لوحات للفنانة كيم دا-أون تجمع بين نمر المينهوا التقليدي وعوامة وحيد القرن، عُرضت في معرض دايجو الفني في مايو 2025. (مصدر: الحساب الرسمي للفنانة كيم دا-أون على إنستغرام، بعد الحصول على إذن بالنشر)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية مريم صلاح
لطالما كان فن «المينهوا» الفلكلوري التقليدي في كوريا مرآة تعكس تفاصيل الحياة اليومية وتطلعات الناس البسيطة إلى التفاؤل والبهجة. واليوم، يعود هذا الإرث العريق ليتنفس بروح جديدة تمامًا من خلال «المينهوا المعاصر»، الذي يعيد صياغة الرموز التراثية لتخاطب جيل الشباب الحالي وسط ضغوط العصر الحديث. وفي هذا الحوار الحصري، الذي أُجري عبر منصة إنستغرام في الفترة من 16 إلى 18 مايو 2026، نلتقي بالفنانة التشكيلية الكورية كيم دا-أون، لنستكشف أسلوبها الفريد في استخدام الأصباغ الأصيلة على ورق الهانجي، ونتعرف إلى كيفية منح أعمالها الفنية القراء إلهامًا ومساحة عميقة للسكينة والتعافي وسط صخب العالم.
في البداية، هل يمكنك تقديم نفسك أكثر لقرائنا؟ وما الذي ألهمك لمتابعة فن المينهوا التقليدي تحديدًا كمسار فني لك؟
مرحبًا، أنا كيم دا-أون، فنانة كورية أعبر من خلال الرسم عن الراحة والسلام الداخلي في الحياة اليومية. وبالاستناد إلى تقنيات فن المينهوا التقليدية والمعاصرة في آن واحد، أبتكر «سلسلة الفاصلة»، التي تتناول الراحة التامة، و«السلسلة التناظرية»، التي تجسد أمنيات قلوبنا.
وعندما تعرفت إلى الرسم الكوري لأول مرة خلال سنوات دراستي الجامعية، لامس قلبي بعمق ذلك الإحساس الفريد والعميق والدافئ للأصباغ وهي تتشرب برفق داخل الورق الرقيق. وانجذابًا إلى هذا السحر، واصلت عملي وأصبحت مأخوذة بالمشاعر العميقة التي يحملها فن المينهوا التقليدي.
وفي فن المينهوا، يحمل كل عنصر مرسوم على اللوحة رمزيته وأمنيته الخاصة، مثل الثروة والصحة وطول العمر والوفرة. وتتمثل القوة الدافعة الأكبر وراء عملي، والسبب في اختياري لفن المينهوا، في رغبتي في أن يجد كل من يتأمل لوحاتي سلامًا نفسيًا، وأن تتحقق أمنياته الثمينة والنابعة من القلب.
لوحة «فاصلة 2503» للفنانة كيم دا-أون، عُرضت في معرضها الفردي في «بيكاميغ غاليري» بكوريا في مايو 2026. (مصدر: الحساب الرسمي للفنانة كيم دا-أون على إنستغرام، بعد الحصول على إذن بالنشر)
تاريخيًا، كان فن المينهوا شكلًا فنيًا يعكس حياة الناس اليومية. كفنانة شابة، كيف طورتِ هذا الفن ليتماشى مع شباب اليوم ويساعدهم في العثور على الراحة وسط ضغوط الحياة الحديثة؟
يعيش الشباب في المجتمع الحديث تحت ضغط مستمر لتوثيق حياتهم وإثبات أنفسهم والمضي قدمًا بلا توقف. وقد فكرت بعمق في نوع «الأمنية الطيبة» التي يحتاج إليها جيلنا اليوم أكثر من غيرها، تمامًا كما كان أجدادنا يعبرون عن تفاؤلهم برسم النمور أو زهور الفاوانيا في الماضي، وكانت الإجابة هي «الراحة التامة».
لذلك، مع الحفاظ على الغرض الأصلي لفن المينهوا، وهو نشر التفاؤل والأمنيات الطيبة، استبدلت العناصر المرسومة بأشياء حديثة. ومن خلال توفير مساحة بصرية تتيح للناس الابتعاد خطوة عن ضغوط حياتهم اليومية والتقاط أنفاسهم، كنت آمل أن يتمكن الشباب من إلقاء أعبائهم الثقيلة جانبًا والعثور على السكينة في اللحظة التي يتأملون فيها أعمالي. وأردت أن أظهر أن التقاليد ليست ماضيًا جامدًا، بل يمكن أن تكون وسيلة تمنحنا الراحة والمواساة في هذه اللحظة بالذات.
