الصورة توضح قاعة الزهور بمتحف آرتي في بوسان. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية خلود خالد أبو اليزيد
هل يمكن لمتحف أن يجعلك تشم رائحة الورود، وتشعر بنسيم البحر، وتخاف من شلال افتراضي وكأنه حقيقي؟ كان هذا السؤال يدور في ذهني بعد زيارتي لمتحف آرتي في بوسان، ذلك المكان الذي لم يكن مجرد معرض فني، بل رحلة متكاملة للحواس والمشاعر، جعلتني أشعر وكأنني انتقلت إلى عوالم مختلفة في غضون ساعات قليلة.
زرت المتحف يوم الخميس الموافق 2 يوليو 2026، ومنذ اللحظة الأولى أدركت أنني على وشك خوض تجربة استثنائية. فقبل الدخول مباشرة، يستقبلك أرنب فضي عملاق مقلوب يشكل أحد أبرز معالم المكان، وكأنه بوابة إلى عالم آخر لا يخضع للقوانين المعتادة، بل يعتمد على الخيال والإبداع والتكنولوجيا الحديثة.
الصورة توضح مدخل متحف آرتي في بوسان من الخارج. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الصورة توضح مدخل متحف آرتي في بوسان من الخارج. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
يعتمد المتحف بشكل أساسي على أجهزة العرض «البروجيكتور» والإضاءة الرقمية، ولذلك فإن معظم القاعات مظلمة. لكن هذا الظلام ليس أمرًا سلبيًا على الإطلاق، بل هو جزء أساسي من التجربة، لأنه يسمح للصور والألوان والمؤثرات الضوئية بأن تبدو أكثر واقعية وإبهارًا، حتى تشعر وكأنك داخل المشهد نفسه، ولست مجرد متفرج عليه.
أكثر ما أذهلني حقًا هو أن كل قاعة لا تعتمد على الصورة والصوت فقط، بل تمتد التجربة لتشمل الروائح وحركة الهواء أيضًا. ففي كل مرة كنا ننتقل فيها إلى مكان جديد، كانت حواسنا كلها تنتقل معه.
من أجمل القاعات التي زرتها قاعة حديقة الورود. فبمجرد دخولنا، انتشرت رائحة الورود في المكان بصورة طبيعية ومريحة للغاية، بينما كان النسيم الخفيف يلامس وجوهنا وكأننا نسير فعلًا داخل حديقة حقيقية مليئة بالأزهار. لم تكن مجرد صور متحركة على الجدران، بل تجربة متكاملة جعلتني أنسى أنني داخل مبنى مغلق.
الصورة توضح قاعة الزهور من الأعلى بمتحف آرتي في بوسان. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الصورة توضح جزءًا من قاعة الزهور والبيانو بمتحف آرتي في بوسان. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
وكانت الموسيقى الهادئة تصاحب المشهد وتضيف سحرًا خاصًا إلى المكان. شعرت براحة نفسية كبيرة، ولم أرغب في مغادرة القاعة أبدًا. كانت واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يتمنى الإنسان لو استطاع إيقاف الزمن والاستمتاع بها لفترة أطول.
أما قاعة الأعاصير والشلالات والأمواج، فكانت مختلفة تمامًا ومليئة بالإثارة. وأصبح الهواء أقوى وأكثر برودة، وصاحبته رائحة البحر والطبيعة الرطبة، مما جعلني أشعر وكأنني أقف بالفعل على شاطئ حقيقي أثناء عاصفة.
وكان أكثر مشهد أثار مشاعري الشلال العملاق والثقب الفضائي. فرغم أنني كنت أعلم أنه مجرد عرض رقمي، فإن واقعيته كانت مرعبة إلى حد كبير. وللحظات شعرت بالخوف الحقيقي، وكأن المياه ستندفع نحونا في أي لحظة، أو أن الثقب الفضائي سيبتلعني من داخل الدخان. وكان حجم الشلال، وحركة المياه، والأصوات المحيطة، والهواء البارد، والدخان، كلها عوامل جعلت التجربة تبدو حقيقية بشكل لا يصدق.
الصورة توضح الشلال العملاق في متحف آرتي في بوسان. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الصورة توضح الثقب الفضائي العملاق في متحف آرتي في بوسان. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
ومن أكثر المناطق التي استمتعت بها أيضًا المنطقة الخاصة بفرقة بي تي إس. وحتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يتابعون الفرقة بشكل كبير، كانت جودة الصوت والمؤثرات المستخدمة هناك مبهرة للغاية. شعرت وكأن الأصوات حقيقية تمامًا، وأنني موجودة داخل العرض نفسه. وكانت التكنولوجيا المستخدمة لنقل الموسيقى والتفاصيل الصوتية مذهلة، وجعلت التجربة أكثر حيوية وتفاعلًا.
