البروفيسورة تشيه سو-جونغ، أستاذة الغناء الكوري التقليدي، تغني وتعزف على طبلة «البوك» على اليمين، والأستاذة شين سو-جونغ تعزف على آلة «غاياغم» على اليسار. (المصدر: أمنية أمير)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية أمنية أمير
أقامت أكاديمية سيجونغ الثقافية ورشة حول فنون الغناء الكوري التقليدي لطلاب معهد الملك سيجونغ، انطلقت يوم 9 أغسطس في المركز الثقافي الكوري بالقاهرة. وقدّمت الورشة الفنانة والبروفيسورة تشيه سو-جونغ، أستاذة الموسيقى في قسم الموسيقى التابع لمدرسة الفنون التقليدية الكورية بجامعة كوريا الوطنية للفنون، ورئيسة الجمعية العالمية للبانسوري.
أقيمت ست جلسات على مدار ثلاثة أيام، بواقع جلستين يوميًا، واستغرقت كل جلسة ساعتين ونصف الساعة. وقدمت الجلسات المحتوى نفسه، وكان يُسمح لكل طالب بحضور جلسة واحدة فقط، فيما اقتصر عدد المشاركين في كل جلسة على نحو 20 شخصًا.
حضرتُ الجلسة الأولى التي بدأت في الساعة التاسعة صباح يوم 9 أغسطس. واستُهلت بكلمة ترحيبية مسجلة لرئيس مؤسسة معهد الملك سيجونغ، شجّع فيها طلاب المعهد على مواصلة التعلم، ووعد بتقديم مزيد من المحاضرات والفعاليات الثقافية لمساعدتهم على أداء دور الجسر الثقافي بين كوريا ومصر.
الشاشة تعرض الكلمة الترحيبية المسجلة لرئيس مؤسسة معهد الملك سيجونغ. (المصدر: أمنية أمير)
كان أمام كل واحد منا كتاب يضم شروحًا ونوتات موسيقية مكتوبة بالنظامين الكوري والغربي لمجموعة من الأغاني الكورية التقليدية، لاستخدامه خلال الجلسة. كما تلقينا أوراقًا تتضمن شرحًا للأغنيتين اللتين تناولتهما الورشة، لكي يستعين بها الطلاب في التدريب بعد انتهائها.
وتلقينا أيضًا علبة تحتوي على مروحة يدوية مصنوعة من الخشب وورق «هانجي» الكوري التقليدي، قدمتها الأكاديمية هدية تذكارية، ليتدرب الطلاب بها على أداء الرقصة المصاحبة للأغنية التقليدية.
بعد ذلك، قدّم المنظمون البروفيسورة تشيه سو-جونغ، وعرّفوا الحاضرين بمسيرتها الحافلة في فن البانسوري والغناء الكوري التقليدي. ورحبت البروفيسورة بالحاضرين، ثم شرحت محتوى الجلسة، الذي تضمن مقدمة عن الأغاني الشعبية الكورية «مينيو» وأغاني البانسوري، من خلال تقديم نموذج من كل نوع والتدرب على أدائه.
وقبل بدء المحاضرة، أعربت البروفيسورة عن إعجابها بمصر وسعادتها بزيارتها الثالثة لها. كما تحدثت عن تلميذتها المصرية نور الدمرداش، التي درست الغناء الكوري التقليدي في جامعة كوريا الوطنية للفنون بمنحة دراسية. وقالت إنها من التلميذات القريبات إلى قلبها، وإنها رافقتها إلى دائرة الهجرة الكورية لمساعدتها في إجراءات الحصول على الإقامة في كوريا.
البروفيسورة تشيه سو-جونغ ترحب بالحاضرين في بداية محاضرتها. (المصدر: أمنية أمير)
وشاركت البروفيسورة أيضًا صورًا وذكريات من ورشة للبانسوري قدمتها لطلاب معهد الملك سيجونغ في الرياض. وأشارت إلى اختلاف تفاعل المشاركين في الورشتين، إذ لاحظت حماسًا أكبر تجاه الفنون الأدائية لدى المشاركين في ورشة مصر.
بدأت البروفيسورة محاضرتها بالتعريف بالأغاني الشعبية الكورية «مينيو»، وهي أغانٍ تناقلها عامة الناس وعبّروا من خلالها عن حياتهم اليومية ومشاعرهم، ومن أشهرها «آريرانغ».
البروفيسورة تشيه سو-جونغ تقدم أغنية «آريرانغ» الشهيرة أمام الحاضرين. (المصدر: أمنية أمير)
ولتوضيح ذلك، قدمت البروفيسورة نسخة محافظة غيونغغي من أغنية «آريرانغ»، وأبدت إعجابها بحفظ الحاضرين كلماتها عن ظهر قلب. ثم أوضحت أن مناطق كوريا المختلفة تتميز بنسخ خاصة من الأغنية، ومنها «ميريانغ آريرانغ» في منطقة غيونغسانغ، التي تتميز بإيقاع حيوي مقارنة بالطابع الأكثر شجنًا في النسخة التي قدمتها من محافظة غيونغغي.
