الفنانة الكورية الأمريكية هيلين تقف إلى جانب عدد من لوحات المينهوا الخاصة بها. (المصدر: هيلين، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية شيماء محمد رشدي
في عالم تتقاطع فيه الهويات والثقافات، قد لا يكون اكتشاف الجذور رحلة تبدأ دائمًا من الذاكرة أو من قصص العائلة، بل قد يبدأ أحيانًا من لوحة، أو رمز قديم، أو سؤال بسيط عن فن لم نعرفه من قبل. وبالنسبة إلى الفنانة الكورية الأمريكية هيلين، بدأت هذه الرحلة عندما توقفت لتتساءل عن التقاليد الفنية التي شكلت ذوقها، وعن تلك التي لم تحظَ بالمساحة نفسها في تجربتها التعليمية والثقافية.
ومن خلال الرسم الزيتي وفن الألياف وصناعة المحتوى، تخوض هيلين اليوم رحلة شخصية لاكتشاف «المينهوا»، وهو فن الرسم الشعبي الكوري التقليدي، وإعادة تفسير رموزه من خلال تجربتها الخاصة كامرأة تنتمي إلى أكثر من ثقافة. وبين الفضول والشك والخوف من عدم الانتماء أو «القيام بالأمر بطريقة خاطئة»، تحاول أن تجد مساحتها الخاصة داخل هذا التراث، لا من خلال تقليده فحسب، بل من خلال الحوار معه.
وفي هذا الحوار، تتحدث هيلين عن رحلتها الفنية والإنسانية، وعلاقتها بالهوية والانتماء، وكيف أصبح الفن وسيلة لفهم الذات والتواصل مع الماضي وفتح حوار جديد بين التقاليد والتجربة المعاصرة. وأُجريت المقابلة عبر البريد الإلكتروني في 16 يوليو.
في البداية، هل يمكنكِ أن تعرّفي قراءنا بنفسكِ وتخبرينا قليلًا عن رحلتكِ كفنانة؟
اسمي هيلين، وأنا فنانة كورية أمريكية أعمل في مجالي الرسم وفن الألياف، كما أدرس حاليًا لأصبح معالجة نفسية، وأقيم في كوينز بمدينة نيويورك. درست الفن التشكيلي وعلم النفس الإكلينيكي في كلية ويليامز، وهي كلية للفنون الحرة تقع في منطقة ريفية، وهناك وقعت في حب الرسم الزيتي.
ومنذ ذلك الحين، تركز معظم أعمالي الفنية على اللوحات الزيتية التصويرية ذات الطابع السريالي، رغم أن إنجاز هذا النوع من الأعمال في شقتي الصغيرة المكونة من غرفة نوم واحدة في كوينز يمثل تحديًا في حد ذاته، لكنني أجد دائمًا طريقة للتعامل مع الأمر!
وفي الآونة الأخيرة، أصبحت شغوفة بشكل خاص باستكشاف الرسم الشعبي الكوري التقليدي المعروف باسم «مينهوا». وأحاول أن أكون واعية ومتعمدة قدر الإمكان في اختياراتي الفنية، ولذلك أستفيد من إمكانات الإنترنت الحديثة لأتعلم ذاتيًا عن أعمال أسلافي وتراثهم الفني.
ويمثل الإبداع أهمية كبيرة بالنسبة إليّ، وأعتقد أنه ما يمنحني شعورًا بالانتماء. لطالما كان عليّ أن أختار بوعي تخصيص وقت للفن إلى جانب الدراسة أو العمل. وحاليًا، أحاول تحقيق التوازن بين ممارسة الفن ودراسة الخدمة الاجتماعية والعمل بدوام جزئي أو العمل الحر.
لوحة بعنوان «القرية الكورية التقليدية للقطط» للفنانة هيلين. (المصدر: هيلين، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
تمتد ممارستكِ الفنية بين الرسم وفن الألياف والوسائط الرقمية. كيف تساعدكِ هذه الوسائط المختلفة على التعبير عن أفكاركِ ومشاعركِ؟
أحب كوني فنانة متعددة الوسائط. وأفضل أن أرى نفسي ليس باعتباري فنانة تجيد مجالات كثيرة بدرجات متفاوتة، بل باعتباري شخصًا يستطيع أن يجد ذاته في وسائط فنية مختلفة. وأؤمن بشدة بأن امتلاك أكثر من وسيلة للتعبير يساعد على تحويل الأفكار إلى واقع.
