صورة تعبيرية تجسد شغف موضي الحديثي باللغة الكورية، أعدتها المراسلة الفخرية نورا خليل محمد باستخدام الذكاء الاصطناعي. (المصدر: المراسلة الفخرية نورا خليل محمد)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية نورا خليل محمد
بدأ اهتمام موضي الحديثي بتعلم اللغات منذ الصغر، ثم قادها فضولها إلى اللغة الكورية. لكن علاقتها بالكورية لم تتوقف عند حدود التعلم الذاتي، بل تحولت مع مرور الوقت إلى مسيرة في التدريس وإعداد محتوى تعليمي باللغة العربية.
انتقلت موضي من البحث عن مصادر تساعدها على فهم اللغة إلى تدريسها في جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، وتقديم دورات بالتعاون مع جهات تعليمية مختلفة، ثم تأليف كتاب «أساسيات اللغة الكورية». وكان أحد دوافعها الرئيسية تقديم شرح عربي يساعد المتعلم على فهم بنية اللغة الكورية بصورة أوضح.
أُجري هذا الحوار مع موضي الحديثي يوم 14 سبتمبر 2026 عبر منصة إنستغرام، وتحدثت خلاله عن رحلتها من متعلمة إلى معلمة، وعن التحديات التي يواجهها الناطقون بالعربية في تعلم الكورية، وأهمية الاستمرار في دراسة اللغة وفهم ثقافتها.
من شغف شخصي إلى تجربة تعليمية
أحبت موضي تعلم اللغات منذ طفولتها، لكن تجربتها في تعليم اللغة الكورية بدأت خلال دراستها الجامعية. فقد كان في الجامعة نادٍ طلابي يهتم بتعليم اللغات، وفكرت في تقديم دروس في الكورية لزملائها.
تقدمت إلى مقابلة وأصبحت معلمة للكورية في النادي. ومن تلك الخطوة، بدأت تجربتها الفعلية في التدريس. ثم واصلت تقديم دورات عبر جهات ومدارس وجامعات مختلفة، مستفيدة من تجربتها السابقة في التعلم الذاتي.
وتقول موضي: “منذ ذلك الوقت، بدأت رحلتي تأخذ شكلًا مختلفًا، وأصبحت اللغة الكورية جزءًا أساسيًا من مسيرتي”.
لم تعد الكورية بالنسبة إليها موضوعًا تدرسه لنفسها فقط، بل أصبحت معرفة تحاول نقلها إلى متعلمين آخرين باللغة التي يفهمونها.
بطاقة موضي الحديثي خلال حضورها محاضرة عن اللغة الكورية في جامعة طيبة بالمدينة المنورة. (المصدر: موضي الحديثي، مستخدمة بإذن منها)
الحاجة إلى شرح كوري باللغة العربية
اعتمدت موضي في بداية تعلمها على المصادر المتاحة عبر الإنترنت، وكان معظمها باللغة الإنجليزية. أما المصادر العربية، فلم تكن تقدم دائمًا الشرح المتكامل الذي كانت تحتاج إليه، ولا سيما في القواعد وبناء الجملة.
ومن هنا بدأت تفكر في إعداد مادة تعليمية تشرح اللغة الكورية للناطقين بالعربية بطريقة تراعي الاختلاف بين اللغتين. وبعد أن اكتسبت خبرة أكبر في التدريس، حولت هذه الفكرة إلى كتاب يبدأ بالحروف وتاريخ اللغة، ثم ينتقل تدريجيًا إلى القواعد والتراكيب.
وكان اهتمامها بالنحو العربي من العوامل التي أثرت في طريقة شرحها. فقد سعت إلى تقريب بعض القواعد الكورية من المتعلم العربي من خلال المقارنة المنهجية، مع توضيح أن بنية كل لغة لها خصائصها ولا يمكن مطابقة اللغتين بصورة حرفية.
واستغرق إعداد الكتاب نحو ثمانية أشهر. وتقول موضي إنها حاولت أن تدرج فيه التفاصيل التي كانت تتمنى العثور عليها عندما بدأت تعلم الكورية، بما في ذلك المعلومات البسيطة التي قد تكون مهمة جدًا للمتعلم في مراحله الأولى.
كتب أعدتها موضي الحديثي لتعليم اللغة الكورية باللغة العربية. (المصدر: موضي الحديثي، مستخدمة بإذن منها)
تحديات يتشاركها المتعلمون العرب
ترى موضي أن تعليم اللغة الكورية للناطقين بالعربية يتطلب الانتباه إلى الفروق الصوتية والنحوية بين اللغتين. فالكورية تحتوي على أصوات لا يقابلها صوت مطابق في العربية، ولذلك قد يحتاج المتعلم إلى سماع النطق أكثر من مرة والتدرب عليه بطرق مختلفة.
كما يختلف ترتيب عناصر الجملة الكورية عن العربية، الأمر الذي قد يربك المتعلم في البداية. وتوضح موضي أن المقارنة بين اللغتين قد تساعد على تقريب الفكرة، شرط ألا تتحول إلى ترجمة حرفية تتجاهل السياق والاستخدام الطبيعي للكلمات.
ومن الأخطاء التي لاحظتها لدى بعض المتعلمين محاولة ترجمة الكلمات والصفات الكورية بصورة منفردة ومباشرة. لكن معنى الكلمة قد يتغير بحسب التركيب والموقف الذي تستخدم فيه. لذلك تؤكد أن تعلم المفردات ينبغي أن يرتبط بالجملة والسياق، لا بحفظ معنى عربي واحد لكل كلمة.