لكننا لم نتدرب خلال الجلسة على هاتين النسختين، بل على «جيندو آريرانغ»، إحدى أشهر أغاني آريرانغ في منطقة جولا، والتي نشأت في جزيرة جيندو بمحافظة جولا الجنوبية.
وذكرت البروفيسورة أن جيندو تتمتع بتراث فني غني، إذ انطلقت منها أغانٍ تقليدية بارزة، كما أنها مسقط رأس كثير من الفنانين في مجالات مختلفة، ومن بينهم البروفيسورة نفسها. وأضافت مازحة أن كل من يولد في جزيرة جيندو يبدو وكأنه فنان بالفطرة.
وفي لحظة عفوية خلال الشرح، رحبت البروفيسورة بالأستاذة شين سو-جونغ، إحدى المسؤولات عن إدارة برامج المركز الثقافي الكوري ومعهد الملك سيجونغ في مصر. وأوضحت أنهما عملتا معًا في سيئول في مجال الموسيقى التقليدية، فضلًا عن تشابه اسميهما، وأن الأستاذة شين هي التي دعتها إلى تقديم هذه المحاضرة في مصر.
البروفيسورة تشيه سو-جونغ تحيي الأستاذة شين سو-جونغ. (المصدر: أمنية أمير)
وألقت الأستاذة شين سو-جونغ كلمة حثت فيها الحاضرين على التعرف إلى الأغاني الكورية التقليدية، والمساهمة في نشرها والتعريف بها بين أقرانهم، نظرًا إلى صعوبة تعلم هذا الفن خارج كوريا ومحدودية فرص الوصول إلى المعلمين المتخصصين فيه حول العالم.
وبالعودة إلى «جيندو آريرانغ»، شرحت البروفيسورة نطق كلمات الأغنية ومعانيها بالاستعانة بالنوتة الموسيقية الكورية، ثم غنتها أمام الحاضرين.
وأثناء غنائها، لاحظتُ أنها لم تعتمد على صوت الرأس الشائع في الطبقات الحادة من الغناء الكلاسيكي، بل استخدمت صوتًا عميقًا وقويًا. ولأنني أغني وأتدرب بالفعل على الغناء الكلاسيكي، سألتها عن الأسلوب الصوتي المستخدم في الغناء الكوري التقليدي. وقد أعجبت البروفيسورة بالسؤال، وبدأت في شرح خصائص الصوت المستخدم في هذا النوع من الغناء.
البروفيسورة تشيه سو-جونغ تدرب الحاضرين على غناء «جيندو آريرانغ». (المصدر: أمنية أمير)
أوضحت البروفيسورة أن الغناء الكوري التقليدي يعتمد على أسلوب «تونغسونغ»، أي استخدام الصوت الطبيعي الكامل بقوة، مع توظيف رنين الجسد ودعم الصوت بالتنفس العميق والتحكم في الحجاب الحاجز، بدلًا من الاعتماد أساسًا على صوت الرأس المستخدم في كثير من الطبقات الحادة في الغناء الكلاسيكي.
كما عرضت الشاشة الرقمية أنماطًا مختلفة لإخراج الصوت والزخارف الصوتية المستخدمة في الغناء التقليدي، وما يقابل بعضها من مصطلحات في الموسيقى الغربية، مثل الاهتزاز الصوتي، وقدمت البروفيسورة بصوتها أمثلة على كل نمط. ثم شرحت كيفية التحكم في دخول الهواء وخروجه ودعم كل نغمة بالنَّفَس، قبل أن تعرض عددًا من التقنيات الفنية المستخدمة في الغناء الكوري التقليدي.
البروفيسورة تشيه سو-جونغ تدرب الحاضرين على قراءة النوتة الموسيقية لأغنية «جيندو آريرانغ» وفق النظام الكوري. (المصدر: أمنية أمير)
تدربنا معًا على غناء الأغنية استعدادًا لتعلم خطوات الرقصة المصاحبة لها. وبعد أن أتقنّا الغناء، بدأت البروفيسورة توضح طريقة المشي والتمايل أثناء أداء الرقصة، وكررت الحركات عدة مرات، كما شرحت كيفية فتح المروحة اليدوية وإغلاقها بمهارة، ثم تدربنا على الرقصة خلفها.
البروفيسورة تشيه سو-جونغ ومساعدتها جيسيكا جانغ تدربان الحاضرين على أداء الرقصة. (المصدر: أمنية أمير)
وأثناء اندماجنا في التدريب على الرقص، وعلى الرغم من أن الساعة كانت الحادية عشرة صباحًا، وقع موقف عفوي عبّر عن جمال التبادل الثقافي. فقد سمعنا أصوات زغاريد آتية من خارج المركز، فظنت البروفيسورة أنها أصوات جرس إنذار، وتعجبت من عدم شعورنا بالذعر.
