جسر غوانغان يتلألأ فوق البحر، بينما تشكّل الطائرات المسيّرة مجسمًا ضوئيًا له في السماء. (التصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية خلود خالد أبو اليزيد
خلال إقامتي في بوسان، زرت شاطئ غوانغالي مرات عديدة، وفي كل زيارة كنت أجد سببًا جديدًا للاستمتاع بالمكان بطريقة مختلفة. لكن يوم 13 يونيو 2026 كان من الأيام التي شعرت فيها بأنني لم أذهب إلى الشاطئ لمجرد الاستمتاع بالبحر والمنظر الجميل لجسر غوانغان، بل لأعيش تجربة ثقافية مختلفة من خلال «مهرجان غوانغالي أوبانغ».
أُقيم المهرجان على امتداد شاطئ غوانغالي، وكان من السهل ملاحظة أجوائه الاحتفالية بمجرد الوصول إلى المكان. وبين الزوار والأكشاك والفعاليات، شاهدت مجموعة من الأشخاص يرتدون أزياء كورية تقليدية ويتحركون بين الحضور على الشاطئ. لم يكونوا مجرد مؤدين يقفون على خشبة المسرح، بل كانوا يتجولون في المكان ويتفاعلون مع الزوار ويؤدون أدوارًا مختلفة، ما جعلني أشعر كأنني دخلت قصة تاريخية تُروى أمامي بطريقة حية.
مشاهد من العرض المسرحي الذي قُدّم ضمن فعاليات «مهرجان غوانغالي أوبانغ». (التصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
حصلت أيضًا على كتيب تعريفي خاص بالمهرجان، ومن خلاله بدأت أفهم بصورة أعمق معنى «أوبانغ» وعلاقته بتاريخ المنطقة. ويشير هذا المصطلح إلى منظمة تعاونية للصيادين كانت موجودة في منطقة سويونغ، التي اشتهرت منذ القدم بوفرة مواردها البحرية.
وكانت منطقة سويونغ مقرًا لقيادة بحرية خلال عهد مملكة جوسون، ونشأ فيها تعاون بين الصيادين والجنود البحريين. فقد وفّر الصيادون قوارب الصيد، في حين أسهم الجنود بخبراتهم في الملاحة والعمل البحري، ما ساعد على تطور أنشطة الصيد في المنطقة.
ومع ازدياد أهمية الصيد، تأسست «أوبانغ» في المنطقة عام 1670 بهدف تنظيم أعمال الصيد وتطويرها ونقل المهارات المرتبطة بها. لذلك لا يكتفي المهرجان الذي يحمل اسمها بتقديم البحر بوصفه منظرًا طبيعيًا، بل يستعيد جانبًا من تاريخ بوسان وحياة مجتمعاتها الساحلية.
وتحولت طرق الصيد والعمل البحري التي مارسها السكان قديمًا إلى أداء شعبي يُعرف باسم «جواسويونغ أوبانغ نوري»، أي لعبة الصيد التقليدية في مقر قيادة جواسويونغ البحرية. ويعيد هذا الفن تمثيل مراحل العمل في الصيد والأغاني التي كان الصيادون يرددونها، وهو مدرج ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي الوطني في جمهورية كوريا.
الطائرات المسيّرة ترسم تشكيلات ضوئية فوق شاطئ غوانغالي خلال المهرجان. (التصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
وأعتقد أن أجمل ما في مشاهدة هذا التراث داخل المهرجان هو أنه لم يكن معروضًا خلف واجهة زجاجية أو مكتوبًا على لوحة داخل متحف؛ بل كان حاضرًا أمامي، يتحرك ويتحدث ويتفاعل مع الناس. وكان أعضاء الفرق يجوبون الشاطئ مرتدين الأزياء الكورية التقليدية أثناء أداء أدوارهم، ما جعل المشهد يبدو كأنه جزء من الماضي عاد إلى الحياة وسط غوانغالي الحديثة.
ولم تكن الأزياء التقليدية مجرد عنصر جمالي، بل ساعدتني على فهم الشخصيات التاريخية التي يجسدها المشاركون. وبينما كنت أتابعهم وهم ينتقلون من مكان إلى آخر، رأيت الزوار يتوقفون لمشاهدتهم والتقاط الصور معهم. ولم أفوّت هذه الفرصة بالطبع، فالتقطت صورًا مع بعض الشخصيات المشاركة في المهرجان. كانت لحظة بسيطة، لكنها أصبحت من الذكريات الجميلة التي احتفظت بها من زيارتي.
