طلاب دورة اللغة الكورية يحتفلون بالحصول على شهادات اجتياز المستوى الثاني في مكتب الجالية الكورية في مصر، بحضور البروفيسور ها سونغ-بيك، ومستر بارك، مدير مكتب الجالية الكورية في مصر، في صورة توثق روح التشجيع التي ميزت هذه التجربة التعليمية. (تصوير: رحاب أحمد)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية رحاب أحمد
في عام 2024 بدأت رحلتي في تعلم اللغة الكورية مرة أخرى بعد عام كامل من التوقف. لم يكن قرار العودة إلى التعلم سهلًا، فقد كنت أبحث عن مكان يعيد إليّ الحماس، ويكون مناسبًا لمواعيد عملي، وقريبًا من منزلي في الوقت نفسه. واستمرت رحلة البحث قرابة شهر، حتى حالفني الحظ، ووجدت أخيرًا إعلانًا عن دورة لتعليم اللغة الكورية ينظمها مكتب الجالية الكورية في مصر، التابع لسفارة جمهورية كوريا في مصر، ويقع مقره في المعادي.
اخترت أن أكتب عن هذه التجربة لأنها لم تكن مجرد رحلة لتعلم لغة جديدة، بل كانت رحلة أعادت إليّ الحماس بعد فترة من التوقف، وعرّفتني على أشخاص أصبحوا جزءًا جميلًا من حياتي. وأتمنى من خلال هذا المقال أن يعرف كل من يحب اللغة الكورية في مصر أن هناك مكانًا لا يقتصر دوره على تقديم الدروس، بل يخلق بيئة مليئة بالدعم، والتشجيع، والانتماء، ويجعل التعلم تجربة إنسانية قبل أن يكون تجربة أكاديمية.
تواصلت مع الأستاذة منة، المسؤولة عن الدورة، وسألتها عن المواعيد وموعد بدء الفصل الدراسي. ومنذ أول حديث معها شعرت بالترحيب والاهتمام، ثم علمت أن من سيقوم بالتدريس هو البروفيسور الكوري ها- سونغ بيك، فزاد ذلك من حماسي كثيرًا، وشعرت أنني وجدت أخيرًا المكان الذي سأستعيد فيه شغفي باللغة الكورية، وأواصل رحلتي في تعلمها.
وبعد أسبوع بدأ أول فصل دراسي مع البروفيسور. ولا أنسى أبدًا ذلك اليوم؛ فقد استقبلنا بابتسامة دافئة، وقدم لنا هدايا بسيطة، ثم فاجأنا بكمية كبيرة من الطعام الكوري اللذيذ الذي أعده بنفسه في المنزل. جلسنا جميعًا نتناول الطعام قبل بدء الدرس، وكانت تلك اللفتة الإنسانية من أجمل ما حدث في أول لقاء. وشعرت حينها بوجود تشابه جميل بين العادات المصرية والكورية، فكلتا الثقافتين تعبران عن المحبة والاهتمام من خلال مشاركة الطعام وإكرام الضيوف، وهو ما جعلني أشعر بالألفة والانتماء منذ اللحظة الأولى.
مرت الأسابيع سريعًا، وكنا نلتقي مرتين كل أسبوع. ولم تكن الدروس مجرد شرح للقواعد أو حفظ للمفردات، بل كانت مليئة بالأحاديث الشيقة عن الثقافة الكورية، والعادات اليومية، والحياة في كوريا، إلى جانب تعلم اللغة بطريقة ممتعة وتفاعلية. وكنت أخرج من كل درس وأنا أشعر بأنني تعلمت شيئًا جديدًا، ليس في اللغة فقط، بل في الثقافة أيضًا، وهو ما جعلني أنتظر موعد كل محاضرة بشغف كبير.
وفي نهاية الشهر الثاني نظمت الجالية الكورية حفل تخرج جميلًا للطلاب. وكان يومًا مليئًا بالفرح والذكريات؛ فقد حصلنا على شهادات اجتياز المستوى، وتلقينا العديد من الهدايا، واستمتعنا بالطعام الكوري اللذيذ الذي أصبح جزءًا من كل مناسبة تجمعنا. ومن أجمل المفاجآت أن البروفيسور طلب منا أن نتعلم أغنية كورية لنؤديها معًا خلال الحفل. وكانت تجربة مليئة بالمرح والتعاون، جعلتنا نشعر بأننا أسرة واحدة أكثر من كوننا مجرد طلاب في فصل دراسي.