لكننا كنا نضحك بسبب امتزاج أصوات الزغاريد بأصواتنا ونحن نغني ونرقص. فشرحنا لها معنى الزغاريد وكيفية إطلاقها، ولم تمر سوى ثوانٍ قليلة حتى تمكنت من إطلاقها مثلنا أثناء التدريب، معبرة عن إعجابها بهذه الطريقة في إظهار الفرح.
وفي نهاية الجلسة، ونظرًا إلى ضيق الوقت، تناولت البروفيسورة بإيجاز مقطع «جاجين سارانغغا» من ملحمة البانسوري «تشونهيانغغا»، وهو المقطع الثاني المقرر في الورشة.
وفي كلمتها الختامية، شجعت الحاضرين على المشاركة في الجلسات التالية، رغم أن موضوع الجلسات والأغاني المقررة كان واحدًا. فقد أعجبت بشغفهم، ودعتهم إلى الحضور مجددًا للاستفادة بصورة أكبر ومساعدتها في شرح بعض نقاط المحاضرة للطلاب الجدد.
واختُتمت الجلسة بالتقاط صور جماعية، لكن تغطيتي لم تنتهِ عند ذلك. فبعد التقاط الصور، طلبت من إدارة المركز نسخة من الكتاب لأعرضها على مدربتي، حتى تساعدني على التدرب على الأغاني الواردة فيه.
وعلى الرغم من أن توزيع الكتب خارج نطاق المشاركين المقرر لهم الحصول عليها لم يكن مسموحًا، تعاونت معي إدارة المركز، ونصحني القائمون على الورشة بالحضور في اليوم الأخير للحصول على نسخة خاصة بعد انتهاء آخر جلسة في البرنامج.
المراسلة أمنية أمير تقف مع البروفيسورة تشيه سو-جونغ في نهاية الجلسة. (المصدر: أمنية أمير)
وبالفعل، توجهتُ إلى المركز يوم 11 أغسطس لتسلّم الكتاب، فوجدت نفسي، لحسن حظي، مدعوة إلى حضور الجلسة الأخيرة. وتذكرتني البروفيسورة عند رؤيتي، وأبدت سعادتها بحضوري مثلما نصحتنا في اليوم الأول.
وما زاد من حسن حظي أن البروفيسورة تناولت موضوعات ونقاطًا جديدة لم تذكرها في الجلسة الأولى، كما استفاضت في الجزء الخاص بالبانسوري. فقد قدمت شرحًا وافيًا لكلمات مقطع «جاجين سارانغغا» ولحنه، وساعدتنا على التدرب على أدائه.
البروفيسورة تشيه سو-جونغ تقدم للحاضرين مقطع «جاجين سارانغغا» من ملحمة البانسوري «تشونهيانغغا». (المصدر: أمنية أمير)
وفي نهاية الجلسة، التي اختُتم بها برنامج الموسيقى التقليدية لطلاب معهد الملك سيجونغ، فاجأتنا البروفيسورة بإعلان نيتها تقديم محاضرات خاصة لنا عبر منصة «زوم»، بالتعاون مع إدارة المركز الثقافي الكوري في مصر، حرصًا منها على مواصلتنا تعلم الموسيقى الكورية التقليدية، بعد أن لمست ما لدينا من شغف شجعها على تقديم المزيد.
كما عرضت علينا عبر منصة «يوتيوب» عددًا من مقاطع عروضها الغنائية في كوريا ولقاءاتها الصحفية، إلى جانب عروض قدمها طلابها الدوليون في كوريا.
وفي نهاية اليوم، حصلت بالفعل على الكتاب، وطلبت من البروفيسورة أن تكتب لي إهداءً خاصًا على صفحته الأولى وعلى المروحة التي حصلت عليها في الورشة. كما شجعتني على التقدم إلى برنامج المنح الدراسية بجامعة كوريا الوطنية للفنون.
الإهداء الذي كتبته البروفيسورة للمراسلة أمنية أمير على الصفحة الأولى من الكتاب. (المصدر: أمنية أمير)
الإهداء الذي كتبته البروفيسورة للمراسلة أمنية أمير على المروحة اليدوية. (المصدر: أمنية أمير)
المراسلة أمنية أمير تقف مع البروفيسورة تشيه سو-جونغ بعد أن كتبت لها إهداءً على مروحتها اليدوية. (المصدر: أمنية أمير)
ومن خلال مقالي هذا، أتقدم بالشكر إلى البروفيسورة تشيه سو-جونغ، وأكاديمية سيجونغ الثقافية، والمركز الثقافي الكوري في مصر على هذه الورشة الغنية، وعلى إتاحة الفرصة لنا للتعلم مباشرة على يد إحدى أبرز فنانات البانسوري.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.