حقيبة صغيرة مستوحاة من فن البوجاغي، من تصميم وتنفيذ الفنانة سون بو-يونغ. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة سون بو-يونغ على إنستغرام، ونُشرت بإذنها)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية مريم صلاح
يُعد «البوجاغي» من عناصر الثقافة التقليدية الكورية، وهو قماش يُستخدم لتغليف الهدايا وحفظ الأغراض ونقلها. وتعود تقاليده إلى قرون، وقد ارتبط بالحياة اليومية للكوريين وبثقافة تغليف الهدايا والاحتفاظ بالأشياء بعناية.
ويشمل البوجاغي أنواعًا متعددة، من بينها «الجوغاكبو»، الذي يُصنع من وصل قصاصات القماش الصغيرة لتكوين قطعة واحدة تتميز بتناسق ألوانها وأشكالها الهندسية.
في هذا الحوار، نتعرف إلى تجربة الفنانة الكورية سون بو-يونغ، التي عملت خلال إقامتها في سويسرا على تقديم البوجاغي للجمهور الأوروبي بصورة تجمع بين الحفاظ على جوهره التقليدي وإدخاله في الاستخدامات اليومية المعاصرة. كما طورت، بالتعاون مع مصممة كورية سويسرية، حقائب مستوحاة من هذا الفن، وتستعد لمواصلة أنشطتها الثقافية والفنية في روما.
أُجري الحوار عبر البريد الإلكتروني خلال الفترة من 19 أغسطس إلى 2 أكتوبر 2026، للحديث عن رحلتها مع البوجاغي ورؤيتها لنقل هذه الحرفة الكورية إلى مجتمعات جديدة.
كيف تقدمين نفسك إلى القراء من خلال ارتباطك بالتراث الكوري؟ وكيف أثرت تجربة العيش بين كوريا وسويسرا في حياتك وفنك؟
قضيت سنوات العشرينيات من عمري في الدراسة والعمل في كوريا، وهو ما منحني أساسًا قويًا لارتباطي بالثقافة والتراث الكوريين. وبعد أن عشت نحو 15 عامًا في إفريقيا وأوروبا، بما في ذلك سويسرا، تولدت لدي رغبة في بناء أسلوب حياة يجمع بين الثقافة الكورية والثقافات المتنوعة التي تعرفت إليها في الخارج.
ساعدتني هذه التجارب على فهم الطريقة التي يمكن أن تصبح بها الثقافة جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، كما منحتني رؤية أوضح لكيفية تقديم البوجاغي إلى أشخاص يتعرفون إليه للمرة الأولى.
ما الذي جذبك شخصيًا إلى فن لف القماش وعقده؟ وما الذي دفعك إلى تعريف الجمهور في سويسرا بالبوجاغي؟
أتاح لي عملي في المركز الثقافي الكوري فرصة إعادة التواصل مع الحرف التقليدية الكورية. وقد وجدت هذه الحرف جميلة، لكنني لم أرغب في تقديمها باعتبارها أعمالًا فنية بعيدة عن حياة الناس، بل أردت أن يصبح البوجاغي حرفة عملية وسهلة الاستخدام.
لاحظت أن كثيرًا من الناس في سويسرا وأوروبا لا يعرفون البوجاغي، أو يظنون أن «الجوغاكبو» يمثل هذا الفن كله، رغم أنه أحد أنواعه فقط. ورأيت في ذلك فرصة لتعريفهم بتنوع البوجاغي واستخداماته المختلفة.
كما وجدت أن البوجاغي مناسب للمبتدئين، ويمكن إدخاله بسهولة في الحياة اليومية. ومن هنا بدأت أفكر في تقديمه من خلال ورش تفاعلية تساعد المشاركين على لمسه وتجربته واكتشاف معانيه بأنفسهم، بما يسهم في استمرار هذه الحرفة ونقلها إلى أجيال ومجتمعات جديدة.
جانب من المواد التي أعدتها الفنانة سون بو-يونغ لورشة تعليم فن البوجاغي في مدينة زيورخ السويسرية. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة سون بو-يونغ على إنستغرام، ونُشرت بإذنها)
تنظمين بانتظام ورشًا تفاعلية لتعليم البوجاغي في سويسرا. ما أكثر ما يفاجئ المشاركين عند تجربة هذا الفن للمرة الأولى؟
يندهش المشاركون من تنوع طرق عقد القماش ولفّه، ومن إمكانية تقديم الهدايا من دون استخدام الورق أو الصناديق التقليدية. ويجد كثير منهم أن تحويل قطعة قماش بسيطة إلى غلاف جميل وعمل فني في الوقت نفسه تجربة جديدة وممتعة.
ويسألني بعض المشاركين عما إذا كان بإمكانهم الاحتفاظ بقماش البوجاغي بعد فتح الهدية، وهو ما يفتح بابًا للحديث عن إمكانية إعادة استخدامه وعن المعاني الثقافية المرتبطة به.
كما يثير اهتمامهم أن هذه الحرفة تحمل تاريخًا يمتد لقرون. وبعد الورش، أتلقى أحيانًا رسائل من المشاركين يخبرونني فيها بأنهم أعادوا تجربة طرق اللف أو استخدموا البوجاغي في منازلهم. ومن خلال هذه اللحظات، أشعر بأن الحرفة أصبحت وسيلة للتواصل الإنساني، وليست مجرد طريقة لتغليف الأشياء.
