الصندوق مفتوح، وتظهر المرآة مثبتة في الجزء الداخلي من الغطاء، فوق مساحة مخصصة لحفظ الأغراض. (التصوير: إسراء الزيني)
بقلم مراسلتي كوريا نت الفخريتين المصريتين إسراء الزيني وسلوى الزيني
أثناء ترتيب خزانة ملابسنا قبل أيام، وجدنا صندوقًا خشبيًا صغيرًا احتفظنا به لسنوات. وعندما فتحناه، ظهرت المرآة المثبتة في داخله، فتذكرنا أنه كان هدية من معلمنا السيد كيم قبل عودتنا من كوريا.
أعجبنا الصندوق منذ أن حصلنا عليه؛ فقد لفت انتباهنا خشبه، وطريقة فتحه، والزخارف المحفورة على غطائه. احتفظنا به باعتباره ذكرى جميلة من كوريا، لكننا لم نفكر طويلًا في قصته أو في سبب تصميمه بهذه الطريقة.
هذه المرة، تذكرنا أننا رأينا تصميمًا مشابهًا في أحد أعداد مجلة «كوريا». لم نتذكر رقم العدد أو عنوان المقال، لذلك بحثنا في المجلات التي احتفظنا بها حتى وجدناه. كان المقال يتناول المرايا التقليدية في كوريا، وتحديدًا المرايا التي كانت توضع داخل صناديق خشبية قابلة للطي. وبعد قراءته، بدأنا البحث في مصادر أخرى عن هذا النوع من المرايا والأثاث الخشبي الكوري، وكيف تطورت أشكاله واستخداماته بمرور الزمن.
الصندوق مفتوح إلى جانب مجموعة من مستحضرات العناية بالبشرة، في مشهد يوضح إمكانية استخدام مساحته الداخلية لحفظ الأغراض الشخصية. (التصوير: سلوى الزيني)
عندما أعدنا النظر إلى صندوقنا بعد مرور سنوات، بدأنا ننتبه إلى تفاصيل لم نفكر فيها من قبل. فالمرآة مثبتة في الجزء الداخلي من الغطاء، ويمكن إغلاق الصندوق بعد استخدامها، بينما توجد في الجزء السفلي مساحة مناسبة لحفظ بعض الأغراض الصغيرة. وبذلك يجمع الصندوق بين حماية المرآة وتوفير مساحة لأدوات العناية الشخصية.
وعُرف في الأثاث الكوري التقليدي عدد من القطع التي جمعت بين المرآة ومساحات حفظ أدوات التزيّن، ومن بينها «غيونغديه»، وهي منضدة أو صندوق تقليدي مزود بمرآة. وقد تطورت أشكالها من صناديق بسيطة لحفظ المرآة وأدوات التزيّن إلى قطع تحتوي على أدراج وأماكن مخصصة للأمشاط ومستحضرات التجميل وغيرها من الأغراض الصغيرة.
وكان حجم بعض هذه القطع وتصميمها ملائمين لطبيعة البيوت الكورية التقليدية ومساحاتها الداخلية. كما لم يقتصر استخدام «غيونغديه» على النساء وحدهن؛ فقد استخدمتها النساء لتصفيف الشعر ووضع مستحضرات التجميل، واستخدمها الرجال أيضًا للعناية بالشعر وترتيبه. وتظهر بعض الرسوم القديمة مشاهد لاستخدام هذه القطع من جانب الرجال والنساء.
ومن أكثر ما لفت انتباهنا تفاصيل صناعة هذه القطع. فقد كان الخشب عنصرًا أساسيًا في تصميم «غيونغديه»، واستخدم الحرفيون الكوريون أنواعًا مختلفة منه، من بينها خشب الزيلكوفا والصنوبر وغيرها من الأخشاب. كما تنوعت أساليب تشطيب القطع وزخرفتها؛ فاحتفظ بعضها بالمظهر الطبيعي للخشب، بينما زُين بعضها الآخر بالطلاء أو بعرق اللؤلؤ أو بتقنيات تقليدية مثل «هواك».
وتقوم تقنية «هواك» على معالجة قرون الأبقار وتحويلها إلى صفائح رقيقة وشفافة، ثم تلوينها واستخدامها في تزيين الأسطح الخشبية. وتكشف هذه التقنية، إلى جانب التطعيم بعرق اللؤلؤ، عن الدقة التي تميز عددًا من الحرف التقليدية الكورية.
