عمل للفنانة تشاي مين-جونغ يجمع بين تطريز الحرير وتطعيم الجاغيه، أو عرق اللؤلؤ. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة تشاي مين-جونغ على إنستغرام، مستخدمة بإذن منها)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية مريم صلاح
يستقطب الفن الكوري المعاصر اهتمامًا عالميًا متزايدًا بفضل قدرته على الجمع بين التراث والحداثة. ومن بين الفنانين الذين يعيدون تقديم الحرف التقليدية برؤية معاصرة، تبرز الفنانة التشكيلية تشاي مين-جونغ بأعمالها النسيجية التي تجمع بين الحرير وبنية الجوغاكبو والجاغيه، أو عرق اللؤلؤ، والأوتشيل، وهو طلاء اللك الطبيعي الكوري.
تنطلق أعمال تشاي من تقاليد البوجاغي والجوغاكبو، لكنها لا تسعى إلى إعادة إنتاجها كما كانت، بل تستخدم تقسيمات القماش والخياطة اليدوية والضوء والشفافية لبناء لوحات نسيجية معاصرة.
وفي هذا الحوار، تأخذنا الفنانة خلف كواليس عملها، وتتحدث عن علاقتها بالنسيج، والوقت الذي تحتاج إليه كل قطعة، وكيف وجدت في الجاغيه وسيلة لإضفاء الضوء والحركة على أعمالها. كما توضح رؤيتها للطريقة التي يستطيع بها التراث الكوري أن يتحول إلى لغة فنية معاصرة تتواصل مع الجمهور في مختلف الثقافات.
أُجري هذا الحوار عبر منصة إنستغرام خلال الفترة من 1 إلى 3 سبتمبر 2026.
كيف تقدمين نفسك وعالمك الفني إلى قراء «كوريا نت»؟ وما الذي دفعك في البداية إلى اختيار الجوغاكبو والخياطة اليدوية؟
أنا تشاي مين-جونغ، فنانة تشكيلية أعبر من خلال لوحاتي النسيجية عن ثلاثة مفاهيم تشكل عالمي الفني، وهي الضوء والوقت والذاكرة.
ينطلق عملي من بنية الجوغاكبو، وهي تقنية كورية تقليدية تقوم على وصل قصاصات القماش المختلفة. وأتعامل مع المساحات والخطوط الناتجة عن قص القماش ووصل أجزائه بوصفها لغة تعبيرية خاصة.
وفي الآونة الأخيرة، بدأت أدمج الجاغيه والأوتشيل في أعمالي لتوسيع قدرتي على التعبير عن الضوء والزمن.
لم يكن النسيج خياري الأول، لكنني خلال تعلم الجوغاكبو انبهرت بالطريقة التي يمكن من خلالها جمع قصاصات مختلفة لتكوين سطح واحد. كما انجذبت بعمق إلى ألوان النسيج وملمسه وشفافيته.
يتميز الحرير بتغير لونه ودرجة شفافيته باختلاف الضوء، بينما تتطلب كل غرزة في الخياطة اليدوية وقتًا طويلًا. وأنا أعتبر آثار هذا الوقت المتراكم جزءًا لا يتجزأ من العمل.
ومع تكرار هذه العملية، أدركت أنني لا أصنع مجرد قطع قماشية، بل أستخدم النسيج والخيوط بدلًا من الألوان والفرشاة لرسم لوحاتي. وإذا أردت اختصار عملي في جملة واحدة، فسأقول: “لوحاتي مصنوعة من النسيج”.
