أحد بيوت الهانوك في قرية كيوتشون بمدينة كيونغجو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية خلود خالد أبو اليزيد
وسط الأزقة الهادئة لقرية كيوتشون هانوك في مدينة كيونغجو، يقف بيت عائلة تشوي شاهدًا على تاريخ عريق امتد لأكثر من أربعة قرون. وخلال زيارتي للمكان في 6 يونيو 2026، لفت انتباهي منذ اللحظة الأولى جمال العمارة الكورية التقليدية، بأسقفها المنحنية ومبانيها التي حافظت على طابعها الأصيل رغم مرور الزمن.
أحد بيوت الهانوك في قرية كيوتشون بمدينة كيونغجو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
لكن ما جعل هذا المكان مميزًا بالنسبة لي لم يكن جماله المعماري فحسب، بل القصة الإنسانية الملهمة التي اكتشفتها خلال زيارتي. فقد أدركت أن هذا المنزل لم يكن مجرد مقر لعائلة ثرية، بل أصبح شاهدًا على قيم العطاء والمسؤولية الاجتماعية وحب الوطن التي عُرفت بها العائلة.
عاشت عائلة تشوي الثرية في كيونغجو لأكثر من 400 عام، وحافظت على ثروتها ومكانتها عبر أجيال متعاقبة. إلا أن شهرتها لم تأتِ من ثروتها وحدها، بل من المبادئ الأخلاقية التي التزمت بها، والتي جعلت قصتها حاضرة حتى يومنا هذا.
أحد بيوت الهانوك في قرية كيوتشون بمدينة كيونغجو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
ومن أشهر المبادئ التي عُرفت بها العائلة مساعدة المحتاجين ومشاركة خيراتها مع المجتمع. فقد قدمت الغذاء للمحتاجين، ولا سيما في أوقات الشدة، كما ارتبط اسمها بممارسات هدفت إلى الحد من استغلال الفلاحين ومساعدة سكان المنطقة. وعكست هذه المبادئ إحساسًا بالمسؤولية تجاه المجتمع المحيط بها.
أحد بيوت الهانوك في قرية كيوتشون بمدينة كيونغجو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
أحد بيوت الهانوك في قرية كيوتشون بمدينة كيونغجو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
وما أثار إعجابي أكثر هو الدور الذي أداه أفراد من العائلة خلال فترة الاحتلال الياباني لكوريا. فقد ارتبط اسم العائلة بدعم حركة الاستقلال الكورية، ولم يقتصر ذلك على التأييد المعنوي، بل شمل تقديم الدعم المالي للحركة، ليصبح تاريخها مرتبطًا أيضًا بحب الوطن والتضحية من أجله.
ومن أبرز شخصيات العائلة تشوي جون، الذي استخدم جزءًا من ثروته لدعم حركة الاستقلال الكورية. وعندما تعرفت إلى هذه المعلومات خلال زيارتي للموقع، شعرت بقدر كبير من الإعجاب، لأنني لم أكن أتوقع أن يكون وراء هذا المنزل الهادئ تاريخ حافل بالعطاء والمسؤولية تجاه المجتمع والوطن.
مبنى تابع لبيت عائلة تشوي في قرية كيوتشون بمدينة كيونغجو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
ويعود تاريخ المنزل الحالي إلى القرن التاسع عشر، وقد بُني وفق الطراز التقليدي لمنازل طبقة اليانغبان، وهي الطبقة الأرستقراطية في المجتمع الكوري آنذاك. وكان المنزل يضم في الأصل 99 غرفة، وهو ما يعكس المكانة الاجتماعية الكبيرة التي كانت تتمتع بها العائلة في ذلك الوقت.
وعلى الرغم من هذه المكانة الرفيعة، اشتهرت العائلة بمبدأ بسيط لكنه عميق المعنى، وهو أن الثروة ينبغي أن تكون وسيلة لخدمة المجتمع، لا للتفاخر بها أو استغلالها. ولهذا لا تزال قصة عائلة تشوي تُذكر بوصفها نموذجًا يجسد قيم المسؤولية الاجتماعية والكرم.
بالنسبة لي، لم تكن زيارة بيت عائلة تشوي مجرد جولة داخل منزل تاريخي، بل كانت فرصة للتعرف إلى قيم إنسانية نبيلة ما زالت قصتها حاضرة حتى اليوم. فقد خرجت من المكان وأنا أشعر بإعجاب كبير بعائلة استطاعت أن تجمع بين الثراء والكرم وحب الوطن، لتترك إرثًا ظل حاضرًا في الذاكرة الكورية عبر الأجيال.
مشهد يعرض مراسم الزفاف التقليدية في قرية كيوتشون بمدينة كيونغجو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
معلومات للزوار:
يقع بيت عائلة تشوي التاريخي داخل قرية كيوتشون هانوك في مدينة كيونغجو، ويمكن الوصول إليه من بوسان بوسائل النقل العام. وللقادمين من بوسان، يمكن ركوب قطار «كي تي إكس» إلى محطة كيونغجو، في رحلة تستغرق نحو 30 دقيقة. ومن محطة كيونغجو، يمكن استقلال الحافلة رقم 50 أو 70 إلى منطقة كيوتشون هانوك، ثم السير لبضع دقائق حتى الوصول إلى بيت عائلة تشوي التاريخي.
تمثال لأم وأطفالها في قرية كيوتشون بمدينة كيونغجو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
تمثال لعائلة في قرية كيوتشون بمدينة كيونغجو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
ويُنصح بتخصيص وقت لاستكشاف القرية التاريخية المحيطة بالمنزل، حيث تضم عددًا من بيوت الهانوك التقليدية والمعالم الثقافية، مما يمنح الزائر فرصة للتعرف عن قرب إلى التراث الذي تشتهر به مدينة كيونغجو.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.