النسختان العربيتان من روايتي «النباتية» و«أفعال بشرية» للكاتبة الكورية هان كانغ. (تصوير: سلوى الزيني)
بقلم مراسلتي كوريا نت الفخريتين المصريتين سلوى الزيني وإسراء الزيني
هناك كتب نطوي صفحاتها بمجرد الانتهاء منها، وأخرى تظل ترافقنا طويلًا، فتعود شخصياتها إلى الذاكرة، وتستمر أسئلتها في ملاحقتنا حتى بعد أشهر من القراءة. هكذا كانت رحلتنا مع أعمال الكاتبة الكورية هان كانغ، التي لم تكتفِ بسرد القصص، بل صنعت عوالم كاملة تدفع القارئ إلى التأمل في الإنسان والذاكرة والألم والحرية.
قبل أن تحصد جائزة نوبل للآداب عام 2024، كانت هان كانغ قد رسخت مكانتها بوصفها أحد أبرز الأصوات الأدبية في كوريا، إلا أن الجائزة دفعت ملايين القراء حول العالم إلى اكتشاف أعمالها للمرة الأولى. وبينما كانت رواياتها تُترجم إلى لغات جديدة، بدأت النسخ العربية أيضًا تجد طريقها إلى أيدي قراء كثيرين، لنخوض نحن أيضًا رحلة مع عالمها الأدبي. بدأت الرحلة بالتعرف إلى اسم لمع بقوة في الأدب العالمي، لكنها سرعان ما تحولت إلى تجربة قراءة جعلتنا ننتقل من رواية إلى أخرى، لا بحثًا عن أحداث جديدة، بل رغبة في اكتشاف المزيد من عالمها الأدبي.
المثير في روايات هان كانغ أنها لا تعتمد على الحبكات المعقدة أو الأحداث المتلاحقة، بل على المشاعر الإنسانية التي تتسلل إلى القارئ بهدوء. وكل رواية فتحت لنا بابًا مختلفًا؛ مرة إلى الحرية، وأخرى إلى الذاكرة، وثالثة إلى الصمت، لكنها جميعًا اشتركت في قدرتها على ترك أثر يتجاوز أحداثها وشخصياتها.
لوحة تعريفية بالكاتبة الكورية هان كانغ تتضمن أبرز محطات مسيرتها الأدبية وعددًا من أعمالها. (تصوير: إسراء الزيني)
كانت البداية مع «النباتية»، وربما لهذا بقيت الأقرب إلى ذاكرتنا. في ظاهرها، تبدو الحكاية بسيطة؛ امرأة تُدعى يونغ هي تقرر التوقف عن تناول اللحوم بعد سلسلة من الأحلام المزعجة. لكن مع كل فصل، تتضح حقيقة مختلفة؛ فالرواية لا تتحدث عن الطعام بقدر ما تتحدث عن الإنسان عندما يحاول أن يعيش وفق قناعاته، فيصطدم بمجتمع يرى الاختلاف تهديدًا يجب مقاومته.
ما أعجبنا في «النباتية» أن هان كانغ لم تجعل بطلتها تخوض معركة صاخبة، بل جعلت مقاومتها هادئة وصامتة، وهو ما منح الرواية قوة استثنائية. وبعد كل قراءة، اكتشفنا معنى جديدًا بين السطور، ولذلك نفهم تمامًا لماذا ما زالت هذه الرواية تُعد من أبرز الأعمال التي عرّفت القراء حول العالم بهان كانغ.
وإذا كانت «النباتية» قد دفعتنا إلى التفكير في الحرية، فإن «أفعال بشرية» جعلتنا ننظر إلى التاريخ من زاوية مختلفة تمامًا. تستند الرواية إلى انتفاضة غوانغجو من أجل الديمقراطية عام 1980، لكنها لا تسرد الوقائع كما تفعل كتب التاريخ، بل تقترب من البشر الذين عاشوا تلك اللحظات؛ أطفال وطلاب وأمهات وآباء، لكل منهم حكايته الخاصة، ولكل منهم جرحه الذي لم يلتئم.
أكثر ما أثر فينا أن هان كانغ لا تكتب عن الضحايا بوصفهم أرقامًا، بل تعيد إليهم أسماءهم وأحلامهم وأصواتهم. ومع انتهاء الرواية، شعرنا أن ما بقي في ذاكرتنا لم يكن مشاهد العنف، بل الكرامة الإنسانية التي حاولت الشخصيات التشبث بها حتى في أكثر اللحظات قسوة.
