جي هيون باك تقدم عرضًا في مؤسسة تورونتو للفنون. (الصورة من جي هيون باك، تصوير كاتريزا، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
بقلم المراسلة الفخرية المصرية شيماء محمد رشدي
لم يكن الرقص بالنسبة إلى جي هيون باك مجرد موهبة اكتشفتها في طفولتها، بل أصبح الطريق الذي اختارت أن تسلكه طوال حياتها. فمنذ خطواتها الأولى في عالم الرقص التقليدي الكوري، آمنت بأن الفن يمتلك قدرة استثنائية على حفظ الهوية والتواصل مع الآخرين. وبين مسيرتها داخل كوريا وانتقالها لاحقًا إلى كندا، واصلت تقديم هذا التراث إلى جمهور من ثقافات مختلفة، مؤمنة بأن الحركة والإيقاع قادران على التعبير عما قد تعجز الكلمات عن قوله. وفي هذا الحوار، تتحدث جي هيون باك عن محطات رحلتها، والتحديات التي واجهتها، ورؤيتها لمستقبل الفنون التقليدية الكورية. وأُجريت المقابلة عبر البريد الإلكتروني وإنستغرام خلال الفترة من 23 يونيو إلى 8 يوليو.
جي هيون باك تؤدي رقصة كورية تقليدية بالمروحة. (الصورة من جي هيون باك، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
حدثينا عن نفسكِ، وكيف بدأت رحلتكِ مع الرقص والعزف على طبلة الجانغ كو التقليدية الكورية؟
اسمي جي هيون باك، وأعمل حاليًا راقصة متخصصة في الرقص التقليدي الكوري في كندا. بدأت رحلتي عندما كنت في العاشرة من عمري، خلال إحدى حصص التربية الرياضية في المدرسة الابتدائية، حيث تعرفت للمرة الأولى على الثقافة الكورية التقليدية من خلال العزف على طبلة سوغو الصغيرة. ومنذ تلك اللحظة، وقعت في حب الإيقاعات التقليدية، وأصبحت أستمع باستمرار إلى موسيقى الغاياجوم، بل كنت أستخدم وسادتي في المنزل وكأنها طبلة جانغ كو لأتدرب على الإيقاعات. ومن خلال هذا الشغف العميق بالموسيقى التقليدية الكورية، انجذبت بشكل طبيعي أيضًا إلى الرقص التقليدي الكوري. وفي أحد الأيام، رأيت إعلانًا في إحدى الصحف عن اختبارات أداء لفرقة ليتل أنجلز للرقص، وكانت الصورة لأطفال يرتدون الهانبوك. ترجيت والديّ أن يسمحا لي بالمشاركة في الاختبار، وكانت تلك أول خطوة في حياتي كراقصة للرقص التقليدي الكوري.
جي هيون باك تقدم عرضًا في تافل بريل باروك. (الصورة من جي هيون باك، تصوير داليا كاتز، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
بدأتِ مسيرتكِ مع فرقة ليتل أنجلز، وهي من أشهر الفرق الثقافية في كوريا. ما الذكريات التي ما زالت ترافقكِ حتى اليوم؟ وكيف أسهمت هذه التجارب في تشكيل شخصيتكِ الفنية؟
لا تزال السنوات الخمس التي قضيتها مع فرقة ليتل أنجلز حتى اليوم من أعظم مصادر القوة التي تدفعني إلى الاستمرار في هذا الطريق. وكان لكل عرض معنى خاص، لكنني ما زلت أتذكر بوضوح شخصين من بين الجمهور.
كانت الذكرى الأولى عندما قدمت رقصة منفردة خلال جولة داخل كوريا وأنا في المرحلة الإعدادية. وفي ذلك الوقت، كان هناك موقع للتواصل الاجتماعي يُدعى «ساي وورلد». وبطريقة ما، وجد أحد الحاضرين صفحتي الشخصية وترك لي رسالة مؤثرة كتب فيها أنه تأثر كثيرًا بأدائي، ويتمنى أن أواصل الرقص الكوري لفترة طويلة. وبالنسبة إليّ كطالبة صغيرة، منحتني تلك الكلمات تشجيعًا كبيرًا وشعورًا بالمسؤولية.
أما الذكرى الثانية، فكانت بعد عرض في تركيا، عندما جاء أحد الدبلوماسيين ليخبرني بأن أداءنا سيجعلهم يعودون إلى بلادهم وهم يحملون ذكرى جميلة عن كوريا وثقافتها. عندها أدركت أن العروض الفنية ليست مجرد شيء يُشاهد، بل يمكنها أن تلامس القلوب وتصنع روابط ثقافية ذات معنى.
