مجموعة من المشاركين تلتقط صورة تذكارية مع إم هان-نوري عقب ورشة إعداد الكيمتشي. (المصدر: إم هان-نوري، بإذن الاستخدام)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية شيماء محمد رشدي
أحيانًا لا تحتاج الثقافة إلى شرح طويل حتى تصل إلى القلب؛ فقد تبدأ من طبق طعام، أو دعوة بسيطة إلى المائدة، أو سؤال يبدو عاديًا مثل: "هل هذا الطعام لك؟". ومن هنا بدأت حكاية هان-نوري في مصر؛ حكاية لم تكن تتوقع أن تمتد لخمس سنوات، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى علاقة حقيقية بالمكان والناس والثقافة.
وفي 30 يوليو 2026، أجريتُ مقابلة شخصية مع صانعة المحتوى الكورية إم هان-نوري في منزلها، للحديث عن تجربتها في مصر وعلاقتها بالطعام والثقافة الكورية، وكيف أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للتقريب بين الثقافتين المصرية والكورية.
ها نوري تُعد أحد الأطباق الكورية. (المصدر: إم هان-نوري، بإذن الاستخدام)
عرّفتني هان-نوري بنفسها، وقالت إنها تعيش في مصر منذ خمس سنوات. وقبل مجيئها إلى مصر، كانت تعيش في الصين، إذ تحب السفر واكتشاف الأماكن والثقافات المختلفة. وعندما وصلت إلى مصر، لم تكن تتوقع أن تبقى كل هذه السنوات، لكنها وجدت بعض أوجه التشابه بين المجتمعين المصري والكوري، خاصة في ترابط الأسر، وطيبة الناس، وقوة العلاقات الإنسانية.
ومع مرور الوقت، غادر كثير من أصدقائها مصر، فقررت ألا تكتفي بذكريات صداقاتها السابقة، بل أن تفتح بابًا لتكوين صداقات جديدة مع المصريين، واختارت الثقافة الكورية نقطة انطلاق. بدأت تشارك أصدقاءها تجارب إعداد الطعام الكوري، وتقدم إليهم أطباقًا مختلفة، وتتحدث معهم عن العادات والتقاليد المرتبطة بها، ثم تنقل هذه التجارب إلى جمهورها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
بالنسبة إلى هان-نوري، الطعام الكوري ليس مجرد مجموعة من الأطباق. وعندما سألتها إن كان الطعام قادرًا على مساعدة الناس على فهم الثقافة الكورية، أجابت بثقة: "بالتأكيد".
إم هان-نوري تشرح للمشاركين طريقة إعداد الكيمتشي خلال الورشة. (التصوير: شيماء محمد رشدي)
وأوضحت أن الطعام يحتل مكانة مهمة في الحياة اليومية بكوريا؛ إذ تجتمع الأسرة حول المائدة، كما توجد عادات ترتبط باحترام الأكبر سنًا وطريقة تناول الطعام ومشاركة الوجبات. وترى أن هذه التفاصيل تكشف الكثير عن المجتمع الكوري، لأن الطعام لا يتعلق بما نأكله فقط، بل أيضًا بالأشخاص الذين نجلس معهم والذكريات التي نصنعها حول المائدة.
وتتذكر هان-نوري طفولتها، وخاصة الفترة التي كانت تسافر فيها مع أسرتها إلى الولايات المتحدة قبل الانتشار العالمي الواسع للثقافة الكورية. وقالت إنها كانت تتناول الكيمتشي مع أسرتها حتى أثناء السفر، لأنه كان جزءًا من حياتهم وارتباطهم ببلدهم.
مراسلة كوريا نت الفخرية شيماء محمد رشدي تلتقط صورة تذكارية مع إم هان-نوري. (التصوير: شيماء محمد رشدي)
وتحدثت أيضًا عن أهمية الكيمتشي في الثقافة الكورية، وعن تقليد «الكيمجانغ»، أي إعداد الكيمتشي ومشاركته جماعيًا بين أفراد الأسرة والمجتمع. وقد أدرجت منظمة اليونسكو ثقافة الكيمجانغ في جمهورية كوريا على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية عام 2013.
وهكذا، لا يُعد الكيمتشي مجرد طبق يوضع على المائدة، بل يحمل ذاكرة الأسرة وروح المشاركة والتقاليد التي تنتقل من جيل إلى آخر.
حتى اللغة الكورية تعكس هذه العلاقة بين الطعام والاهتمام بالآخر؛ فعندما يريد شخص الاطمئنان على شخص آخر، قد يسأله: "هل أكلت؟". وهو سؤال بسيط، لكنه قد يحمل معنى الرعاية والاهتمام.
إم هان-نوري تشرح عددًا من الأطباق الكورية التي يمكن إعدادها باستخدام الكيمتشي. (التصوير: شيماء محمد رشدي)
وترى هان-نوري أن هذه الخلفية الثقافية كانت من أسباب قدرة الطعام الكوري على جذب اهتمام الناس حول العالم؛ فالأطباق يمكن أن تصبح مدخلًا للتعرف إلى طريقة الحياة وبعض القيم الاجتماعية في كوريا.