ويظل الرسم، على الأرجح، الأقرب إلى قلبي. فهو الوسيلة الأساسية التي أستخدمها لتحويل الرؤى والمشاعر الغامضة التي تبدأ في داخلي إلى صور واضحة، كما أنه يمثل تحديًا دائمًا يدفعني إلى تطوير نفسي. أنا رسامة زيتية في الأساس، لكنني أحب مختلف أنواع الألوان، بما في ذلك الأكريليك والألوان المائية والألوان المعدنية الكورية والغواش.
وقد تستغرق لوحاتي ساعات أو أشهرًا، بحسب الوقت الذي أحتاج إليه لبناء طبقاتها. لذلك، كان الرسم بالنسبة إليّ وسيطًا مرنًا وصبورًا يتيح لي تطوير أفكاري تدريجيًا وبالسرعة التي تناسبني.
أما فن الألياف، مثل الكروشيه والحياكة، فقد منحني وسيلة أخف وطأة لنشر البهجة والتواصل مع الآخرين. أحب ابتكار أشياء غير متوقعة، مثل سيجارة ضخمة بحجم الذراع، أو إضافة أرجل وحاجبين جادين إلى أي شيء تقريبًا!
وكانت مشاركتي في أسواق الحرف اليدوية المحلية بوابتي الأولى إلى المشهد الإبداعي في نيويورك. وسأظل دائمًا أعتز بذلك النوع الخاص من التواصل الذي ينشأ عندما تقدم لشخص دمية صغيرة مرحة، ثم ترى السعادة تضيء وجهه. وإلى جانب دوره في بناء العلاقات، ساعدني فن الألياف أيضًا على الشعور بالثبات في اللحظات التي أحتاج فيها إلى ذلك. فالحركة الجسدية المتكررة أثناء الحياكة أو الغرز تحمل بالنسبة إليّ طابعًا تأمليًا.
أما الوسائط الرقمية وصناعة المحتوى، فقد شكلت رحلة ممتعة للغاية. لدي حساب فني على إنستغرام منذ المرحلة الثانوية كنت أستخدمه لتوثيق أعمالي، لكنني لم أبدأ في تسجيل المحتوى وتحريره كمشروع إبداعي مستقل إلا منذ نحو عامين.
وأنا شخصية تميل إلى الانطواء وأحب التوثيق والأرشفة، ولذلك تمنحني وسائل التواصل الاجتماعي فرصة للتعبير عن فني والتحدث عنه مع عدد كبير من الناس بطريقة أستطيع من خلالها أن أكون متأنية ومقصودة، وأن أبني حضوري ورسالة فني تدريجيًا مع مرور الوقت.
بدأتِ مؤخرًا في مشاركة رحلتكِ في تعلم «المينهوا»، وهو الرسم الشعبي الكوري التقليدي. ما الذي ألهمكِ أولًا لاستكشاف هذا الفن؟
عندما عدت إلى الدراسة في مجال الخدمة الاجتماعية، دفعني العام الأول إلى التفكير بعمق أكبر في هويتي والهويات التي أحملها، وإلى مراجعة الطرق التي تلقيت من خلالها التعليم وتأثرت بها طوال حياتي.
وبصفتي من الجيل الثاني من المهاجرين، وقد نشأت في بيئات لم تكن فيها الثقافة الكورية أو الآسيوية جزءًا بارزًا من المشهد الثقافي والتعليمي من حولي، أدركت أنني تلقيت في الغالب تعليمًا يركز على التقاليد الفنية الغربية والأوروبية.
وأدركت لاحقًا مدى تأثير ذلك في ذوقي الفني؛ فعندما أزور متحفًا، يكون توجهي الأول عادة إلى قاعات الرسم الزيتي الأوروبي. ومن دون أن أدرك ذلك، قضيت وقتًا طويلًا وأنا أضع الثقافة الغربية في مركز ممارستي الفنية، سواء من حيث الخامات أو الموضوعات. وعندما أدركت ذلك، شعرت بالأسف لأنني لم أكن قد أبديت من قبل فضولًا حقيقيًا تجاه التقاليد الفنية الكورية.