في البداية، كنت أرقص لأنني أحب الرقص فحسب، لكن هذه التجارب جعلت حلمي أكثر وضوحًا. أردت أن أصبح فنانة تشارك جمال الرقص التقليدي الكوري مع الناس حول العالم، وتربط بينهم من خلال الثقافة. ولا يزال هذا الحلم أحد أهم الأسباب التي تجعلني أواصل عملي في كندا اليوم.
جي هيون باك تقدم عرضًا ضمن فعاليات مجلس تورونتو للفنون. (الصورة من جي هيون باك، تصوير كاتريزا، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
بعد دراسة الفنون التقليدية والعمل مع فرقة أويجونغبو البلدية للرقص، ما الذي جعلكِ تكرسين حياتكِ لهذا الفن؟
أعتقد أن الأمر كان قدرًا. في المرحلة الثانوية، واجهت عائلتي ظروفًا مالية صعبة، وبعد انضمامي إلى فرقة أويجونغبو البلدية للرقص بفترة قصيرة، توفي والدي، وأصبحت مسؤولة عن إعالة أسرتي. وفي تلك الفترة، فكرت جديًا في ترك الرقص. لكن في كل مرة كنت أحاول فيها الابتعاد، كانت فرص جديدة تظهر أمامي، وكان الجمهور يطلب مشاهدة عروضي مرة أخرى ويخبرني بمدى تأثره بها. عندها شعرت أن هذا هو الطريق الذي يجب أن أواصل السير فيه. وفي النهاية، قادني هذا الإيمان إلى كندا، حيث وجدت فرصة لتقديم الرقص التقليدي الكوري إلى جمهور ينتمي إلى ثقافات متعددة.
جي هيون باك تقدم عرضًا متعدد الثقافات مع فرقة راو تاكو. (الصورة من جي هيون باك، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
أنتِ معروفة كراقصة وعازفة طبول ومصممة رقصات. كيف تكمل هذه الأدوار بعضها بعضًا؟
أؤمن بأن الرقص التقليدي الكوري لا يقتصر على تعلم الحركات، بل يظهر عمقه الحقيقي عندما يفهم الراقص الإيقاعات والألحان الكورية، ويعرف كيف يتنفس ويتحرك معها. ولهذا، لا أقدّر الرقص وحده، بل أهتم أيضًا بالعزف على الآلات الإيقاعية التقليدية ودراسة تصميم الرقصات. فعندما أفهم الإيقاع مباشرة وأشعر به من خلال جسدي، تصبح حركاتي أكثر طبيعية وثباتًا وتعبيرًا. وبالنسبة إليّ، لا يمثل الرقص والموسيقى وتصميم الرقصات مجالات منفصلة، بل هي عناصر مترابطة تشكل لغة فنية واحدة.
جي هيون باك تعزف على طبلة الجانغ كو خلال فعالية لشركة إير كندا. (الصورة من جي هيون باك، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
شعارك هو: «الثقافات القوية تبني أممًا قوية». ماذا يعني هذا بالنسبة إليكِ؟
أعتقد أن فقدان الثقافة يشبه فقدان هوية الأمة. وفي عالم اليوم سريع التغير، يعني الحفاظ على التقاليد حماية تاريخ البلد وقيمه وهويته. وأؤمن بأن الثقافة القوية هي أحد أسس الدولة القوية. ولهذا، وأنا أعمل في كندا متعددة الثقافات، أحاول أن أُظهر كل ما يميز كوريا من خلال الخطوط والحركات والتنفس والأناقة الهادئة وألوان الرقص التقليدي الكوري. وإذا شاهد أحدهم عرضي وقال: «هذه هي روعة كوريا»، فسأشعر بأنني حققت أحد أعظم أهدافي كفنانة.
جي هيون باك تؤدي رقصة جيوبانغ غوتغوري التقليدية الكورية. (الصورة من جي هيون باك، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
بعد انتقالكِ إلى كندا، ما الذي دفعكِ إلى أن تكوني سفيرة للثقافة الكورية التقليدية؟ وما التحديات التي واجهتكِ؟
كان السبب الرئيسي لانتقالي إلى كندا هو مشاركة جمال الرقص التقليدي الكوري مع الناس خارج كوريا. أردت أن يمنح رقصي الكوريين المقيمين في الخارج شعورًا بالوطن، وأن أعرّف غير الكوريين، خاصة في ظل الانتشار العالمي للكي-بوب، بأن الرقص التقليدي يمثل أحد الجذور الأساسية للثقافة الكورية. لكن الأمر لم يكن سهلًا دائمًا، فبسبب شهرة الكي-بوب، يعرف كثيرون الثقافة الكورية الحديثة، بينما لا يعرفون قيمة الرقص التقليدي وجماله. لذلك، أفكر دائمًا في كيفية تعريف المزيد من الناس بهذا الجمال مع الحفاظ على أصالته.