مراحل صباغة الفنانة تشاي مين-جونغ للأقمشة يدويًا، وتشمل طبقات من الحرير المصبوغ وعملية التجفيف ودفترًا لتوثيق عينات الألوان. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة تشاي مين-جونغ على إنستغرام، مستخدمة بإذن منها)
بدأ البوجاغي والجوغاكبو تاريخيًا بوصفهما وسيلة عملية لإعادة استخدام بقايا القماش في المنازل الكورية. كيف تنظرين إلى تحول هذه الحرفة اليومية إلى أعمال تعرض في فضاءات الفن المعاصر؟
على الرغم من أن الجوغاكبو نشأ من حاجة يومية إلى الاستفادة من بقايا القماش، فإنه يحمل لغة بصرية فريدة تقوم على تقسيم المساحات والألوان ثم إعادة وصلها.
صنعت نساء لم يسجل التاريخ أسماء كثيرات منهن هذه القطع بأيديهن. وعندما ننظر إليها اليوم، نكتشف فيها جمالًا تركيبيًا يبدو حديثًا على نحو يثير الدهشة.
لقد ألهمتني هذه البنية كثيرًا، لكن هدفي ليس محاكاة الجوغاكبو التقليدي حرفيًا. فأنا أستعير منه طريقة تقسيم المساحات ووصلها، وأسلوب الجمع بين قطع القماش، وآثار الوقت المتراكم في الخياطة، ثم أعيد تفسير هذه العناصر من خلال رؤيتي وأدواتي المعاصرة.
لا أرى أن الحفاظ على التراث يعني إبقاءه جامدًا في الماضي. بل إن استكشاف الفنانين المعاصرين لإمكاناته وإعادة صياغته بلغاتهم الخاصة هو ما يمنحه حياة جديدة.
لذلك أرى أن حضور الجوغاكبو في فضاءات الفن المعاصر تطور طبيعي؛ فالتراث يتصل بالحاضر عندما يواصل التجدد والتغير، لا عندما ينغلق على الماضي.
يتطلب إعداد المعارض والمشروعات الفنية جهدًا كبيرًا خلف الكواليس. كيف يبدو روتينك اليومي عند الاستعداد لمعرض أو سلسلة جديدة؟ وكم يستغرق إنجاز عمل واحد؟
يسير عملي بإيقاع بطيء للغاية. تبدأ العملية باختيار الأقمشة وصباغتها بالألوان المطلوبة، ثم قصها وتوزيعها لتشكيل اللوحة. وبعد ذلك تأتي مرحلة الخياطة اليدوية الدقيقة وتثبيت قطع الجاغيه غرزة تلو الأخرى.
تستغرق هذه المرحلة التنفيذية وحدها نحو شهر كامل لإنجاز قطعة واحدة. لكن الوقت الفعلي الذي يحتاج إليه العمل أطول من ذلك بكثير.
فقبل البدء في التنفيذ، أمضي وقتًا طويلًا في تطوير الفكرة، واختيار الألوان ونوع القماش ودرجة شفافيته، وتحديد مواضع الجاغيه. كما أجري اختبارات متعددة على المواد، ثم أعدل التصميم بناءً على نتائجها.
ولأنني أتعامل مع مواد طبيعية، أضطر أحيانًا إلى الانتظار حتى تتفاعل وتتغير بصورة طبيعية.
خلال فترة التحضير للمعرض، أقضي معظم يومي داخل مرسمي. وفي أثناء الخياطة، يظل ذهني منشغلًا بضبط توازن اللوحة والتخطيط للخطوات التالية، إلى جانب البحث وتجهيز المواد اللازمة للأعمال الجديدة.
ومع اقتراب موعد المعرض، تتضاعف المهام لتشمل تصوير الأعمال، وتوثيق بياناتها، والتخطيط لمساحة العرض. لذلك يصعب تحديد مدة ثابتة لإنجاز سلسلة كاملة، فكل لوحة تمثل رحلة ممتدة من التفكير والتجريب والعمل اليدوي والانتظار.
