هدير متولي تحمل رواية «سأكون هناك» أثناء قراءتها داخل المركز الثقافي الكوري في مصر. (المصدر: هدير متولي)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية هدير متولي
حين قادتني «سأكون هناك» إلى ذاكرة كوريا
هناك كتب نقرأها لنصل إلى نهاية الحكاية، وكتب أخرى تجعلنا نتوقف طويلًا عند صفحاتها، وكأننا لا نقرأ عن أشخاص بعيدين عنا، بل نعيش معهم لحظات من حياتهم. وكانت رواية «سأكون هناك» للكاتبة الكورية شين كيونغ-سوك واحدة من هذه التجارب بالنسبة إليّ.
لم أقرأ الرواية في المنزل، بل جلست أقرأها داخل المركز الثقافي الكوري في مصر، في مكان شعرت فيه بأنني أقترب من كوريا من خلال الأدب، لا من خلال اللغة والثقافة والفنون فحسب.
تبدأ الرواية في الحاضر، حين تتلقى جونغ يون اتصالًا من صديقها القديم ميونغ سو بعد انقطاع دام ثماني سنوات. يحمل الاتصال خبرًا مؤلمًا عن الأستاذ الجامعي الذي جمعهما في الماضي، بعد أن أصبحت حالته الصحية حرجة. ولا يغير هذا الاتصال يوم جونغ يون فقط، بل يفتح أمامها بابًا واسعًا للذكريات، فتعود إلى سنوات الجامعة وإلى المرحلة التي تركت أعمق أثر في حياتها.
ومن هنا، تنتقل الحكاية بين الحاضر والماضي. نتعرف إلى جونغ يون في سنوات شبابها، وإلى ميونغ سو وميرو ودان، وإلى الأستاذ يون، الذي لم يكن مجرد أستاذ جامعي بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، بل شخصية مؤثرة في حياتهم من خلال الأدب والأفكار والحوارات التي جمعتهم به.
صفحات من رواية «سأكون هناك» تتضمن جانبًا من أحداثها. (المصدر: هدير متولي)
عاشت شخصيات الرواية سنوات دراستها الجامعية في كوريا خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهي فترة اتسمت بالاضطرابات السياسية والمظاهرات. ولذلك لم تكن حياة هؤلاء الشباب منفصلة عن الواقع المحيط بهم. كان ميونغ سو ناشطًا سياسيًا، وكانت المدينة تحمل آثار التوتر والخوف، بينما حاولت جونغ يون وأصدقاؤها إيجاد مساحة من الصداقة والحب والأمان وسط ما كان يجري حولهم.
وكانت جونغ يون تحمل ألمًا شخصيًا أيضًا، إذ جاءت إلى المدينة بعد وفاة والدتها، وظلت ذكراها جزءًا أساسيًا من حياتها. ومن خلال هذه الخلفية، ندرك أن الرواية لا تتناول مرحلة تاريخية في كوريا فحسب، بل تحكي أيضًا عن شباب يحاولون التعامل مع خساراتهم الشخصية في مجتمع يمر بمرحلة شديدة الاضطراب.
ومع تطور الأحداث، تصبح علاقة جونغ يون بميونغ سو أكثر تعقيدًا، وتظهر ميرو بوصفها شخصية تحمل هي الأخرى جراحًا عميقة. فماضيها مرتبط بأختها وبشخص اختفى في ظروف قاسية، وتظل آثار هذه التجارب حاضرة في حياتها. وهكذا تتشابك قصص الشخصيات؛ فكل واحد منهم يحمل جزءًا من الماضي، وكل علاقة بينهم تصبح جزءًا من محاولة فهم الحياة ومواجهة الألم.
هدير متولي تقرأ رواية «سأكون هناك» للكاتبة الكورية شين كيونغ-سوك خلال زيارتها للمركز الثقافي الكوري في مصر. (المصدر: هدير متولي)
ويمثل الأستاذ يون بالنسبة إليهم أكثر من مجرد شخصية تعليمية. فقد كان شغوفًا بالأدب، وفتح أمام طلابه مساحة للتفكير والتأمل في الكتب والحياة.
ومن الأفكار التي تتكرر في الرواية قصة القديس كريستوفر، الذي يحمل شخصًا آخر لعبور النهر. وتتحول هذه الصورة إلى معنى مهم في الرواية؛ فالإنسان لا يستطيع دائمًا عبور الصعوبات وحده، إذ يحمل الآخرين أحيانًا، ويحتاج في أحيان أخرى إلى من يحمله.
ومع مرور الوقت، تبدأ المسافات في الظهور بين الأصدقاء، وتتغير حياتهم، ويترك الفقد أثره فيهم، لكن الذكريات لا تختفي. وهنا وجدت أن قوة الرواية لا تكمن في أحداثها وحدها، بل في الطريقة التي تجعل بها الكاتبة الماضي حاضرًا في حياة الشخصيات، وكأن بعض اللحظات لا تنتهي بانتهاء وقتها، وإنما تظل معنا وتعيد تشكيل نظرتنا إلى الحاضر.
خلال القراءة، شعرت بأنني أتعرف إلى كوريا من زاوية مختلفة تمامًا. فلم تعد كوريا بالنسبة إليّ مجرد بلد أحب ثقافته ولغته، بل أصبحت مدينة وشوارع وجامعات وذكريات يعيش فيها أشخاص لديهم أحلامهم ومخاوفهم وعلاقاتهم. وربما كان أجمل ما قدمه لي الأدب أنه أتاح لي رؤية جانب إنساني من كوريا لا يمكن اختصاره في صورة أو مشهد واحد.
هدير متولي تبحث عن رواية بين رفوف مكتبة المركز الثقافي الكوري في مصر. (المصدر: هدير متولي)
وكان للمكان الذي قرأت فيه الرواية دور خاص في هذه التجربة. فقد جعلني جلوسي داخل المركز الثقافي الكوري، وأنا أمسك النسخة العربية من «سأكون هناك»، أشعر بقرب أكبر من العمل. كنت بين رفوف تحمل كتبًا مرتبطة بكوريا، وأقرأ قصة كتبتها روائية كورية عن جيل عاش مرحلة مختلفة من تاريخ بلادها. وشعرت حينها بأن الكتاب أصبح جسرًا حقيقيًا بيني وبين الثقافة التي أحبها.
استمتعت كثيرًا بهذه القراءة، لأن الرواية لم تقدم لي قصة عن الحب والصداقة والفقدان فحسب، بل جعلتني أفكر في معنى الذكريات، وفي الأشخاص الذين يمرون في حياتنا ويتركون أثرًا لا يختفي بسهولة.
ومع كل صفحة، كنت أشعر بأن معنى عنوان الرواية يصبح أكثر وضوحًا بالنسبة إليّ. فعبارة «سأكون هناك» ليست مجرد كلمات، وإنما معنى يرتبط بالبقاء إلى جانب الآخرين، وبالعلاقات التي تمنح الإنسان القوة عندما تصبح الحياة ثقيلة.
كانت «سأكون هناك» بالنسبة إليّ أكثر من رواية قرأتها؛ فقد كانت لقاءً مع ذاكرة كوريا، ومع حكايات أشخاص أظهروا لي أن بعض الروابط قد تتغير بمرور الزمن، لكنها لا تختفي، وأن هناك ذكريات تظل قادرة على أن تقول لنا، حتى بعد سنوات طويلة: “سأكون هناك”.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.