لقد اعتدنا على رؤية فن المينهوا التقليدي في شكل كلاسيكي محدد، لكنك توسعتِ في هذا الإرث لجعله معاصرًا. كيف بدأت عملية الدمج هذه؟ وهل كان من السهل استخدام فن قديم للتعبير عن مفهوم حديث؟
بدأت بمحاكاة الأشكال الكلاسيكية، لكن سرعان ما تولدت لدي رغبة في التعبير عن «قصتي الخاصة اليوم». وكنت أؤمن بأن الفن يحيا حقًا فقط عندما يعكس تفاصيل العصر الذي نعيشه حاليًا وعواطفه.
ولم تكن عملية دمج العناصر الحديثة بسلاسة مع الحفاظ على أناقة الفن القديم سهلة في البداية. فإذا تم الأمر دون عناية، فقد ينتهي العمل إلى أن يصبح لا تقليديًا ولا حديثًا، ويفقد هويته تمامًا. ولحل هذه المشكلة، التزمت بدقة بالتقنيات التقليدية الأصلية. وأدركت أنه مهما كانت العناصر حديثة، فإذا كانت الألوان الرقيقة والعميقة المستمدة من تقاليدنا تدعم العمل بقوة، فلن تهتز الهوية العامة للوحة.
وكان العثور على التوازن الذي يجسده مفهوم «أونغوجيشين»، أي التعلم من الماضي لابتكار المستقبل، الجزء الأكثر أهمية وتحديًا في بحثي.
لوحات للفنانة كيم دا-أون عُرضت في «سباسيوم غاليري» بكوريا في فبراير 2025. (مصدر: الحساب الرسمي للفنانة كيم دا-أون على إنستغرام، بعد الحصول على إذن بالنشر)
يتطلب الرسم على ورق الهانجي التقليدي تقنية خاصة جدًا. لماذا اخترتِ هذا الورق تحديدًا؟ وكيف تستخدمين هذه التقنية في لوحاتك؟
ورق الهانجي التقليدي، وتحديدًا ورق «السونجي»، وهو نوع من الورق التقليدي المصنوع من ألياف التوت، هو المادة التي تجسد بشكل مثالي «إحساس تشرب الأصباغ في الورق» الذي فتنني منذ أيام دراستي الجامعية. فبدلًا من إبقاء الألوان على السطح، يتميز ورق الهانجي بقدرته على امتصاصها إلى أعماقه.
وعلى ورق الهانجي الذي خضع لعملية «أجيو-بوسو»، وهي معالجة سطح الورق بالغراء الحيواني، أعمل باستخدام أنواع مختلفة من أصباغ الرسم الكورية، بما في ذلك «البونتشاي»، وهي صبغة مسحوقة، والألوان الأنبوبية، و«السيوكتشاي»، وهي صبغة حجرية، و«البونجتشار»، وهي قوالب من الألوان.
وإلى جانب وضع طبقات رقيقة من الألوان مرات متعددة، أولي أهمية كبيرة لاستخدام تقنية «الباريم» التقليدية لدمج الحدود بين الألوان برفق. وتمنح الظلال العميقة والرقيقة، التي تظهر عندما تتشرب طبقات متعددة من الأصباغ في نسيج ورق الهانجي، العمل عمقًا مختلفًا تمامًا عن الطبقات المعتمة التي نراها في الرسم الغربي. وتعكس عملية التشرب هذه بصورة جميلة «الراحة الحنونة» التي يهدف عملي إلى تقديمها.
وسط الزهور والرموز الكورية التقليدية، نرى دائمًا عناصر حديثة جدًا في لوحاتك، مثل عوامات وحيد القرن القابلة للنفخ أو أشرطة الكاسيت. لماذا اخترتِ هذه العناصر تحديدًا؟ وما الرسالة التي تريدين إيصالها من خلال هذا التباين البصري؟
ينقسم عملي بشكل عام إلى ركيزتين. فترمز عوامة وحيد القرن القابلة للنفخ في «سلسلة الفاصلة» إلى «الراحة التامة والتعافي الداخلي» اللذين نتوق إليهما في حياتنا اليومية. ومن ناحية أخرى، تمثل أشرطة الكاسيت أو الآلات الكاتبة في «السلسلة التناظرية» بالنسبة لي أدوات بطيئة لتسجيل الذكريات والمشاعر، وتعمل كوسيط يحفظ لحظات الراحة الثمينة والأمنيات الكامنة في أعماق قلوبنا.