وتشير إلى أن زيادة المحتوى العربي المخصص لتعليم الكورية خلال السنوات الأخيرة تمثل تطورًا إيجابيًا. وتقول: “أؤمن بأننا جميعًا نتعلم من بعضنا. نحن مجتمع واحد، ويسعدني وجود زملاء وزميلات يقدمون اللغة الكورية بطرق متنوعة ومميزة”.
اللغة بوابة إلى فهم الثقافة
بالنسبة إلى موضي، لا ينفصل تعلم اللغة عن فهم المجتمع الذي يستخدمها. فاختيار المفردات وطريقة مخاطبة الآخرين والتعبير عن الاحترام كلها أمور ترتبط بالسياق الثقافي، ولا يمكن الوصول إلى معناها الكامل من خلال الترجمة الحرفية وحدها.
وقد تحمل العبارة الواحدة دلالات مختلفة من مجتمع إلى آخر، ولذلك يحتاج المتعلم إلى معرفة الظروف التي تستخدم فيها الكلمة، والعلاقة بين المتحدثين، ودرجة الرسمية المناسبة للموقف.
وترى موضي أن هذه المعرفة تساعد المتعلم على استخدام اللغة بصورة أكثر طبيعية، وتجنبه إسقاط المعاني المألوفة في لغته الأم على التعبيرات الكورية من دون مراعاة سياقها.
من الدراما والموسيقى إلى الدراسة والعمل
تلاحظ موضي أن دوافع تعلم اللغة الكورية في العالم العربي أصبحت أكثر تنوعًا. ففي السابق، كان الاهتمام بالدراما الكورية وموسيقى الكي-بوب من أبرز الأسباب التي تدفع كثيرين إلى البدء، وما زالت هذه الأعمال بوابة مهمة للتعرف على اللغة والثقافة.
لكن عددًا متزايدًا من المتعلمين أصبح ينظر إلى الكورية بوصفها مهارة أكاديمية ومهنية. فبعض طلابها يرغبون في الدراسة في كوريا والالتحاق بجامعاتها، بينما يخطط آخرون للعمل في الترجمة أو تدريس اللغة أو في مجالات تتطلب التواصل مع مؤسسات كورية.
وبذلك لم تعد الكورية بالنسبة إلى هؤلاء مجرد هواية مرتبطة بالمحتوى الثقافي، بل أصبحت وسيلة لاكتساب معرفة جديدة وفتح مسارات في الدراسة والعمل.
شهادة اجتياز موضي الحديثي مسابقة في الإلقاء باللغة الكورية نظمتها سفارة جمهورية كوريا في الرياض عام 2018. (المصدر: موضي الحديثي، مستخدمة بإذن منها)
حين ترى المعلمة أثر البدايات
من أكثر الجوانب التي تمنح موضي شعورًا بالرضا رؤية تطور طلابها بعد مرور سنوات. فقد سافرت بعض طالباتها إلى كوريا لمواصلة الدراسة بعد أن بدأن تعلم أساسيات اللغة في دوراتها.
وتقول إن عددًا من المتعلمين الذين التقت بهم بعد سنوات أخبروها بأن دروسها كانت جزءًا من بدايتهم مع الكورية. وترى أن استمرار الطالب في التعلم ووصوله إلى مستوى متقدم هو الأثر الأهم الذي يمكن أن يتركه المعلم.
لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن المعلم نفسه لا يتوقف عن التعلم. فعندما سألها أحد الطلاب إن كان إكمال دوراتها سيجعله يتقن الكورية بصورة كاملة، كانت إجابتها: “لا”.
وتوضح أن اللغات تتطور باستمرار، وتظهر فيها مفردات واستخدامات جديدة، وقد يواجه المعلم نفسه تعبيرات وقواعد لم يصادفها من قبل. ولذلك لا تعتبر التدريس نهاية رحلة التعلم، بل مرحلة أخرى منها.
وتلخص نصيحتها لمتعلمي اللغة الكورية في كلمة واحدة تكررها ثلاث مرات: “الاستمرار، ثم الاستمرار، ثم الاستمرار”.
شهادة تقدير قدمتها جامعة طيبة لموضي الحديثي تقديرًا لتقديمها دورة في أساسيات اللغة الكورية. (المصدر: موضي الحديثي، مستخدمة بإذن منها)
من متعلمة تبحث عن مصدر إلى معلمة تصنعه
بدأت رحلة موضي بالبحث عن مادة عربية تساعدها على فهم الكورية، ثم تحولت هذه الحاجة إلى دافع للتدريس وإعداد محتوى للمتعلمين الناطقين بالعربية.
وتكشف تجربتها عن جانب من الانتشار المتنامي للغة الكورية في العالم العربي. فالاهتمام الذي يبدأ أحيانًا من الدراما أو الموسيقى قد يتطور إلى دراسة منهجية، ثم إلى تجربة جامعية أو مسار مهني يرتبط بكوريا.
كما تبين تجربتها أن تعليم اللغة لا يقتصر على نقل الحروف والقواعد، بل يمكن أن يصبح جسرًا لفهم المجتمع الكوري والتواصل معه بصورة أعمق. وبينما تواصل موضي تدريس الكورية، ما زالت ترى نفسها متعلمة أيضًا، لأن إتقان اللغة ليس محطة نهائية، بل رحلة مستمرة من الاكتشاف والممارسة.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.