مقتطف من الفيديو الذي شاركت به روان وجيه في مسابقة «هانغل فيستا 2026». (المصدر: لقطة شاشة من فيديو منشور على قناة روان وجيه الرسمية على يوتيوب)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية غدير محمد الرفاعي
يصادف عام 2026 الذكرى المئوية لبداية الاحتفال بيوم الهانغل؛ ففي عام 1926 أُقيم أول احتفال باللغة والكتابة الكوريتين تحت اسم «غاغيا نال»، الذي أصبح لاحقًا يوم الهانغل المعروف اليوم.
ويحتفل الكوريون في 9 أكتوبر من كل عام بيوم الهانغل، إحياء لذكرى إعلان «الهونمين جونغم»، أي نظام الكتابة الذي ابتُكر في عهد الملك سيجونغ وأُعلن رسميًا عام 1446.
وقد مثل ابتكار الهانغل إنجازًا لغويًا بارزًا، إذ أتاح نظامًا للكتابة يعبر بصورة منهجية عن أصوات اللغة الكورية وخصوصيتها. ومع مرور الزمن، أصبح الهانغل أكثر من مجرد نظام للكتابة، وتحول إلى أحد أبرز رموز الهوية الثقافية الكورية، وإلى جسر يصل اللغة والثقافة الكوريتين بالعالم.
ومن تاريخ الهانغل إلى شغف متعلميه اليوم، ننتقل إلى تجربة المصرية روان وجيه، التي بدأت رحلتها مع اللغة الكورية بالتعلم الذاتي منذ أكثر من تسع سنوات، قبل أن يتسع اهتمامها ليشمل علم الأصوات وتاريخ الحروف الكورية القديمة.
وقادها هذا الشغف إلى المشاركة في مسابقة «هانغل فيستا»، التي تستخدم الهانغل أداة لكتابة اللغات الأم للمشاركين من مختلف أنحاء العالم. وفي دورة عام 2026، حصلت روان على المركز الرابع بفيديو قدمت من خلاله جانبًا من الثقافة المصرية باستخدام الحروف الكورية.
الملصق الرسمي لمسابقة «هانغل فيستا 2026». (المصدر: لقطة شاشة من القناة الرسمية للمسابقة على يوتيوب)
وفي هذا الحوار، الذي أجري معها يوم 2 أكتوبر عبر الرسائل المباشرة على تطبيق إنستغرام، تتحدث روان عن رحلتها مع اللغة الكورية، وتجاربها المتعددة في «هانغل فيستا»، واهتمامها بالحروف القديمة، إلى جانب الرسالة التي ترغب في توجيهها إلى متعلمي اللغة الكورية.
بداية، عرفينا بنفسك، وحدثينا عن طبيعة المحتوى الذي تقدمينه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
أهلًا بكم، اسمي روان وجيه، وأُعرف باسم «روني تشان». أبلغ من العمر 24 عامًا، وأنا من مصر. أعمل باحثة لغوية مستقلة وصانعة محتوى عن كوريا وآسيا بصورة عامة.
أحاول من خلال المحتوى الذي أنشره أن أقدم اللغة الكورية إلى متعلميها بصورة مبسطة وعميقة في الوقت نفسه. ويهمني الوصول إلى روح اللغة وفهمها بصورة تتجاوز الخطوات المعتادة التي يتبعها معظم المتعلمين.
ومن خلال خبرتي في تعلم اللغات ذاتيًا، أشعر بأن اللغة الكورية ترتبط بالطبيعة وبطريقة تصور الإنسان للعالم بصورة لافتة، وهذا من أكثر الجوانب التي أثارت فضولي ودفعتني إلى مواصلة دراستها.
حدثينا عن رحلتك مع اللغة الكورية، وعن الدافع الذي جعلك تواصلين تعلمها طوال هذه السنوات.
بدأت رحلتي مع اللغة الكورية منذ أكثر من تسع سنوات من خلال التعلم الذاتي بصورة كاملة، وما زلت أواصل تعلمها حتى اليوم.
ومع مرور الوقت، تحول هذا التعلم إلى شغف أكاديمي أعمق بعلم اللغة الكورية، ولا سيما علم الأصوات وتاريخ الحروف التي وردت ضمن نظام «الهونمين جونغم»، بما في ذلك بعض الحروف التي لم تعد مستخدمة في الكتابة الكورية الحديثة.
ولم يكن دافعي إلى الاستمرار طوال هذه السنوات مجرد حبي لموجة الهاليو، بل ازداد انبهاري مع الوقت بالبنية اللغوية الفريدة للغة الكورية والفلسفة التي أراها في نظامها الكتابي.
