صورتي داخل منزل أصدقائي الكوريين أمام إحدى اللوحات الكورية، خلال الاحتفال بالتشوسوك وأنا أرتدي الهانبوك. (المصدر: رحاب أحمد)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية رحاب أحمد
هل يمكن أن نعيش أجواء التشوسوك الكوري ونحن في مصر؟ أتيحت لي فرصة خوض هذه التجربة مرتين، وفي كل مرة اكتشفت جانبًا جديدًا من الثقافة الكورية، وشعرت بأن بعض القيم التي يحملها هذا العيد قريبة من حياتنا في مصر أكثر مما كنت أتوقع.
التشوسوك هو عيد الحصاد وأحد أهم الأعياد التقليدية في جمهورية كوريا. ويحل في اليوم الخامس عشر من الشهر الثامن وفق التقويم القمري، وتمتد عطلته الرسمية عادةً ثلاثة أيام.
يرتبط العيد تاريخيًا بموسم الحصاد وتقديم الشكر على خير العام. وخلاله يعود كثير من الكوريين إلى مسقط رأس عائلاتهم للاجتماع بأقاربهم وقضاء الوقت معًا.
ومن أبرز عادات التشوسوك إقامة مراسم «تشاريه»، التي تقدم خلالها الأطعمة تكريمًا للأسلاف، وزيارة مقابرهم والعناية بها ضمن عادة تُعرف باسم «سونغميو». كما تحضر العائلات كعك الأرز التقليدي «سونغبيون»، ويرتدي بعض الأشخاص الهانبوك، ويستمتعون بألعاب شعبية مثل «يوت نوري».
ويجمع التشوسوك بذلك بين الوفاء للأسلاف والامتنان لما قدموه، وبين لمّ شمل الأسرة ومشاركة الطعام وصنع الذكريات.
ومن التقاليد المرتبطة بالعيد أيضًا رقصة «كانغ كانغ سولي»، وهي من الفنون الشعبية الكورية التي ارتبطت قديمًا بموسم الحصاد. كانت الشابات في بعض المناطق يجتمعن تحت ضوء القمر، ويمسكن بأيدي بعضهن بعضًا في دائرة، ثم يغنين ويرقصن معًا. وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» هذا الفن عام 2009 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
لكن معرفتي الحقيقية بالتشوسوك لم تأت من قراءة المعلومات عنه فقط، بل من مشاركتي الفعلية في الاحتفال به مع أصدقاء كوريين يعيشون في مصر.
التجربة الأولى.. تشوسوك داخل منزل كوري
في المرة الأولى، اجتمعت مع مجموعة من أصدقائي الكوريين في منزل أحدهم للاحتفال بالتشوسوك. ارتدينا الهانبوك، ثم بدأنا تحضير الطعام الكوري معًا.
مشاركتي أصدقائي الكوريين في تحضير طبق البيبيمباب خلال الاحتفال بالتشوسوك. (المصدر: رحاب أحمد)
أعددنا البيبيمباب والتوكبوكي والكيمباب، وكانت تلك المرة الأولى التي أتناول فيها طعامًا كوريًا أُعد داخل المنزل بأيدي أصدقاء كوريين.
كان إعداد الطعام معًا جزءًا أساسيًا من التجربة، فلم نكن ننتظر الوجبة فقط، بل كنا نتحدث ونتعاون ونتعلم من بعضنا بعضًا خلال التحضير.
وبعد تناول الطعام، غنينا ولعبنا بعض الألعاب الكورية التقليدية، ومنها «يوت نوري». امتلأ المنزل بالضحك والحماس، وشعرت بأنني لا أشاهد عادة كورية من بعيد، بل أشارك فيها فعلًا.
مشاركتي في الألعاب الشعبية الكورية خلال الاحتفال بالتشوسوك مع أصدقائي. (المصدر: رحاب أحمد)
أكثر ما بقي في ذاكرتي من ذلك اليوم لم يكن نوع الطعام أو شكل الملابس وحدهما، بل الدفء الذي صنعه اجتماع الأصدقاء حول مائدة واحدة.
وفي تلك اللحظات، بدأت ألاحظ تشابهًا واضحًا بين الثقافتين الكورية والمصرية. فنحن في مصر أيضًا نحب الاجتماع مع العائلة والأصدقاء، وإعداد الطعام ومشاركته، وقضاء المناسبات مع الأشخاص المقربين إلينا.
