رسومات جدارية في قرية جامان بمدينة جونجو. (المصدر: محمد زين، مستخدمة بإذن منه)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية نورا خليل محمد
في عام 2016، وصل محمد زين إلى جمهورية كوريا للمرة الأولى بصفته سائحًا. كانت معلوماته عن البلد محدودة، لكنه كان يعرف أنها دولة متقدمة ومنظمة.
لم يكن يعلم حينها أن تلك الزيارة ستكون بداية رحلة تمتد لسنوات، وأن كوريا ستتحول في نظره من وجهة سياحية إلى جزء من حياته.
ومن خلال العيش والعمل والسفر داخل كوريا، اكتشف محمد تفاصيل لا يمكن معرفتها من المعلومات العامة أو الزيارات القصيرة وحدها، بدءًا من مستوى الأمان وطريقة تعامل الناس، وصولًا إلى احترام الخصوصية والالتزام بالمواعيد وسرعة إيقاع الحياة.
أُجري هذا الحوار مع محمد زين في 7 سبتمبر 2026 عبر منصة إنستغرام. وتحدث خلاله عن الحياة والمجتمع في كوريا، والمدن التي تركت أثرًا في ذاكرته، ورغبته في تعريف الجمهور العربي إلى مناطق كورية تقع خارج المسارات السياحية المعتادة.
«لم تختلف الصورة كثيرًا عما تخيلته»
يتذكر محمد انطباعه الأول عن كوريا قائلًا إنه كان يعرف قبل زيارته أنها “دولة متقدمة جدًا ومنظمة إلى أبعد حد”، وإن الواقع الذي وجده عند وصوله لم يختلف كثيرًا عن هذه الصورة.
ويرى أن النظام والالتزام في الحياة اليومية من العوامل التي أسهمت في تقدم كوريا. فالأمر، بحسب تجربته، لا يقتصر على القوانين والمؤسسات، بل يظهر أيضًا في طريقة تعامل الناس مع الوقت والعمل والمجتمع.
أما أكثر ما فاجأه، فكان مستوى الأمان واستعداد الناس لتقديم المساعدة.
ويصف شعوره بالأمان في كوريا بأنه يصعب التعبير عنه بالكلمات، موضحًا أنه يستطيع التنقل بين مناطق مختلفة من دون أن يشعر بالخوف أو القلق.
ولا يزال يتذكر موقفًا حدث في اليوم الأول لوصوله إلى البلاد. فعندما لم يتمكن من الوصول إلى الفندق الذي حجزه، سأل شابين كوريين عن الطريق. لم يكتفيا بإعطائه الاتجاهات، بل بحثا عن مكان الفندق وأصرا على مرافقته حتى وصل إليه.
ويقول إن هذا الموقف لم يكن استثناءً، فقد واجه خلال إقامته مواقف أخرى حاول فيها أشخاص كوريون مساعدته، حتى عندما لم يكونوا يعرفون الإجابة منذ البداية. كانوا يبحثون ويسألون الآخرين ويواصلون المحاولة حتى يجدوا حلًا.
محمد زين أمام الرسومات الجدارية في قرية جامان بمدينة جونجو. (المصدر: محمد زين، مستخدمة بإذن منه)
احترام الخصوصية.. درس من الحياة في كوريا
من أكثر الجوانب التي أحبها محمد في المجتمع الكوري احترام الخصوصية والحرية الشخصية.
وخلال سنوات إقامته في كوريا، ترسخت لديه قناعة بأن لكل شخص الحق في أن يعيش بالطريقة التي يختارها، ما دام يحترم القانون ولا يسبب ضررًا للآخرين، من دون أن يكون هدفًا لتدخل الناس أو أحكامهم.
ويقول إن هذه الفكرة كانت من أكثر الأمور التي أثرت فيها تجربته الكورية: “كل شخص حر في حياته الشخصية، ولا ينبغي الحكم عليه من خلال ملابسه أو مظهره”.