جانب من التشكيلات الضوئية التي زينت سماء غوانغالي خلال عرض الطائرات المسيّرة. (التصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
بعد ذلك، توجهت لمشاهدة العرض الغنائي المسرحي «أوبانغ»، الذي جمع بين الموسيقى والتمثيل والحركة، وقدم قصة مرتبطة بتاريخ المنطقة وحياة سكانها وعلاقتهم بالبحر. وهذا النوع من العروض أحبه بصورة خاصة، لأنه لا يقدم التاريخ بطريقة تعليمية مباشرة، وإنما يحوله إلى قصة يستطيع الجمهور مشاهدتها والاستمتاع بها.
وكان من المثير بالنسبة إليّ أن أشاهد قصة مرتبطة بالصيد والعمل والحياة اليومية القديمة في المكان نفسه الذي شكّل فيه البحر جزءًا أساسيًا من حياة السكان. فقد أقيم المسرح أمام البحر، وظهر جسر غوانغان في الخلفية، لذلك شعرت بأن المكان نفسه أصبح جزءًا من العرض.
مشهد ضوئي آخر يظهر في سماء شاطئ غوانغالي ضمن عرض الطائرات المسيّرة. (التصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
كما أعجبني تفاعل الجمهور مع الفعالية. كان هناك أطفال وعائلات وزوار من أعمار مختلفة، والجميع يستمتعون بالموسيقى والشخصيات والأزياء والعروض. وبالنسبة إليّ، كان هذا مثالًا جميلًا على قدرة المهرجانات المحلية على تقريب التراث من الناس، ولا سيما الأطفال والزوار الذين ربما لم يكونوا يعرفون الكثير عن تاريخ المنطقة قبل حضورهم.
ومع حلول المساء، أصبحت أجواء غوانغالي أكثر جمالًا. انعكست أضواء الجسر على البحر، وبدأ الناس يتجمعون على الشاطئ استعدادًا لعرض الطائرات المسيّرة. وبعد لحظات، ظهرت الأضواء في السماء، وبدأت الطائرات ترسم لوحات وتشكيلات مختلفة فوق البحر.
كان المشهد مختلفًا تمامًا عن أجواء العروض التي شاهدتها في وقت سابق من اليوم، لكنه أكمل التجربة بطريقة جميلة. فقد بدأت يومي بالتعرف على تاريخ الصيد والتراث التقليدي، ثم استمتعت بمشهد تكنولوجي حديث فوق البحر، قبل أن تُستأنف فقرات العرض الموسيقي.
ما أحببته في هذه التجربة هو التلاقي بين الماضي والحاضر. فخلال ساعات قليلة، رأيت مؤدين يرتدون الأزياء التقليدية ويجسدون حياة ارتبطت بالصيد والبحر، وشاهدت عرضًا مسرحيًا يروي هذا التاريخ، ثم وقفت على شاطئ غوانغالي أتابع مئات الأضواء وهي تتحرك في السماء باستخدام التكنولوجيا الحديثة.
بالنسبة إليّ، لم يكن «مهرجان غوانغالي أوبانغ» مجرد فعالية حضرتها في بوسان، بل كان طريقة مختلفة للتعرف على تاريخ المدينة. فقد ارتبطت بوسان في ذهني دائمًا بالبحر والشواطئ والطعام والثقافة المعاصرة، لكن هذه التجربة جعلتني أكتشف جانبًا آخر منها؛ جانب المدينة التي ارتبطت حياة سكانها بالبحر والصيد والعمل منذ قرون.
وأدركت أن اكتشاف الثقافة الكورية لا يقتصر دائمًا على زيارة المتاحف أو قراءة الكتب. فأحيانًا يكفي أن تمشي على شاطئ في بوسان لترى التاريخ يتحرك أمامك مرتديًا الزي التقليدي، ويتفاعل معك، ويأخذك إلى قصة بدأت منذ مئات السنين. ثم تنظر إلى السماء في نهاية اليوم، فتجد التكنولوجيا الحديثة تكمل هذه القصة فوق البحر.
معلومات للزوار:
يقع شاطئ غوانغالي في مدينة بوسان، ويمكن الوصول إليه بسهولة باستخدام وسائل النقل العام. وإذا كنت قادمًا من سيئول، يمكنك ركوب قطار «كي تي إكس» من محطة سيئول إلى محطة بوسان، وتستغرق الرحلة نحو ساعتين ونصف.
ومن محطة بوسان، يمكن استخدام الخط الأول لمترو بوسان حتى محطة سوميُون، ثم الانتقال إلى الخط الثاني والنزول في محطة غوانغان. ومن هناك، يستغرق الوصول إلى الشاطئ نحو عشر دقائق سيرًا على الأقدام.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.