حقائب قماشية مصنوعة يدويًا من أقمشة صبغتها الفنانة تشاي مين-جونغ. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة تشاي مين-جونغ على إنستغرام، مستخدمة بإذن منها)
تستخدمين مصطلح «بنية البوجاغي» عند وصف أسلوبك، وهو ما يظهر في التقسيمات الهندسية لأعمالك. هل تضعين مخططًا ثابتًا قبل البدء، أم تتشكل اللوحة تدريجيًا وفق حركة القماش وخصائصه؟
أضع قبل البدء تصورًا عامًا للتكوين والاتجاه الذي ستسير فيه اللوحة، لكنني لا أرسم مخططًا ثابتًا لأنقله بحذافيره.
ولا تعني «بنية البوجاغي» بالنسبة إليّ مجرد جمع قطع من القماش لتكوين مساحة جديدة، بل تشمل أيضًا فكرة إعادة استخدام القصاصات المتبقية، وهي إحدى السمات الأساسية للجوغاكبو.
كثيرًا ما أستخدم قطعًا متبقية من أعمال سابقة، وفي هذه الحالة أفضل الحفاظ على أشكالها الأصلية بدلًا من إعادة قصها. ولهذا يصعب تحديد شكل كل قطعة وموقعها مسبقًا.
أضع قطع القماش على سطح العمل وأراقب العلاقات البصرية التي تنشأ بينها، ثم أحركها وأعيد ترتيبها حتى أصل إلى التوازن المطلوب.
كما أن لون الحرير ودرجة شفافيته يتغيران وفق زاوية الضوء وتراكب الطبقات. ولذلك تتطور الفكرة الأولية بصورة طبيعية أثناء تعاملي مع المادة.
وبعد الاستقرار على البنية النهائية، أبدأ بوصل القطع بالخياطة اليدوية. ومن هنا، لا تمثل «بنية البوجاغي» نمطًا هندسيًا محددًا فقط، بل هي طريقة لدمج قطع مختلفة، وموقف فني يقوم على إعادة اكتشاف المواد المتاحة.
ينشأ التكوين النهائي من التفاعل بين الفكرة العامة وأشكال القماش وتغيرات المادة وحدسي الفني في أثناء العمل.
تتحدثين عن مفهوم «ضوء الجاغيه». كيف جاءت فكرة الجمع بين الجاغيه الصلب والمتلألئ وبين الحرير الناعم والشفاف؟
السبب الأساسي وراء استخدامي الجاغيه هو الضوء.
يتميز الحرير بحساسية شديدة تجاه الضوء؛ إذ يتغير لونه ودرجة شفافيته وفق زاوية الإضاءة وموقع المشاهد. وكنت أرغب في إدخال ضوء أكثر حيوية وحركة إلى اللوحة، ومن هنا اتجهت إلى استخدام الجاغيه بوصفه خامة فنية.
يكشف الجاغيه عن أضواء مختلفة عند النظر إليه من الأمام أو الجانب، وتتغير انعكاساته كلما تحرك المشاهد أمام العمل.
ولم أرغب في استخدام هذا الضوء بوصفه عنصرًا زخرفيًا أو مجرد بريق، بل أتعامل معه على أنه نبض يمنح العمل طاقة وحركة.
ولهذا أضع الجاغيه في الأجزاء التي ترمز إلى تدفق الحياة وتفتحها، مثل سيقان الزهور والأسدية والثمار.
ومن حيث طبيعة المادة، يبدو الحرير الناعم والشفاف والجاغيه الصلب خامتين متناقضتين تمامًا. لكن عندما يجتمعان في عمل واحد، تظهر خصائص كل منهما بصورة أكثر وضوحًا وعمقًا.
ويمتزج الضوء الناعم المستقر على الحرير بالوميض القوي والخاطف للجاغيه، فتتبدل اللوحة بصورة دقيقة مع كل حركة للمشاهد.
بالنسبة إليّ، لا يقتصر دور الجاغيه على جعل اللوحة لامعة، بل يمنح العمل طاقة ديناميكية متجددة، ويضيف الحركة والتغير إلى سطح يبدو ساكنًا.