كما اكتسب خلال عمله في كوريا عادة الالتزام الدقيق بالمواعيد. ويوضح أن الوقت يحظى بقيمة كبيرة في المجتمع الكوري، وأن احترام الموعد قد يصل إلى الالتزام بالدقيقة.
لكن التأقلم مع الحياة الجديدة لم يكن سهلًا في جميع جوانبه. فقد احتاج محمد إلى وقت للاعتياد على سرعة الإيقاع اليومي.
ويصف الحياة في كوريا بأنها سريعة؛ فالعمل وإنجاز المهمات وتناول الطعام يجري بوتيرة متسارعة. ومع مرور الوقت، أدرك أن هذه السرعة جزء واضح من أسلوب الحياة، وتعلم كيفية التأقلم معها.
محمد زين برفقة مجموعة من السيدات الكوريات المرتديات الهانبوك في قرية جونجو هانوك. (المصدر: محمد زين، مستخدمة بإذن منه)
فضول متبادل بين كوريا ومصر
منحته تجربته بصفته مصريًا يعيش في كوريا فرصة للتعرف إلى الطريقة التي ينظر بها بعض الكوريين إلى مصر.
فعندما يعرف الأشخاص الذين يلتقي بهم أنه مصري، يلاحظ فضولًا إيجابيًا لديهم. وغالبًا ما يسألونه عن المسافة بين البلدين، وطبيعة الحياة في مصر، والأماكن التي يمكنهم زيارتها إذا سافروا إليها.
كما غيرت التجربة إحدى الصور المسبقة التي كانت لديه قبل السفر. فقد كان يخشى أن يواجه مواقف سلبية بصفته أجنبيًا، لكن تجربته الشخصية، ولا سيما مع الشباب، أظهرت له قدرًا كبيرًا من الاحترام والاستعداد للتواصل.
ويؤكد محمد أن هذه النتيجة تعبر عن تجربته الشخصية التي تكونت من مواقف متكررة عاشها خلال سنوات إقامته، وليس من زيارة قصيرة أو انطباع عابر.
مشهد من مدينة غيونغجو، إحدى المدن التاريخية التي زارها محمد زين في كوريا. (المصدر: محمد زين، مستخدمة بإذن منه)
لماذا يوثق كوريا خارج الأماكن الشهيرة؟
دفعت هذه التجارب محمد إلى تقديم محتوى ينقل الحياة في كوريا كما عرفها بنفسه.
فهو يرى أن من يزور كوريا للمرة الأولى يحتاج إلى معلومات واقعية تساعده على فهم البلد بصورة أعمق، لا إلى قائمة بالأماكن السياحية الشهيرة فحسب.
كما اكتشف أن كوريا تضم مدنًا ومناطق تحمل تاريخًا وقصصًا لا يعرف عنها كثير من الجمهور العربي. ولذلك يسعى إلى توثيق هذه الأماكن وتقديمها من زاوية مختلفة.
ولا تقتصر رؤيته على زيارة المكان والتقاط الصور، بل يهتم بالتعرف إلى تاريخ المدن وقصصها وطبيعة الحياة فيها، ولا سيما المناطق التي لا تظهر كثيرًا في المحتوى العربي عن كوريا.
ويقول إن السفر خارج أشهر الوجهات منحه فرصة لملاحظة التنوع بين المدن الكورية؛ فلكل منطقة تاريخها وطبيعتها وإيقاعها الخاص، وهو ما يجعل اكتشاف كوريا رحلة مستمرة لا تقتصر على مدينة واحدة.
محمد زين في جزيرة سونيودو بمدينة غونسان. (المصدر: محمد زين، مستخدمة بإذن منه)
نصيحته لزوار كوريا
ينصح محمد من يخطط لزيارة كوريا بألا يحصر رحلته في أشهر المعالم، بل يمنح نفسه فرصة لاكتشاف مدن الجنوب والمناطق الأقل حضورًا في البرامج السياحية المعتادة.