لذلك، كانت خطوتي التالية هي البحث بوعي في تاريخ الفن الكوري. وهكذا اكتشفت «المينهوا»، وتعرفت إلى علاقته العميقة بالحكايات الشعبية والثقافة الكورية. كنت قد كوّنت مفهومًا عن «الفن الراقي» من خلال أعمال كبار الفنانين المعروفين، مثل ليوناردو دافنشي وكارافاجيو، ولذلك شعرت بالحماس عندما اكتشفت أن «المينهوا» كان في معظمه فنًا أبدعته الطبقات الشعبية ولأجلها، وغالبًا ما كان من إنتاج فنانين مجهولين.
وكان معظم ما قرأته عن «المينهوا» يركز على رموزه وعلاقته بالثقافة الكورية أكثر من تركيزه على أسماء فنانين محددين. وشعرت أن ذلك يعكس بشكل جميل الصوت الصادق لهذا الفن. فقد أعادت أجيال من الفنانين إنتاج الرموز الثقافية نفسها، مثل النمور والرافعات وأشجار الصنوبر والجبال، حاملة إرث شعب كامل عبر الزمن.
وعندما أدركت ذلك، بدأت أتساءل: ماذا لو رسمت أنا أيضًا رموز «المينهوا»؟ هل يمكنني أن أشارك، بطريقتي الخاصة، في هذا الإرث الفني؟ ومن هنا بدأت محاولة إعادة تفسير رموز «المينهوا» التقليدية من خلال تجربتي كامرأة من الجيل الثاني، وأنظر إلى ازدواجية الانتماء الثقافي باعتبارها مصدرًا للقوة والإمكانات.
لوحة «طائر الكركي والصنوبر» للفنانة الكورية الأمريكية هيلين. (المصدر: هيلين، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
في عملكِ الفني الأخير «لوحة الصنوبر والرافعة» لعام 2026، أعدتِ تقديم نموذج «سونغهاكدو» التقليدي بأسلوب معاصر. ما الذي ألهمكِ هذا العمل، وما المشاعر أو الرسالة التي أردتِ التعبير عنها؟
تعلمت أن طيور الكركي وأشجار الصنوبر غالبًا ما تظهر معًا في «المينهوا»، باعتبارهما رمزين ثقافيين يرتبطان بمعاني طول العمر والصمود. ويُعرف هذا النوع من «المينهوا» باسم «سونغهاكدو»، وهي كلمة تتكون من «سونغ» بمعنى الصنوبر، و«هاك» بمعنى طائر الكركي، و«دو» بمعنى الرسم.
وتقدم لوحتي «لوحة الصنوبر والرافعة» رؤيتي الكورية الأمريكية المعاصرة لهذا الموضوع. استخدمت فيها الألوان الزيتية بدلًا من الألوان الكورية التقليدية، والقماش بدلًا من ورق الهانجي التقليدي، كما صورت غصنًا من شجرة الصنوبر يخرج من سحابة بدلًا من شجرة كاملة متجذرة في الأرض.
أما طيور الكركي فتدخن، ويتداخل الدخان مع السحب، بينما يبدو المشهد بأكمله معلقًا في الهواء، في حالة من عدم اليقين الهش والرقيق. وجاءت فكرة التدخين من مصدرين: الأول فكرة العادات التي قد تتحول إلى نوع من التعلق أو الإدمان، والثاني العبارة الكورية التي تعني «في الزمن الذي كانت فيه النمور تدخن»، وهي تعبير يؤدي وظيفة مشابهة لعبارة «كان يا ما كان».
وبصفتي فنانة كورية أمريكية تحاول إدخال مزيد من الإلهامات غير الغربية إلى أعمالها، تمثل هذه اللوحة واحدة من أولى تجاربي الكبرى في استكشاف الرموز والجماليات والخامات الكورية التقليدية بأسلوبي الخاص. وعلى المستوى العاطفي، تهدف اللوحة إلى التعبير عن حالة الشعور بالتيه والفوضى، مع البقاء في الوقت نفسه على اتصال عميق بالجذور.