الصندوق الخشبي مفتوح خلف عدد من مجلة «كوريا» يتضمن مقالًا عن المرايا التقليدية، في صورة تجمع بين القطعة التي احتفظنا بها والمقال الذي قادنا إلى البحث في تاريخها. (التصوير: إسراء الزيني)
وعند النظر إلى النماذج المحفوظة في المتاحف، نلاحظ أن الحرفيين لم يلتزموا بشكل واحد. فهناك قطع صغيرة يسهل حملها، وأخرى مزودة بأدراج ومساحات للتخزين، إلى جانب نماذج أكثر زخرفة استُخدمت فيها مواد وتقنيات متنوعة لمنح سطحها مظهرًا مميزًا.
وعندما تأملنا صندوقنا مرة أخرى بعد معرفة هذه التفاصيل، بدأنا نلاحظ جوانب لم ننتبه إليها من قبل. فالزخارف الموجودة على غطائه تتكون من أشكال نباتية وزهور داخل إطار مستطيل، وقد أحببناها منذ اللحظة الأولى التي رأينا فيها الصندوق.
ولا نستطيع الجزم بالمعنى المقصود من هذه الزخارف، لأننا لا نعرف ما الذي أراد السيد كيم التعبير عنه عند صنعه، كما لا يمكننا القول إن صندوقنا نموذج تقليدي من «غيونغديه». ومع ذلك، فإن فكرته، التي تجمع بين المرآة والمساحة المخصصة لحفظ الأغراض داخل قطعة خشبية قابلة للإغلاق، جعلتنا نرى صلة واضحة بينه وبين بعض نماذج أثاث الزينة الكوري التقليدي.
أما الزخارف النباتية، فحضورها في الأثاث والحرف الكورية التقليدية ليس أمرًا غريبًا. وتظهر في القطع المحفوظة في المتاحف عناصر زخرفية تحمل دلالات متنوعة، من بينها الزهور والطيور والأسماك والخيزران وطيور الكركي. كما استخدم الحرفيون عرق اللؤلؤ في تزيين بعض قطع «غيونغديه» برسوم دقيقة أضفت على سطح الخشب لمعانًا وجمالًا خاصين.
الصندوق الخشبي إلى جانب صندوق كوري مزخرف بعرق اللؤلؤ، مع إبراز الاختلاف بين زخارف القطعتين وطريقة تشطيب كل منهما. (التصوير: سلوى الزيني)
لماذا كانت المرآة تُغلق داخل الصندوق؟ قادنا هذا السؤال إلى جانب آخر من قصة هذه القطعة. خلال عصر جوسون، أثرت القيم الكونفوشيوسية في جوانب متعددة من الحياة اليومية، ومنها النظرة إلى الاعتدال في المظهر والتزيّن. وفي الوقت نفسه، كانت طبيعة البيوت الكورية التقليدية تشجع على استخدام قطع أثاث يمكن نقلها أو طيها وحفظها بعد الاستعمال.
فالغرف لم تكن دائمًا مخصصة لوظيفة واحدة، بل كانت تُستخدم بطرق مختلفة وفقًا للحاجة. لذلك كان من العملي أن تكون المرآة جزءًا من قطعة يمكن إغلاقها وحفظها بدلًا من بقائها ظاهرة طوال الوقت. ومن هنا أصبح تصميم صندوقنا أكثر وضوحًا بالنسبة إلينا؛ فالمرآة لا تظهر إلا عند فتحه، ثم تختفي مرة أخرى عند إغلاقه.
غير أن قصة هذا النوع من الأثاث ترتبط أيضًا بتاريخ المرآة نفسها. فقد عرفت كوريا المرايا البرونزية منذ عصور قديمة، وكانت أسطحها تُصقل حتى تصبح عاكسة، بينما تُزين الجهة الأخرى منها بنقوش متعددة. ومع دخول المرايا الزجاجية وانتشارها، تغيرت طرق صناعة المرايا واستخدامها، وظهرت أشكال جديدة من أثاث الزينة.
ومع اتساع استخدام المرايا الزجاجية خلال أواخر عصر جوسون، تطورت أشكال «غيونغديه» ووظائفها، بينما بقيت النماذج القديمة شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الأثاث والحرف اليدوية في كوريا.
وتُحفظ اليوم نماذج من هذه القطع في المتاحف، ليس فقط باعتبارها أدوات استُخدمت في الحياة اليومية، وإنما أيضًا بوصفها أمثلة على دقة صناعة الأثاث الخشبي وأساليب الزخرفة التقليدية الكورية.
أما صندوقنا، فما زال يحتفظ بمكانه بين الأشياء التي أخذناها معنا من كوريا. لكن العثور عليه بعد كل هذه السنوات جعلنا نراه بطريقة مختلفة. لم يعد بالنسبة إلينا مجرد هدية جميلة تحمل ذكرى أستاذنا ووقت إقامتنا في سيئول، بل أصبح نافذة صغيرة قادتنا إلى اكتشاف جانب من تاريخ المرايا والأثاث والحرف التقليدية في كوريا.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.