وبعد «أفعال بشرية»، جاءت تجربة مختلفة تمامًا مع «الكتاب الأبيض». قد لا يجد القارئ حبكة تقليدية أو أحداثًا متسارعة، لكنه سيجد هان كانغ نفسها بين الصفحات. فمن خلال أشياء بسيطة يجمعها اللون الأبيض، تستحضر الكاتبة أختها التي توفيت بعد ساعات من ولادتها، وتحول ذكراها إلى نص بالغ الرقة.
شعرنا أن هذا الكتاب يمثل مفتاحًا لفهم جانب من عالم هان كانغ الأدبي؛ فمن خلاله أدركنا أن اهتمامها بالفقد والذاكرة والإنسان يرتبط أيضًا بتجربة شخصية انعكست في كتاباتها. ولهذا لم نقرأ «الكتاب الأبيض» كرواية فقط، بل كنافذة تطل على جانب من عالم الكاتبة نفسها.
جانب من زيارتنا لفعالية «الأدب الكوري 2025»، حيث اقتنينا النسخ العربية من روايتي «النباتية» و«الكتاب الأبيض» للكاتبة هان كانغ. (تصوير: سلوى الزيني)
في «دروس إغريقية»، تقل الأحداث، لكن الأسئلة تزداد. امرأة فقدت قدرتها على الكلام، ومعلم للغة اليونانية القديمة يفقد بصره تدريجيًا. تبدو الشخصيتان بعيدتين عن بعضهما، لكن هان كانغ تنسج بينهما حوارًا لا يعتمد على الكلمات، بل على الفهم الإنساني.
هذه الرواية ليست الأسرع إيقاعًا، لكنها من أكثر أعمالها شاعرية. وكلما تقدمنا في القراءة، شعرنا أن الصمت نفسه يتحول إلى لغة، وأن بعض المشاعر لا تحتاج إلى كلمات حتى تصل إلى القارئ.
كان آخر ما قرأناه هو «لن نفترق»، أحدث روايات هان كانغ، والتي يراها كثير من النقاد خلاصة لمسيرتها الأدبية حتى الآن. تبدأ الرواية بحكاية صديقتين، لكنها سرعان ما تقود القارئ إلى واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في تاريخ كوريا، وهي أحداث جيجو عام 1948. وما ميّز الرواية بالنسبة لنا أنها تمزج بين الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، وبين الواقع والخيال، دون أن يفقد أي منهما حضوره.
ربما تحتاج هذه الرواية إلى قراءة هادئة ومتأنية، لكنها تكافئ القارئ في النهاية بصورة أعمق عن عالم هان كانغ، وتكشف كيف تطور أسلوبها ليصبح أكثر نضجًا واتساعًا.
جانب من معرض الكتب المترجمة إلى العربية ضمن فعالية «الأدب الكوري 2025»، والذي يضم مجموعة من أبرز الأعمال الأدبية الكورية، من بينها مؤلفات هان كانغ. (تصوير: إسراء الزيني)
لكن التعرف إلى هان كانغ لم يتوقف عند رواياتها. فبعد فوزها بجائزة نوبل، بدأنا نتعرف أيضًا إلى جانب آخر من كتاباتها. ومن أحدث إصداراتها كتاب «الضوء والخيط»، الذي يضم محاضراتها وتأملاتها حول الأدب والكتابة والذاكرة. ورغم أنه لم يُترجم إلى العربية بعد، فإنه يمنح القراء فرصة للاستماع إلى هان كانغ وهي تتحدث عن الكتابة والأدب بصوتها، لا من خلال شخصياتها.
كل رواية قرأناها لهان كانغ كانت مختلفة عن الأخرى، لكن جميعها اجتمعت في شيء واحد؛ أنها لا تقدم إجابات جاهزة، بل تترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل وإعادة التفكير. وربما لهذا السبب تجاوزت أعمالها حدود كوريا واللغة، ووصلت إلى قراء من ثقافات مختلفة.
إن التعمق في قراءة كتب هان كانغ ليس مجرد رحلة في الأدب الكوري، وإنما فرصة لاكتشاف كاتبة تؤمن بأن الأدب يستطيع أن يمنح صوتًا لمن لا صوت له، وأن يحفظ الذاكرة، وأن يطرح أسئلة قد لا نجد لها إجابات، لكنها تبقى معنا طويلًا، حتى بعد أن نغلق الكتاب.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.