بصفتكِ فنانة كورية أمريكية، كيف أثرت إعادة التواصل مع الفن الكوري التقليدي في فهمكِ لهويتكِ الثقافية والفنية؟
بصفتي فنانة كورية أمريكية تعرفت إلى «المينهوا» للمرة الأولى من خلال ويكيبيديا، أجد نفسي أطرح سؤالًا متكررًا: هل يظل ما أقدمه «رسمًا كوريًا» إذا كنت أنا من رسمته باستخدام الألوان الزيتية على القماش، في ركن من شقتي في كوينز، ومن دون ارتباط قوي باستوديو أو مجتمع أوسع من فناني «المينهوا»؟
وبما أن «المينهوا» فن شعبي نشأ من ثقافة مشتركة بين مبدعيه، أشعر أحيانًا وكأنني نبتة عشب وحيدة تنمو بعيدًا عن بقية الحقل.
وكثيرًا ما أتساءل عما إذا كنت «أفعل ذلك بالطريقة الصحيحة»، وأشعر أحيانًا بالحرج وأنا أستخدم ترجمة جوجل للتنقل بصعوبة بين المصادر الإنجليزية والكورية على الإنترنت. لكن في النهاية، وبعيدًا عن القلق بشأن ما إذا كنت «أفعل ذلك بالطريقة الصحيحة»، أعتقد أن هذه التجربة ساعدتني بالفعل على الشعور بارتباط أعمق بتراثي الفني.
فلأول مرة في حياتي الإبداعية كشخص بالغ، أشعر بالفخر لأنني أستطيع أن أستحضر بوضوح أسلافي الفنيين الذين نقلوا روح الإبداع عبر القرون.
لوحة «التدخين مع النمور» للفنانة هيلين. (المصدر: هيلين، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
يشتهر «المينهوا» برموزه الغنية، مثل النمور وطيور الكركي والزهور والمخلوقات الأسطورية. هل هناك رمز أو عنصر تقليدي تشعرين بارتباط خاص به؟ ولماذا؟
كلما تعلمت المزيد عن تاريخ «المينهوا» ورموزه، لم أجد قصة واحدة غير مثيرة للاهتمام؛ فكل ما أكتشفه يثير فضولي. ومع ذلك، هناك بعض الرموز التي أجد نفسي أعود إليها باستمرار في أعمالي.
أول هذه الرموز هو التعبير القديم «في الزمن الذي كانت فيه النمور تدخن». ففي الحكايات الشعبية الكورية، يُستخدم هذا التعبير للإشارة إلى الأزمنة القديمة والأسطورية، ويؤدي وظيفة مشابهة لعبارة «كان يا ما كان». وقد أسرتني فكرة أن الأزمنة القديمة يمكن استحضارها من خلال صورة نمور الجبال وهي تدخن غلايينها. لذلك، استخدمت صورة التدخين كثيرًا باعتبارها خيطًا يربط بين العصور المختلفة.
ومن الرموز التي أحبها أيضًا طائر الكركي ذو التاج الأحمر، الذي يرمز غالبًا إلى طول العمر. وأحب بصريًا ريشه الأسود والأبيض المتباين والبقعة الحمراء على رأسه، كما اندهشت عندما علمت أنه قد يعيش في البرية حتى 30 أو 40 عامًا في المتوسط. إنها طيور معمرة بالفعل!
وبشكل عام، أجد العلاقة بين «المينهوا» والانسجام مع الطبيعة فكرة رائعة وخالدة، وتبدو لي ذات قيمة خاصة باعتباري شابة تعيش في مدينة خرسانية ضخمة مثل نيويورك.
غالبًا ما تستكشف أعمالكِ موضوعات المشاعر والشفاء والتواصل الإنساني. كيف أثرت خلفيتكِ في علم النفس ودراستكِ للخدمة الاجتماعية في رؤيتكِ الفنية؟
منذ أن درست علم النفس والفن معًا في المرحلة الجامعية، وأنا أتعامل مع المجالين جنبًا إلى جنب. فمنذ إعداد أطروحتي في علم النفس الإكلينيكي وأطروحتي في الفن التشكيلي في الوقت نفسه، وحتى حياتي الحالية التي أوازن فيها بين دراسة الخدمة الاجتماعية وممارسة الرسم، وجدت أن الجمع بين المسارين أمر طبيعي ومهم بالنسبة لي.