قد تختلف الأطعمة والألعاب والملابس، لكن المشاعر التي تمنح التجمع معناه متقاربة: المحبة والامتنان والفرح باللقاء والرغبة في صنع ذكريات جميلة مع الآخرين.
التجربة الثانية.. التشوسوك مع الجالية الكورية
أما تجربتي الثانية، فكانت خلال احتفال أقيم في المدرسة الكورية بمنطقة التجمع في القاهرة، بدعوة من مكتب الجالية الكورية في مصر.
شارك في الاحتفال سفير جمهورية كوريا لدى مصر وعدد من أبناء الجالية الكورية. وكان حضوري بصفتي ضيفة مصرية فرصة مميزة لمشاهدة الطريقة التي يحافظ بها الكوريون على أحد أهم أعيادهم التقليدية حتى وهم بعيدون عن وطنهم.
مراسم تحية علم جمهورية كوريا قبيل بدء احتفال التشوسوك في المدرسة الكورية بالقاهرة. (المصدر: رحاب أحمد)
بدأت الفعالية بالنشيد الوطني الكوري، ثم ألقى السفير كلمة بهذه المناسبة. وبعد ذلك، تناول الحاضرون أنواعًا مختلفة من الطعام الكوري والمشروبات.
وتضمنت الفعالية عروضًا موسيقية وفنية ورقصات متنوعة. كما شاركت بدوري في الرقص على أغنيات فرقة «بي تي إس»، وسط أجواء مفعمة بالفرح.
كان من الجميل أن أرى كيف استطاعت الجالية الكورية نقل أجواء التشوسوك إلى مصر. فعلى الرغم من بعد المسافة عن كوريا، ظلت روح العيد حاضرة في اجتماع الناس ومشاركة الطعام والموسيقى والاحتفال معًا.
قيم مشتركة تتجاوز اختلاف التقاليد
من خلال التجربتين، تعلمت أن الثقافة لا تعيش فقط في الكتب أو المتاحف، وإنما تظل حية عندما يمارسها الناس ويشاركونها مع الآخرين.
كما أدركت أن الحفاظ على التقاليد لا يعني تكرار طقوس قديمة فحسب، بل يعني أيضًا المحافظة على القيم الكامنة وراءها. ففي التشوسوك، تتمثل هذه القيم في الامتنان للأسلاف، والارتباط بالعائلة، ومشاركة الطعام، والاهتمام بالأشخاص الذين نحبهم.
وكان أكثر ما أثر فيّ هو شعوري بأنني، رغم مشاركتي في مناسبة كورية تقليدية، لم أكن بعيدة تمامًا عن ثقافتي المصرية. ففكرة اجتماع الأسرة والأصدقاء حول الطعام وقضاء الوقت معًا حاضرة بقوة في المجتمعين.
لقد جعلني هذا التشابه أشعر بالقرب من الثقافة الكورية، لا لأنها مطابقة لثقافتي، بل لأنني استطعت أن أرى من خلالها مشاعر إنسانية أعرفها وأقدرها.
الثقافة تُفهم عندما نعيشها
غيّرت هاتان التجربتان الطريقة التي أفهم بها الثقافة الكورية. فقد أدركت أن التعرف إلى ثقافة أخرى لا يقتصر على مشاهدة المسلسلات أو الاستماع إلى الموسيقى، رغم أن كليهما قد يكون بداية جميلة.
يصبح الفهم أعمق عندما نشارك في العادات بأنفسنا، ونجلس مع الناس، ونعد الطعام معهم، ونستمع إلى قصصهم، ونتعرف إلى المعاني الكامنة وراء ما يفعلونه.
بالنسبة إليّ، لم يكن الاحتفال بالتشوسوك في مصر مجرد تجربة لارتداء الهانبوك أو تناول الطعام الكوري. بل كان فرصة لفهم جانب من نظرة المجتمع الكوري إلى الأسرة والامتنان والروابط الإنسانية.
كما منحني فرصة لأن أرى الثقافة الكورية حاضرة في مصر، وأن أشعر بأن المسافة الجغرافية لا تمنع الناس من مشاركة تقاليدهم وبناء ذكريات جديدة مع الآخرين.
وأعتقد أن هذا هو أجمل ما يقدمه التبادل الثقافي؛ فهو لا يساعدنا فقط على اكتشاف الاختلافات بين الشعوب، بل يجعلنا نرى أيضًا القيم والمشاعر التي تجمعنا.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.