لقطة مقربة لعمل فني للفنانة تشاي مين-جونغ تظهر فيه قطع الجاغيه الكوري وانعكاساتها الضوئية. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة تشاي مين-جونغ على إنستغرام، مستخدمة بإذن منها)
عرضت أعمالك المستوحاة من التراث ضمن المعرض الجماعي «سبيكتروم» في سيئول. كيف تعاملت مع الهوية الكورية لأعمالك داخل مساحة جمعت فنانين وأساليب مختلفة؟
لا أرى ضرورة للمبالغة في إظهار الرموز التقليدية عمدًا لإثبات الهوية الكورية في أعمالي.
أعتقد أن هوية الفنان تظهر بصورة طبيعية عندما يستخدم الأدوات والمواد والمشاعر التي نشأ عليها داخل ثقافته. وهذا هو ما يمنح الفن المستلهم من التراث القدرة على التواصل مع الجمهور المعاصر.
ورغم أن جذور عملي تمتد إلى التراث الكوري، وأنني أستخدم مواد مثل الحرير والجاغيه، فإنني لا أريد لأعمالي أن تُفهم في إطار ثقافي ضيق.
فالضوء والزمن والذاكرة تجارب إنسانية مشتركة يشعر بها الناس مهما اختلفت خلفياتهم. وعندما يرى المشاهد، أيًا كانت ثقافته، جزءًا من ذكرياته داخل لوحاتي، يتحول التراث إلى لغة حية تربط بيننا.
تحظى الثقافة والفنون الكورية باهتمام عالمي متزايد. في رأيك، ما الذي يمنح الفن المستوحى من التراث الكوري القدرة على التواصل مع جمهور ينتمي إلى خلفيات ثقافية مختلفة؟
لا يكمن السر في عرض الهوية بصورة مصطنعة، بل في صدق الفنان عندما يعيد تفسير الأدوات والخامات التي نشأ عليها داخل ثقافته من خلال رؤيته الخاصة.
هذه العفوية والصدق هما ما يمنحان الفن المستلهم من التراث القدرة على التواصل مع العالم اليوم.
ورغم أنني أستخدم خامات مرتبطة بالحرف الكورية، مثل الحرير والجاغيه والأوتشيل المستخرج من عصارة شجرة اللك، فإنني أعبر من خلالها عن مفاهيم إنسانية عامة، مثل الضوء وتغير الزمن والذاكرة.
ولا تنتمي هذه المفاهيم إلى ثقافة واحدة، بل يشعر بها كل شخص وفق تجاربه وحياته الخاصة.
عندما يجد المشاهد من ثقافة أخرى شيئًا من حياته وذكرياته في أعمالي، يتحول التراث الكوري إلى لغة معاصرة وجسر يصل بين ثقافات مختلفة بصورة طبيعية.
مجموعة من أغلفة الكتب الفارغة المصنوعة من قماش تجليد صبغته الفنانة تشاي مين-جونغ يدويًا. (المصدر: الحساب الرسمي للفنانة تشاي مين-جونغ على إنستغرام، مستخدمة بإذن منها)
تكشف أعمال تشاي مين-جونغ أن الحفاظ على التراث لا يعني تكرار أشكاله القديمة كما هي، بل فهم لغته وإعادة توظيفها بما يتناسب مع الحاضر.
فمن خلال تقسيمات الجوغاكبو وشفافية الحرير وانعكاسات الجاغيه وآثار الوقت المتراكمة في الخياطة اليدوية، تحول الفنانة مواد مرتبطة بالحرف الكورية إلى لوحات معاصرة تتغير مع الضوء وحركة المشاهد.
وتبين تجربتها أن الفن الكوري المستلهم من التراث يستطيع الحفاظ على جذوره، وفي الوقت نفسه مخاطبة جمهور عالمي من خلال مشاعر مشتركة تتجاوز حدود اللغة والثقافة.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.