ومن خلال تجربتي الشخصية، شعرت بوجود صلة بين بعض مبادئ اللغة الكورية والطريقة الطبيعية التي يدرك بها الإنسان الأصوات والعالم من حوله. وقد وصلت إلى هذا التصور عبر رحلة طويلة من التعلم الذاتي والبحث، من دون أن أضع لنفسي مدة زمنية محددة يجب أن أنهي خلالها تعلم اللغة.
ومع مرور الوقت، أدركت أن هدفي لم يكن تعلم اللغة بسرعة، بل فهمها بصورة أعمق. ولذلك لم أرغب في استعجال الرحلة، وهو ما ساعدني على الوصول إلى المستوى الذي أنا عليه اليوم في فهم اللغة الكورية ونظامها الكتابي.
فيما يتعلق بمسابقة «هانغل فيستا»، ما طبيعة هذه المسابقة؟ وما المحتوى الذي قدمته من خلالها؟
«هانغل فيستا» مسابقة فيديو تنظمها مؤسسة «هانغل نوري» في كوريا، وتدعو الأجانب الذين يعرفون اللغة الكورية إلى استخدام الهانغل في كتابة لغاتهم الأم.
ويمكن للمشاركين دخول المسابقة عبر مجال الهانغل المستخدم حاليًا أو مجال «نوري هانغل»، الذي يتيح استخدام بعض الحروف الكورية القديمة وعلامات إضافية من أجل تمثيل أصوات اللغات المختلفة.
وتهدف المسابقة إلى إظهار إمكانية استخدام الهانغل في التعبير عن لغات وثقافات متعددة، وتعزيز التواصل بين متعلمي اللغة الكورية من مختلف أنحاء العالم.
أُطلقت المسابقة للمرة الأولى عام 2023، وشاركت فيها منذ دورتها الأولى. وكانت تلك أول مرة أشارك فيها في مسابقة دولية، ولم أكن أعلم حينها أنها ستصبح بداية لاكتشاف شغفي الحقيقي بالحروف وطريقة استخدامها في الكتابة.
شاركت في المرة الأولى بوصفها تجربة جديدة بالنسبة إلي، وحصلت على المركز الخامس من خلال فيديو «الشمس والرياح». وكان هذا الفوز دافعًا كبيرًا لي، وزاد ثقتي بنفسي وشجعني على تطوير مهاراتي والمشاركة في الدورة التالية.
وفي عام 2024، صنعت مقطعي فيديو شارك فيهما شخصان من أفراد أسرتي، وتوليت ترجمتهما وكتابتهما بالحروف الكورية. وفاز الفيديوهان في المسابقة، التي تناولت موضوعي غناء تهويدة ورواية قصة عن أصول الشعب أو الجماعة التي ينتمي إليها المشارك.
لقطة شاشة من مشاركة روان وجيه في مسابقة «هانغل فيستا» لعام 2023. (المصدر: روان وجيه، مستخدمة بإذن منها)
منذ ذلك الوقت، قررت البحث بصورة أعمق في الحروف الكورية القديمة، رغم قلة المناهج والمراجع التعليمية المبسطة المتاحة عنها.
درست ما استطعت الوصول إليه من مواد، وبحثت في الحروف وطرق استخدامها. كما واجهت صعوبة في العثور على معلمين أو متحدثين كوريين لديهم معرفة متخصصة بطريقة استخدام الحروف القديمة، لأنها لم تعد جزءًا من الكتابة الكورية اليومية.
وخلال هذه الرحلة، بدأت ألاحظ الإمكانات التي تتيحها بعض الحروف القديمة والعلامات الموسعة لتمثيل أصوات موجودة في العربية واللهجة المصرية ولا تمثلها الكتابة الكورية الحديثة تمثيلًا مباشرًا.
ثم انتقلت إلى خطوة أخرى، وهي المشاركة في ترجمة وإعداد عدد من مقاطع الفيديو لأفراد من أسرتي بدافع التجربة والشغف. وفي عام 2025، فازت مقاطع شاركت في إعدادها باستخدام هذه الحروف، وكان موضوع المسابقة في ذلك العام التعريف ببطل من بلد المشارك.
وقد دفعني ذلك إلى إعداد كتيب أشرح فيه ما توصلت إليه خلال بحثي في أصول بعض الحروف الكورية القديمة، وأعرض محاولتي لمقارنتها بأصوات مستخدمة في العربية واللهجة المصرية.
وكان هدفي من إعداد الكتيب توسيع آفاق متعلمي اللغة الكورية في الوطن العربي وزيادة وعيهم بتاريخ نظام الكتابة الكوري وإمكاناته.