وفي الوقت نفسه، وجدت هان-نوري تشابهًا بين المصريين والكوريين في حب إعداد الطعام، ودعوة الأصدقاء وأفراد الأسرة إلى تناوله، ومشاركة الوجبات. وقد جعلها ذلك تشعر بوجود مساحة مشتركة يمكن أن تلتقي فيها الثقافتان.
وكان هذا التشابه أحد الأسباب التي شجعتها على تنظيم ورشة لإعداد الكيمتشي في مصر. فمشاهد العائلات الكورية وهي تجتمع لإعداده، والتي تظهر كثيرًا في الدراما الكورية، ليست بالنسبة إليها مجرد مشاهد تلفزيونية، بل جزء من ذكريات وتجارب حقيقية عاشتها في طفولتها.
وتتذكر هان-نوري أجواء الورشة بسعادة؛ فقد اجتمع عدد من المهتمين بالثقافة الكورية، وتعرفوا إلى إحدى الطرق الكورية التقليدية لإعداد الكيمتشي، وشاركوا بأنفسهم في خطوات التحضير. وكانت الأجواء مليئة بالحماس والفضول والضحكات، فلم تكن الورشة مجرد تجربة لتعلم وصفة جديدة، بل فرصة للحديث والتعارف ومشاركة جانب من الثقافة الكورية.
وقالت إن أجواء الورشة أعادتها إلى ذكريات إعداد الكيمتشي مع أسرتها، وكأنها عاشت جزءًا من تلك الذكريات مرة أخرى، ولكن هذه المرة برفقة أصدقاء مصريين. كما اكتشفت من خلال التجربة مزيدًا من أوجه التشابه بين المجتمعين، خاصة في تقدير الأسرة ومشاركة الطعام واحترام الأكبر سنًا.
ومن العبارات التي تستخدمها هان-نوري في محتواها سؤال: "هل هذا الطعام لك؟". وعندما سألتها عن سبب اختياره، أوضحت أنها أحبّت خفة العبارة وسهولة تكرارها، كما أنها تعيد المشاهد إلى السؤال الذي بدأ به الفيديو.
لكن وراء هذا السؤال البسيط فكرة أخرى؛ فعندما يُقدَّم إلى الناس طعام جديد وغير مألوف، قد يبتعد بعضهم عنه، بينما يدفع الفضول آخرين إلى تجربته. ولهذا أرادت هان-نوري أن تترك القرار للجمهور: هل يبتعد عن الأشياء الجديدة أم يقترب منها بدافع الفضول؟
ولا تقتصر هذه الفكرة على الطعام وحده، بل يمكن تطبيقها على الثقافات أيضًا. فقد يبدو الشيء المختلف غريبًا في البداية، لكن عندما نمنحه فرصة ونتعرف إليه، قد نكتشف أنه أقرب إلينا مما كنا نتخيل.
وعندما سألتها عن الجوانب الأخرى من الثقافة الكورية التي تتمنى أن يتعرف إليها المجتمع المصري بعيدًا عن الكيبوب، تحدثت عن الأدب الكوري باعتباره أحد المجالات المهمة التي تستحق المزيد من الاهتمام. كما أكدت أهمية تعلم اللغة، لأنها تراها جسرًا يساعد على فهم أي ثقافة بصورة أعمق.
وترى هان-نوري أن المصريين يهتمون بجوانب متعددة من الثقافة الكورية، وليس فقط بالموسيقى والدراما. ومن أكثر الأمور التي أدهشتها وأسعدتها وجود أشخاص في مصر يتحدثون اللغة الكورية أو يتعلمونها بشغف.
أما عن خططها المستقبلية، فقالت إنها ستواصل صناعة المحتوى بحماس، معربة عن امتنانها للجمهور الذي أحب ما تقدمه وشجعها على الاستمرار. كما تأمل في تقديم المزيد من المحتوى المرتبط بالثقافة والطعام الكوري، ومواصلة دورها في التقريب بين الثقافتين الكورية والمصرية.
وأضافت أنها لم تكن تتوقع النجاح الذي حققته مقاطعها المصورة، وأنها سعيدة بوصول محتواها إلى الجمهور المصري، وكذلك بتعلمها التحدث باللغة العربية.
مراسلة كوريا نت الفخرية شيماء محمد رشدي تحمل الكيمتشي الذي أعدته خلال الورشة. (التصوير: شيماء محمد رشدي)
في نهاية حديثنا، شعرت أن تجربة هان-نوري في مصر أصبحت أكبر من مجرد إقامة في بلد آخر. فخلال خمس سنوات، تحولت مصر بالنسبة إليها إلى مكان كوّنت فيه صداقات جديدة، وشاركت فيه جزءًا من ثقافتها، واكتشفت من خلاله جوانب مشتركة بين المجتمعين المصري والكوري.
وقد يبدأ التعارف بطبق من الكيمتشي، أو وصفة جديدة، أو سؤال بسيط مثل: “هل هذا الطعام لك؟”، ثم يتحول مع الوقت إلى حديث وصداقة وفهم أعمق للآخر. وهكذا يصبح الطعام أكثر من مجرد وجبة؛ يصبح لغة إنسانية قادرة على الجمع بين الناس رغم اختلاف البلدان والثقافات.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.