وأؤمن بأن ممارستي الفنية تعمق التأملات التي تشكل رؤيتي للعمل الاجتماعي، بينما تمنحني دراستي للصحة النفسية منظورًا أوسع وحساسية وفضولًا أكبر في فني.
وهدفي في مجال الخدمة الاجتماعية هو أن أصبح معالجة نفسية تركز على العمل مع المجتمعات الآسيوية الأمريكية ومجتمعات المهاجرين. فهناك الكثير من التفاصيل الدقيقة المرتبطة بتجربة الحياة كأمريكي آسيوي أو كشخص له صلة بتجربة الهجرة.
وقد نشأ كثيرون منا في بيئات مجزأة تتمحور حول الثقافة الغربية، حتى إننا لا ندرك أحيانًا أن من حقنا السعي إلى الصحة النفسية والتحدث عنها. لذلك، يتمثل هدفي المهني في تعزيز حضور الأمريكيين الآسيويين وتمثيلهم في مجال الصحة النفسية، سواء بوصفهم متخصصين في هذا المجال أو أشخاصًا يستحقون الحصول على الرعاية.
أما فنيًا، فأرغب في استكشاف التعبير وتوسيع آفاق الرؤية. وقد وجدت أن كل ما أتعلمه في علم النفس والخدمة الاجتماعية يزيد فضولي وشغفي بالفن الذي أبدعه.
وفي النهاية، أعتقد أن الفن وعلم النفس يقومان على أساسين مشتركين هما التعاطف والفضول، وهما القيمتان الأقرب إلى روحي. لطالما كان الإبداع بالنسبة إليّ امتدادًا للمشاعر، وأعتقد أن الفن وعلم النفس يدفعانني إلى الاقتراب من مشاعري بدلًا من الهروب منها.
إن الفن الذي أبدعه ما كان ليكون ممكنًا لولا التفكير العميق الذي تطلبته خلفيتي في علم النفس، كما أن عملي في مجال الخدمة الاجتماعية يتأثر بعمق بالطريقة التي عالجت بها تجاربي وعبّرت عنها من خلال الفن.
شاركتِ خلال رحلتكِ الفنية في عدد من المعارض، كما نظمتِ أول معرض جماعي لكِ بعنوان «إعادة التوجيه». كيف أثرت هذه التجارب في تطوركِ كفنانة، وماذا تأملين أن يأخذ الزوار معهم من معارضكِ؟
أشعر بأنني محظوظة جدًا لأنني تمكنت من تنظيم أول معرض جماعي لي خلال الصيف الماضي، بعنوان «إعادة التوجيه: تجارب الهوية الآسيوية الأمريكية». واستكشف المعرض تعقيدات الهوية الآسيوية الأمريكية في عصر العلامات التجارية والاتجاهات الثقافية الحديثة والثقافة الشعبية.
ولا تزال الأعمال معروضة حتى نهاية أغسطس في مقهى ومساحة إبداعية في بروكلين تملكها امرأة من أصول آسيوية أمريكية. وكان تنظيم المعرض واحدًا من أكثر المشاريع طموحًا التي خضتها، وقد تطلب قدرًا كبيرًا من العمل يشبه إدارة مشروع متكامل. وأنا فخورة جدًا بالأعمال التي أبدعها الفنانون معًا.
لقد فتح تنظيم المعرض عيني على حجم الجهد والحب اللذين يتطلبهما إقامة معرض فني، وأنا ممتنة للمجتمع الذي تشكل حول هذا المشروع وساهم في تحويله إلى حقيقة.
وبعيدًا عن الأعمال الفنية نفسها، أتاح المعرض فرصًا عديدة للتعاون مع أشخاص موهوبين من مجتمعات آسيوية متنوعة، في مجالات الموسيقى والطعام وتصوير الفيديو وتنسيق الزهور. ومن خلال هذه التجربة، تعلمت أن التركيز على جمع الناس معًا يجعل الفن يزداد تألقًا بصورة طبيعية. وقد علّمني هذا المعرض أهمية التواصل والمجتمع في تحويل مجموعة من الأعمال الفنية إلى تجربة متكاملة.