ويمنح التباين البصري بين هذه الأشياء الحديثة، التي وُضعت بصورة طبيعية وسط مشاهد الزهور والطيور التقليدية أو المناظر الطبيعية، المشاهدين شعورًا غريبًا وممتعًا بالتحرر. ومن خلال هذا المزيج الذي يتجاوز الزمان والمكان، أردت أن أنقل رسالة مفادها أن بإمكاننا، حتى في خضم المجتمع الحديث الصاخب الذي نعيش فيه، أن نجد دائمًا «فاصلتنا» الخاصة، أي لحظة نتوقف فيها لالتقاط أنفاسنا، وأن نسجل أفكارنا وأمنياتنا الثمينة بهدوء، وببطء ولكن بثقة.
لوحة للفنانة كيم دا-أون عُرضت في معرض «بنك آرت فير» في مايو 2026. (مصدر: الحساب الرسمي للفنانة كيم دا-أون على إنستغرام، بعد الحصول على إذن بالنشر)
كان لمعرضك الأخير عنوان دافئ جدًا، وهو «حيث تتشرب الحنيّة». كيف تختارين عناوين معارضك؟ وهل تجعلين العنوان عمدًا دعوة مفتوحة إلى السلام الداخلي حتى قبل أن يرى الزائر اللوحات؟
نعم، هذا هو بالضبط ما قصدته. وأعتقد أن عنوان المعرض يمثل «الانطباع الأول والدعوة» اللذين يتلقاهما الزوار حتى قبل أن يخطوا عبر أبواب المعرض. لذلك، بدلًا من العبارات الكبيرة والعميقة، أختار بعناية كلمات تجعل القلب يشعر بالدفء واللين عند قراءتها بهدوء.
وكما يتضح في عنوان معرضي الأخير «حيث تتشرب الحنيّة»، فإنني أولي أهمية كبيرة للدفء الذي تحمله كل كلمة في ذاتها. وأردت أن أجعل العنوان بمثابة تمهيد نفسي يساعد الزوار على ترك ضوضاء الحياة اليومية وهمومها خلفهم بمجرد قراءته، حتى يتمكنوا من الانغماس في الأعمال الفنية وهم في حالة من الراحة والاسترخاء.
كوريا اليوم سريعة الإيقاع وحديثة للغاية، لكن فنك يتطلب ساعات طويلة من الهدوء والصبر. كيف توازنين بين صخب هذا العصر والهدوء المتعمد في الاستوديو الخاص بك؟
تتدفق الحياة اليومية التي أعيشها كل يوم بسرعة وسط صخب لا يصدق. ومع ذلك، في اللحظة التي أفتح فيها باب الاستوديو وأمسك بالفرشاة، يبدأ إيقاع العالم في التدفق بصورة مختلفة تمامًا.
وتتطلب عملية تجهيز ورق الهانجي بالغراء، وخلط الأصباغ، وانتظار جفافها، ثم تطبيق التدرج اللوني مرة أخرى، وقتًا طويلًا وصبرًا كبيرًا. فالاستعجال لا ينتج أبدًا لونًا جميلًا. وبالنسبة لي، يشبه هذا الصبر المتعمد والسكينة داخل الاستوديو طقسًا خاصًا يساعدني على التخلص من فوضى الحياة اليومية.
وكلما تحرك العالم الخارجي بوتيرة أسرع، أتعمد أن أبطئ إيقاعي داخل الاستوديو. والحفاظ على إيقاعي الخاص دون الانجراف وراء صخب العالم، ثم مشاركة تلك السكينة الراسخة مع الآخرين من جديد من خلال حياتي اليومية وأعمالي الفنية، هو طريقتي في الحفاظ على توازني.
وفي النهاية، تُبرز أعمال الفنانة كيم دا-أون أهمية الهدوء وسط ضغوط الحياة اليومية، وتؤكد قدرة الفن التقليدي على منح السكينة لكل من يتأمل لوحاتها.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.