وظهرت على الشاشات العملاقة صور أعضاء فرقة بي تي إس بحجم هائل يحيط بالزوار من جميع الاتجاهات، مما جعلني أشعر وكأنهم أمامي بالفعل. ولم يقتصر الأمر على الصور فقط، بل عُرضت عروضهم الراقصة بالحجم الطبيعي تقريبًا على الجدران، مع مؤثرات بصرية وصوتية جعلت المشهد يبدو أقرب إلى عرض مباشر منه إلى معرض رقمي.
ومن أكثر اللحظات التي أبهرتني ظهور الحوت الشهير المرتبط بعالم بي تي إس، وهو يسبح بهدوء عبر الشاشات العملاقة وكأنه يتحرك داخل بحر حقيقي. كما ظهر شعار ألبوم «آريرانغ» في قاعة أخرى، وبدت بداخله أمواج متحركة ترتفع وتنخفض مع صوت الأمواج الواقعي، مما جعلني أشعر وكأنني أقف أمام محيط محبوس داخل شعار ألبوم «آريرانغ».
ولم ينتهِ طابع بي تي إس عند قاعات العرض، بل امتد أيضًا إلى المقهى الموجود داخل المتحف، حيث كانت أغاني الفرقة تُعزف في الخلفية طوال الوقت، مع ديكورات مستوحاة من ألبوم «آريرانغ» تظهر على شاشة عرض عملاقة.
الصورة توضح التماثيل العملاقة للأرانب. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الصورة توضح التماثيل العملاقة للأرانب. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الصورة توضح إطار الصور للقمر الأحمر العملاق الذي يمثل ألبوم «آريرانغ» لفرقة بي تي إس. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الصورة توضح شعار ألبوم «آريرانغ» لفرقة بي تي إس. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
ومن التجارب الجميلة التي أضافت لمسة شخصية إلى الزيارة منطقة الرسم التفاعلية. ففي هذه القاعة، يمكن للزوار رسم أشكال مختلفة وتلوينها بأنفسهم، ثم تظهر الرسومات بعد الانتهاء منها مباشرة على الشاشات العملاقة، لتصبح جزءًا من العالم الرقمي المحيط. وكان شعورًا رائعًا وممتعًا أن أرى رسمًا بسيطًا يتحول فجأة إلى عنصر حي يتحرك أمامي وسط بقية الرسومات. وجعلت هذه الفكرة الزوار ليسوا مجرد متفرجين، بل جزءًا من العمل الفني نفسه، وهو ما أضفى الكثير من المرح والإبداع على التجربة.
الصورة توضح منطقة الرسم التفاعلية في متحف آرتي في بوسان. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
ما أعجبني في متحف آرتي بوسان هو أنه لا يكتفي بعرض الفن بالشكل التقليدي، بل يجعلك تعيشه بكل حواسك. فتمتزج الصورة بالصوت، والصوت بالرائحة، وتصاحب الرائحة حركة الهواء، لتتشكل تجربة متكاملة يصعب وصفها بالكلمات وحدها.
خرجت من المتحف وأنا ما زلت أشعر بالانبهار. وأدهشني مدى الواقعية التي استطاع الفن الرقمي الوصول إليها، وقدرة التكنولوجيا على نقل الإنسان إلى أماكن ومشاعر مختلفة خلال فترة قصيرة. وكانت زيارة جعلتني أبتسم كثيرًا، وأتوقف أحيانًا للتأمل، وأشعر بالخوف أحيانًا أخرى، لكنها في النهاية كانت واحدة من أجمل التجارب الفنية التي عشتها في بوسان، وتجربة أنصح أي زائر للمدينة بألا يفوتها.
معلومات للزوار:
يقع متحف آرتي في منطقة يونغدو بمدينة بوسان، ويمكن الوصول إليه بسهولة باستخدام وسائل النقل العام. فإذا كنت قادمًا من سيئول، يمكنك ركوب قطار كي تي إكس من محطة سيئول إلى محطة بوسان، وتستغرق الرحلة حوالي ساعتين ونصف. ومن محطة بوسان، يمكن استخدام الخط الأول لمترو بوسان (الخط البرتقالي) والتوجه إلى محطة نامبو، ثم الخروج من المخرج رقم 6 واستقلال الحافلة رقم 17، التي تتوقف بالقرب من متحف آرتي. ومن هناك، لا يستغرق الوصول إلى المتحف سوى بضع دقائق سيرًا على الأقدام.
ويُنصح بزيارة المتحف في أيام الأسبوع أو خلال ساعات الصباح لتجنب الازدحام والاستمتاع بالتجربة بشكل كامل، خاصة أن الزوار يحتاجون إلى وقت كافٍ للتجول بين القاعات المختلفة والاستمتاع بالمؤثرات البصرية والصوتية، والروائح، والتجارب التفاعلية التي يقدمها المتحف.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.