وفي معرض «إعادة التوجيه»، كان هذا التعاون هو ما جعل المعرض يبدو وكأنه رسالة حب جماعية إلى الهوية الآسيوية الأمريكية، ومحاولة لتقديم فهم أكثر عمقًا لمصطلح طالما جمع مجموعات متنوعة جدًا تحت مظلة واحدة.
وفي المستقبل، آمل أن أواصل وضع الأشخاص الذين يبدعون الفن ويشاهدونه في قلب عملي، وأن أخلق مساحات تسمح بإجراء حوارات أكثر عمقًا وتنوعًا. أما ما أتمناه لزوار معارضي، فهو أن يشعروا بالفضول تجاه الفن، وأن يشعروا بالقدرة على بدء حوارات حوله.
لوحة لطائر الكركي للفنانة هيلين. (المصدر: هيلين، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
يعيد العديد من الفنانين الشباب اليوم تفسير الفن الكوري التقليدي بطرق معاصرة. كيف توازنين بين احترام التقاليد وتطوير صوتكِ الفني الخاص؟
هذا سؤال رائع، وما زلت أبحث عن إجابتي الخاصة عنه. أشعر أحيانًا، في أعمالي القائمة على إعادة التفسير، بأنني لا أنصف هذا الفن، أو أنني قد أسيء إلى معنى الرموز ذات القيمة الثقافية، أو لا أنفذها بالشكل المناسب.
ويزداد هذا الشعور لأن الخامات التي أستخدمها، مثل الألوان الزيتية والقماش، تختلف كثيرًا عن الخامات التقليدية للفن الكوري، مثل الألوان المعدنية وورق الهانجي، كما أنها ترتبط بأساليب فنية مختلفة تمامًا.
وأشعر أحيانًا بنوع من عدم الاستحقاق الفني والثقافي، باعتباري كورية أمريكية لم تنشأ مع فن «المينهوا» أو بالقرب منه. لكنني حاولت خلال العام الماضي إعادة النظر إلى هذه المشاعر بطريقة أكثر إيجابية.
فحتى لو لم أنشأ في كوريا إلى جانب أفراد عائلتي وأقاربي، ولم أتعرف إلى الفن الكوري التقليدي في سن مبكرة، فإنني ما زلت أملك اليوم فرصة استكشافه بعينين جديدتين وقلب فضولي وعقل مبدع.
وبدلًا من أن أشعر بالاستياء لأن منظوري ليس «كوريًا بما يكفي»، أحاول أن أكون ممتنة لأن تجربتي تمنحني منظورًا فريدًا يجمع بين ثقافات متعددة وطبقات مختلفة من الانتماء.
وأشعر أحيانًا برغبة مثالية في الانتماء وفي إتقان «المينهوا» بشكل كامل حتى أصبح جزءًا منه. لذلك، أذكّر نفسي باستمرار بأن فني لا يحتاج إلى أن ينتمي تمامًا إلى هذا النوع الفني حتى يكون شرعيًا وذا قيمة.
لقد استغرق الأمر وقتًا وجهدًا حتى أشعر بالثقة في أسلوبي ومعرفتي، وأدرك أن هذه ستكون رحلة طويلة. جربت طرقًا مختلفة للتواصل مع التقاليد، من إعادة ابتكار الرموز باستخدام خاماتي الخاصة، إلى استخدام الخامات التقليدية لتصور رموز جديدة، وما بين ذلك. وأعلم أن ما يبدو صحيحًا بالنسبة إليّ سيتطور مع الوقت، ولذلك أحاول أن أواصل الاستكشاف وأن أتبع الأماكن التي أشعر فيها بشرارة الإبداع.
من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، عرّفتِ الكثير من الناس على «المينهوا» وشاركتِ رحلتكِ الإبداعية مع جمهور حول العالم. ما الدور الذي تعتقدين أن المنصات الرقمية تؤديه في الحفاظ على الفن الكوري التقليدي والترويج له عالميًا؟
أعلم أن المنصات الرقمية تتعرض أحيانًا للانتقادات بسبب كثرة الأصوات وتدفق المحتوى في عالم الإنترنت، لكنها كانت بالنسبة إليّ أساسية في الوصول إلى المعلومات حول الفن الشعبي الكوري التقليدي وتاريخه.