جي هيون باك تقدم عرضًا مع فرقة راو تاكو. (الصورة من جي هيون باك، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
تقدمين عروضًا باستمرار في المهرجانات متعددة الثقافات والفعاليات التراثية والتعليمية. ماذا تأملين أن يتعلم الجمهور عن كوريا؟
آمل أن يشعر الناس من خلال عروضي بجمال كوريا وعاطفتها وروحها. وأحاول أن أُظهر الهوية الكورية ليس فقط من خلال الأزياء والموسيقى، بل من خلال كل حركة أيضًا. فالرقص التقليدي الكوري يتميز بالوقفة المتزنة، وخطوات القدم الدقيقة، والحركات الهادئة، وإيماءات اليد والمعصم الرشيقة، والانحناءات الجميلة، والتنفس الذي يتدفق بصورة طبيعية في الجسد. وأتمنى أن يشعر الجمهور بجمال كوريا الهادئ، ذلك الجمال الذي قد لا يكون صاخبًا أو لافتًا، لكنه يترك أثرًا عميقًا ودائمًا في القلب. وبعد كل عرض، آمل أن يتذكر الناس كوريا بوصفها بلدًا يتمتع بثقافة راقية وعميقة وذات معنى.
كثير من الناس يعرفون الكي-بوب، لكن قلة منهم تعرف الفنون التقليدية الكورية. كيف يمكن لهذه الفنون أن تتواصل مع الشباب اليوم؟
أفكر في هذا الأمر كثيرًا، لكنه ليس سؤالًا سهل الإجابة عنه. لقد حاولت تقديم أعمال تمزج بين الكي-بوب والحركات التقليدية الكورية، لكنني اكتشفت أنه إذا لم يتم ذلك بحذر شديد، فقد تضيع الهوية الفريدة للرقص الكوري أو يُساء فهمها، بل قد يبدو أحيانًا أقرب إلى رقصات تنتمي إلى ثقافات أخرى. أؤمن بأن التقاليد يجب أن تستمر في التواصل مع الجيل الحالي، لكن عليها أيضًا أن تحافظ على هويتها. وإيجاد هذا التوازن هو أحد أكبر تحدياتي الفنية.
جي هيون باك تقدم ورشة عمل في إحدى الجامعات الكندية لتعليم العزف على طبلة الجانغ كو. (الصورة من جي هيون باك، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
بالنظر إلى مسيرتكِ، هل هناك مشروع أو عرض له مكانة خاصة في قلبكِ؟
من أكثر التجارب التي أعتز بها مشاركتي كفنانة ضيفة مع فرقة ريجينغ إيشن وومن درامرز خلال عامي 2024 و2025. قدمنا معًا عملًا جديدًا جمع بين قرع طبول التايكو اليابانية ورقصة سامغومو الكورية التقليدية ذات الطبول الثلاثة. وكان ذلك تبادلًا ثقافيًا حقيقيًا شاركنا فيه الإيقاعات والتنفس والتقاليد الفنية بين البلدين. وبالنسبة إليّ، بعد أن قضيت معظم مسيرتي في كوريا، كان التعاون مع فنانين من خلفيات ثقافية مختلفة في كندا، وتقديم الرقص والإيقاع التقليدي الكوري، تجربة ذات معنى كبير، ولا تزال من أكثر مشاريعي تميزًا.
جي هيون باك تقدم عرضًا في مونتريال بكندا. (الصورة من جي هيون باك، وتم الحصول على إذن الاستخدام)
أخيرًا، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى القراء حول العالم المهتمين باكتشاف جمال الثقافة الكورية التقليدية وروحها؟
الثقافة الكورية التقليدية إرث ثمين حافظ عليه الكوريون رغم التحديات التي مروا بها عبر التاريخ. وتحمل الفنون الكورية في داخلها قصصًا ومشاعر وفلسفات تعكس روح الشعب الكوري. وأؤمن بأن جمال الثقافة الكورية التقليدية ليس صاخبًا أو مبالغًا فيه، بل تكمن قوته في أناقته الهادئة والأثر الطويل الذي يتركه في القلب. وآمل أن يمنح الناس حول العالم أنفسهم الوقت لاكتشاف هذا العمق والجمال، وأن يفهموا من خلاله كوريا بصورة أعمق.
قد تتغير الأماكن وتتبدل الجماهير، لكن الرسالة التي تحملها جي هيون باك بقيت كما هي منذ طفولتها، وهي الحفاظ على الرقص التقليدي الكوري وإيصاله إلى العالم بروحه الأصيلة. ومن خلال رحلتها، تؤكد أن التراث لا يبقى حيًا بمجرد حفظه، بل يستمر من خلال ممارسته ومشاركته مع الآخرين. وبين كل عرض تقدمه وكل خطوة تخطوها على المسرح، تواصل نقل جزء من هوية كوريا وثقافتها، لتثبت أن الفن يمكن أن يكون لغة يفهمها الجميع، مهما اختلفت لغاتهم أو ثقافاتهم.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.