قطع من فن البوجاغي الكوري التقليدي أعدتها الفنانة سون بو-يونغ. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة سون بو-يونغ على إنستغرام، ونُشرت بإذنها)
حوّلتِ البوجاغي التقليدي إلى حقائب يد عصرية. كيف طورتِ هذه الفكرة بما يتناسب مع الحياة اليومية في أوروبا؟
أؤمن بأن البوجاغي ينبغي ألا يقتصر على المشاهدة داخل المعارض، بل يجب أن يُستخدم ويُمارس في الحياة اليومية. ولهذا أركز على الأنشطة التي تتيح للناس لمس القماش وتعلم طرق استخدامه بصورة مباشرة.
وطورت حقيبة يد مستوحاة من البوجاغي بالتعاون مع المصممة الكورية السويسرية نينا يون. وحافظنا في التصميم على فكرة البوجاغي الأساسية، مع استخدام خامات طبيعية وتعديل بعض التفاصيل حتى تصبح الحقيبة ملائمة للاستخدام اليومي.
يتميز البوجاغي بمرونته وقدرته على الانسجام مع أشكال وتصميمات متعددة، وهذا ما يفتح أمامه إمكانات جديدة من دون أن يفقد هويته الكورية.
حقيبة يد عصرية مستوحاة من البوجاغي، من تصميم وتنفيذ الفنانة سون بو-يونغ بالتعاون مع المصممة نينا يون. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة سون بو-يونغ على إنستغرام، ونُشرت بإذنها)
يحتاج التحضير للورش والمعارض إلى كثير من الوقت. كيف تبدو مراحل العمل خلف الكواليس؟
تُجهَّز قطع البوجاغي في كوريا ثم تُشحن إلى سويسرا، ولذلك تحتاج عملية التجهيز إلى وقت وتنسيق مسبق. وفي بعض الأحيان، تُحدد مواعيد الورش والفعاليات خلال فترة قصيرة، ما يتطلب الاستعداد بسرعة.
وبما أنني أتنقل بين مدن ودول مختلفة، فإن إعداد المواد وترتيب السفر يجريان في الوقت نفسه. وبعد وصول قطع البوجاغي، أفحص كل مجموعة وأكويها وأرتبها وأجمع الأدوات اللازمة للورشة. وقد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها تستغرق وقتًا طويلًا وتشكل جزءًا أساسيًا من نجاح النشاط.
ملصق معرض وورشة فن البوجاغي اللذين أقيما في العاصمة الفرنسية باريس عام 2026. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة سون بو-يونغ على إنستغرام، ونُشرت بإذنها)
يرتبط البوجاغي أيضًا بفكرة الاستدامة وإعادة الاستخدام. كيف يتفاعل الجمهور السويسري مع هذا الجانب؟
ينسجم الوعي البيئي في سويسرا مع فلسفة البوجاغي بصورة طبيعية. فعلى خلاف مواد التغليف التي تُستخدم مرة واحدة ثم تُرمى، يمكن إعادة استخدام قطعة البوجاغي مرات عديدة وبطرق مختلفة.
يجمع البوجاغي بين الجمال والعملية، ويمنح القماش عمرًا أطول. وقد لاحظت أن هذا الجانب يثير اهتمام المشاركين في الورش، خصوصًا عندما يكتشفون أنهم يستطيعون استخدام القطعة نفسها لتغليف الهدايا أو حفظ أغراض متنوعة. ومع ذلك، لا يزال هذا الفن بحاجة إلى مزيد من الوقت والتجارب حتى يصبح معروفًا على نطاق أوسع في أوروبا.
قطعة من البوجاغي الكوري في مشهد يجمع بين الطبيعة وأحد معالم مدينة جنيف السويسرية عام 2025. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة سون بو-يونغ على إنستغرام، ونُشرت بإذنها)
بعد خمس سنوات من الإقامة في سويسرا، تستعدين للانتقال إلى روما. كيف تخططين لمواصلة أنشطتك المرتبطة بالبوجاغي في إيطاليا؟
بعد خمس سنوات من الإقامة في سويسرا وثلاث سنوات من العمل على تقديم البوجاغي، أنقل الآن حياتي ونشاطي الفني إلى روما. وأخطط لمواصلة التعاون مع الجهات والأشخاص الذين عملت معهم في سويسرا، بالتزامن مع تعريف الجمهور الإيطالي بهذا الفن.
وتُعرف إيطاليا باهتمامها بالحرف اليدوية التقليدية، ولذلك أتطلع إلى معرفة كيفية تفاعل الجمهور هناك مع البوجاغي. كما أعمل على تطوير مجموعة للتغليف الذاتي بالبوجاغي، تساعد المهتمين على تجربة طرق اللف بأنفسهم، وهي فكرة جاءت استجابة لطلبات عدد من طلاب الورش.
وآمل أيضًا في لقاء أشخاص يرغبون في تعلم البوجاغي بصورة منهجية، حتى نتمكن من العمل معًا وتعريف المجتمع المحلي بهذا الجانب من الثقافة الكورية.
تكشف تجربة الفنانة سون بو-يونغ أن الحفاظ على الحرف التقليدية لا يعني إبقاءها بعيدة عن الحياة المعاصرة، بل يمكن أن يتحقق من خلال استخدامها وتطوير أشكال جديدة مستوحاة منها مع احترام أصلها وهويتها.
فمن قطعة قماش كانت تستخدم في الحياة اليومية في كوريا إلى ورش فنية وحقائب معاصرة في مدن أوروبية، يواصل البوجاغي رحلته بوصفه حرفة عملية ولغة بصرية تحمل معها جانبًا من تاريخ كوريا وقيمها الجمالية. ومع انتقال سون بو-يونغ إلى روما، تبدأ مرحلة جديدة من محاولتها تعريف مزيد من الناس بهذا الفن الكوري وإدخاله في تفاصيل حياتهم اليومية.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.