فمن مدونات الفنانين الصغيرة إلى أرشيفات المتاحف وحسابات فناني «المينهوا» المعاصرين على إنستغرام، هناك الكثير من الإلهام المتاح لمن يعرف أين يبحث.
وبالنسبة إليّ، كان حسابي على إنستغرام وسيلة ممتعة لتوثيق رحلتي بصراحة وأنا أجرب الفن الكوري التقليدي. وكان من أكبر الامتيازات في مسيرتي الفنية أن يصل هذا المحتوى إلى عدد كبير من الأشخاص المهتمين بمتابعة رحلتي.
إن التواصل مع أشخاص يشاركونني الاهتمام نفسه، حتى لو كان لفترة قصيرة من خلال قسم التعليقات، يزيد حماسي لمواصلة التعلم وتجربة أشياء جديدة. كما وجدت أن وسائل التواصل الاجتماعي، مثل إنستغرام، تمثل وسيلة سهلة لاكتشاف فنانين آخرين في مجال «المينهوا» ومتابعة أعمالهم وأفكارهم.
وبما أن الإنترنت يحتفظ بما ننشره، فهناك شيء مريح في نشر مقاطع الفيديو البسيطة التي أصنعها عن شكل فني قديم وعريق؛ وكأن ذلك يمثل نوعًا من الحفظ والتقدير. وبخاصة بالنسبة إلى الفنون والتاريخ اللذين لا يحظيان بمساحة كافية في الكتب المدرسية، أعتقد أن المنصات الرقمية توفر وسيلة جميلة لاستمرار حضورهما في الثقافة العالمية.
أخيرًا، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الفنانين الشباب حول العالم الذين يستلهمون الثقافة الكورية ويرغبون في دمجها في رحلاتهم الإبداعية؟
ما زلت أحاول أن أستوعب هذه الفكرة بنفسي، لكنني أعتقد أن رسالتي ستكون: كل ما تحتاج إليه موجود بالفعل بداخلك، والإلهام لا يعني أن يفرض عليك أحد ما يجب أن تفعله.
وقد يكون استلهام الأفكار من تقليد فني لم تنشأ عليه أمرًا مخيفًا، كما أن الشعور بأنك «تفعل الأمر بطريقة خاطئة ولا تستحق أن تبتكر هذا الفن» يمكن أن يكون عائقًا حقيقيًا أمام الإبداع.
لكنني أؤمن بأن كل واحد منا يحمل روحًا مبدعة رافقتنا عبر الأجيال والعصور، وهذه الروح تربطنا بمن أبدعوا قبلنا وبمن سيبدعون بعدنا. وطالما أننا نبدع بقلب مليء بالتواضع والفضول، فلا أعتقد أن هناك طرقًا كثيرة يمكن أن نخطئ بها.
ربما أكثر ما يميز رحلة هيلين أنها لا تقدم نفسها باعتبارها فنانة وصلت إلى إجابات نهائية، بل باعتبارها إنسانة ما زالت تطرح الأسئلة. هل يمكن أن ننتمي إلى تراث لم ننشأ بالقرب منه؟ وهل يمكن أن نقترب من تقليد فني باحترام، حتى وإن كنا نعيد تفسيره من خلال أدوات وتجارب مختلفة؟ وهل يحتاج الفن إلى أن يكون مطابقًا للأصل حتى يكون صادقًا؟
ومن خلال تجربتها، تبدو الإجابة أقرب إلى رحلة مستمرة من البحث والتعلم والتجربة. فالفن بالنسبة إلى هيلين ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل مساحة تلتقي فيها الذاكرة بالهوية، والجذور بالحاضر، والتقاليد بالحرية الإبداعية.
وربما تكمن قيمة رحلتها في أنها تذكرنا بأن العودة إلى الجذور لا تسير دائمًا في خط مستقيم، ولا تحتاج إلى إجابات كاملة منذ البداية. وأحيانًا، يكفي أن نبدأ بالفضول، وأن نقترب بتواضع، وأن نسمح لأنفسنا باكتشاف الطريق خطوة بعد أخرى.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.