وفي عام 2026، استعنت بالمادة التي جمعتها في الكتيب خلال تحضيري للمسابقة، وأعددت فيديو استخدمت فيه الحروف القديمة بصورة أكثر تنظيمًا واحترافية. وحصلت على المركز الرابع بين مئات المشاركين.
وأُعلن هذا العام عن 99 عملًا فائزًا من مختلف أنحاء العالم، وكان من بينهم سبعة فائزين من مصر، كما كنت واحدة من ثلاثة مصريين حصلوا على المركز الرابع.
ويمثل هذا الفوز بالنسبة إلي حافزًا كبيرًا لبدء تقديم محتوى عن الكتيب، بهدف تعريف متعلمي اللغة الكورية في العالم العربي بالحروف الكورية القديمة وإمكانات استخدامها.
مقدمة الكتيب الذي أعدته روان وجيه لشرح بعض الحروف الكورية القديمة ومحاولة مقارنتها بأصوات مستخدمة في العربية واللهجة المصرية. (المصدر: روان وجيه، مستخدمة بإذن منها)
مقتطف من محتوى الكتيب الذي أعدته روان وجيه حول الحروف الكورية القديمة. (المصدر: روان وجيه، مستخدمة بإذن منها)
كيف استعددت للمشاركة في المسابقة؟ وما أكثر الجوانب التي شكلت تحديًا بالنسبة إليك؟
أشارك في «هانغل فيستا» منذ عام 2023، ولذلك أصبحت لدي خبرة تساعدني على فهم متطلبات المسابقة والتحضير لها.
وأمتلك خبرة جيدة في قراءة اللغة الكورية، إلى جانب اهتمامي بالأداء الصوتي بلغات مختلفة والتسجيل والمونتاج والحروف القديمة. لذلك، كانت تجربة هذا العام ممتعة بالنسبة إلي، لأنها أتاحت لي جمع عدد من مواهبي ومهاراتي في فيديو واحد.
كان موضوع المسابقة هذا العام التعريف بطبق شعبي أو لعبة تقليدية من بلد المشارك، واخترت أن أتحدث في الفيديو عن الحمام المحشي، وهو من الأطباق المعروفة في مصر.
ولم أكتف بعرض الطبق، بل حاولت تناول جوانب أعمق من علاقة المصريين القدماء بالحمام بوصفه طائرًا قبل النظر إليه بوصفه طعامًا، وكيف حظي باهتمامهم عبر التاريخ.
وحرصت على تقديم قيمة لغوية وتاريخية وثقافية عن بلدي بأفضل صورة ممكنة. وآمل في السنوات المقبلة أن أفوز بالمركز الأول ممثلة لبلدي، وأن يرى كتيبي النور بوصفه محاولة لتعريف متعلمي اللغة الكورية في الشرق الأوسط بالعلاقة الممكنة بين الحروف الواردة في «الهونمين جونغم» وأصوات اللغة العربية.
الفيديو الذي شاركت به روان وجيه في مسابقة «هانغل فيستا 2026»، وتناولت فيه طبق الحمام المحشي بوصفه أحد الأطباق الشعبية في مصر. (المصدر: قناة روان وجيه الرسمية على يوتيوب)
بمناسبة الذكرى المئوية لبداية الاحتفال بيوم الهانغل، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى متعلمي اللغة الكورية؟
أود أن أقول إن اللغة الكورية ليست من اللغات التي يمكن الاكتفاء بحفظها، بل هي لغة تحتاج إلى أن يعيشها المتعلم.
لقد تعلمت لغات عدة ذاتيًا منذ طفولتي، واكتشفت أن لكل لغة قيمة معنوية عميقة تختلف عن غيرها. لكنني وجدت في اللغة الكورية، من خلال تجربتي الشخصية، ارتباطًا مميزًا بالفطرة الإنسانية والطبيعة وطريقة فهم الإنسان للعالم.
لذلك، أنصح المتعلمين بأن يحاولوا معايشة اللغة، وألا ييأسوا عندما يواجهون صعوبات في تعلمها. وإذا أحبوها ومنحوها الوقت والصبر، فستفتح أمامهم أبوابًا جديدة للفهم والاكتشاف.
وبالنسبة إلي، لم تعد اللغة الكورية مجرد لغة أتعلمها، بل أصبحت رحلة مستمرة في البحث والتجربة والتعرف إلى نظام كتابي أثار فضولي طوال تسع سنوات، وما زلت أشعر بأن لدي الكثير لاكتشافه.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.