراث العالمي يتداوله المجتمع الدولي باستمرار. وتحقيقًا لذلك، تخطط هيئة التراث الوطني لتنفيذ مشاريع متابعة متنوعة، إلى جانب تنظيم «منتدى بوسان». وانطلاقًا من «إعلان بوسان»، ستواصل كوريا ممارسة قيادة مستدامة ومسؤولة في ميدان الدبلوماسية الثقافية العالمية.

وتعد «قاعة كوريا» (بيت كي-تراث)، التي ستقام في مركز «بكسكو» للمؤتمرات والمعارض على مساحة تعادل ضعفي مساحة ملعب كرة قدم تقريبًا، أبرز فعاليات هذه الدورة. ولن تقتصر هذه القاعة على استقبال الضيوف الأجانب، بل ستكون مساحة مفتوحة للجمهور لتجربة محتوى ثقافي تقليدي راقٍ يشمل التراث العالمي، والتراث الثقافي غير المادي، والتراث الوثائقي الكوري. ونسعى إلى جعل هذه القاعة، التي تجمع بين عمق التقاليد وأحدث التقنيات، منطلقًا للتعريف بـ«كي-ثقافة» وجذورها المتمثلة في «كي-تراث». وستكون القاعة فضاءً احتفاليًا يُبرز تميّز التراث الكوري عالميًا، ويعزز في الوقت نفسه فخر المواطنين به.

إن التراث العالمي ليس مجرد آثار من الماضي، بل هو إرث مشترك للبشرية ننقله إلى الأجيال القادمة. وإن رسالة «كي-تراث» التي ستنطلق من بوسان ستترك أثرًا عميقًا في العالم، وستشكل نقطة انطلاق جديدة لترسيخ مكانة كوريا قوةً ثقافيةً رائدة على الساحة الدولية. ونتطلع إلى أن تواصل كوريا أداء دورها بصفتها قائدة عالمية حقيقية تسهم في رسم مستقبل اتفاقية التراث العالمي، من خلال الاستضافة الناجحة للدورة الثامنة والأربعين للجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو.

تولى هو مين منصبه رئيسًا لهيئة التراث الوطني في يوليو 2025.


margareth@korea.kr