كما يشجع الزائر على التفاعل مع المجتمع الكوري، لأن التعرف إلى الناس والحياة اليومية قد يمنحه فهمًا للبلد لا توفره زيارة المعالم وحدها.
ويرى أن بداية الربيع من أجمل أوقات زيارة كوريا، عندما تكتسي الطبيعة بالخضرة وتمتلئ الحدائق والجبال بأجواء موسمية مميزة.
وينصح كذلك باستخدام شبكة النقل العام التي تعد، بحسب تجربته، من أبرز نقاط القوة في كوريا، والاستعانة بالتطبيقات المحلية التي تساعد على التنقل والتخطيط للرحلات.
أما نصيحته الأهم فهي: “احترم البلد وقوانينه، وإذا لم تكن تعرف شيئًا، فابحث عنه أو استخدم الترجمة حتى تفهمه بصورة صحيحة”.
محمد زين خلال زيارته مدينة غيونغجو. (المصدر: محمد زين، مستخدمة بإذن منه)
من قرية الهانوك إلى المدن الأقل شهرة
رغم زيارته مناطق عديدة في كوريا، تحتفظ قرية جونجو هانوك بمكانة خاصة في ذاكرة محمد.
فالقرية، بما تضمه من بيوت كورية تقليدية ومطاعم ومقاهٍ وتجارب ثقافية، كانت من أوائل الأماكن التي زارها في البلاد. ولهذا ارتبطت لديه بذكريات بداية رحلته، إلى جانب الطابع الخاص الذي تتميز به مدينة جونجو.
لكن طموحه لا يتوقف عند الأماكن التي يعرفها السياح بالفعل. فهو يحلم بزيارة أكبر عدد ممكن من المدن والمناطق الكورية الأقل شهرة، والتعرف إلى تاريخها ومعالمها وقصصها، ثم تقديمها إلى الجمهور العربي.
ويرى أن هذا هو المجال الذي يستطيع من خلاله تقديم إضافة مختلفة إلى المحتوى العربي عن كوريا: الانتقال من تكرار الوجهات المعروفة إلى اكتشاف مدن ومجتمعات وقصص جديدة.
صفحة محمد زين، المعروف باسم «موتا» على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يوثق جانبًا من حياته ورحلاته في كوريا. (المصدر: محمد زين، مستخدمة بإذن منه)
«رحلة عظيمة وجزء من حياتي»
بعد سنوات من العيش في كوريا، لا يصف محمد تجربته بأنها رحلة سفر طويلة فحسب، بل يلخصها بقوله: “إنها رحلة عظيمة وجزء من حياتي”.
لم تعد كوريا بالنسبة إليه مجرد بلد زاره عام 2016. فقد أثرت التجربة في شخصيته، وغيرت نظرته إلى خصوصية الآخرين، وعلمته الالتزام بالوقت، ومنحته كثيرًا من التجارب والذكريات.
وعندما سُئل عما إذا كان سيختار القرار نفسه لو عاد به الزمن إلى عام 2016، جاءت إجابته واضحة: “سأسافر إلى كوريا وأخوض التجربة نفسها من جديد”.
واليوم يواصل محمد رحلته، لكن ما يريد توثيقه في المرحلة المقبلة ليس فقط كوريا التي يعرفها الجميع، بل أيضًا المدن والمناطق التي لا تزال تنتظر من يكتشف تاريخها وحياتها وينقل قصصها إلى الجمهور العربي.
وتظهر تجربته أن التعرف الحقيقي إلى بلد ما يبدأ غالبًا بعد انتهاء الزيارة الأولى؛ عندما يتحول الزائر من مشاهدة المعالم إلى ملاحظة الناس والقيم والإيقاع اليومي، ويصبح المكان جزءًا من ذاكرته وحياته.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.