طلاب دورة اللغة الكورية يحتفلون بحصولهم على شهادة اجتياز المستوى الثاني في مكتب الجالية الكورية في مصر. (تصوير: رحاب أحمد)
وفي ذلك اليوم أيضًا، تشرفت بلقاء مستر بارك، مدير مكتب الجالية الكورية في مصر. وكان من الرائع أن أتبادل الحديث معه عن الثقافة الكورية والعمل، وشعرت بمدى اهتمامه وتشجيعه لكل من يرغب في تعلم اللغة الكورية والتعرف إلى الثقافة الكورية بصورة أعمق.
صورة تجمع أبرز محطات رحلتي في تعلم اللغة الكورية؛ لحظة استلام شهادة اجتياز المستوى الثاني من البروفيسور، وأحد الأطباق الكورية التي تعرفت إليها خلال الأنشطة الثقافية، وهدية تذكارية تلقيتها من مكتب الجالية الكورية في مصر، في تجسيد للتجربة التعليمية والثقافية التي عشتها خلال هذه الرحلة. (تصوير: رحاب أحمد)
وخلال العامين الماضيين، لم يقتصر دور مكتب الجالية الكورية على تقديم دروس اللغة فحسب، بل أتاح لنا أيضًا فرصة المشاركة في العديد من الفعاليات الثقافية المميزة. ومن أكثر المناسبات التي بقيت عالقة في ذاكرتي احتفال عيد الشكر الكوري، الذي أُقيم بحضور سفير جمهورية كوريا لدى مصر. وكان ذلك اليوم من أجمل الأيام التي عشتها، خاصة أنني كنت قد عدت من جمهورية كوريا في مايو 2025، وكنت أفتقد كثيرًا الأجواء الكورية، وسماع اللغة الكورية، والاختلاط المباشر بالكوريين.
ومن خلال هذه الفعاليات تعرفت إلى الكثير من الأصدقاء الذين يشاركونني الشغف نفسه، وأصبحت أكثر حماسًا لتطوير مستواي في اللغة حتى أستطيع التواصل معهم بسهولة وثقة أكبر.
وفي تلك اللحظات أدركت أن تعلم اللغة لا يعتمد على الكتب والقواعد وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى بيئة تمنحك الثقة، وتشجعك على المحاولة دون خوف من ارتكاب الأخطاء. فعندما تشعر بالانتماء، تصبح كل كلمة جديدة تتعلمها خطوة أقرب إلى تحقيق حلمك، ويصبح التعلم تجربة ممتعة بدلًا من أن يكون واجبًا أو عبئًا.
واليوم، وبعد مرور عامين على بداية هذه الرحلة الجميلة، أشعر أنني لم أتعلم اللغة الكورية من الناحية الأكاديمية فحسب، بل عشت أيضًا تجربة إنسانية لن أنساها أبدًا. فعندما أكون مع البروفيسور، والأستاذة منة، ومي، ومستر بارك، أشعر وكأنني وسط عائلتي الثانية. وهناك أشعر بالراحة والهدوء، وأجد دائمًا من يشجعني على التعلم دون ضغط أو خوف من ارتكاب الأخطاء، وهو شعور يصعب أن أجده في كثير من أماكن التعلم.
ولم أعد أشعر أنني أتلقى دروسًا في اللغة الكورية فحسب، بل أصبحت أعيش تجربة عائلية حقيقية، يختلط فيها التعلم بالمحبة، والدعم، والاهتمام، حتى أصبح الذهاب إلى الدرس من أكثر اللحظات التي أنتظرها كل أسبوع. وكنت أشعر دائمًا بأنني مدعوة إلى كل احتفال، وأن نجاحي مصدر سعادة لكل من حولي. وكان يسعدني كثيرًا أن أرى فخر البروفيسور بي كلما سافرت إلى جمهورية كوريا، أو تحدثت معه باللغة الكورية بطلاقة أكبر من السابق، أو أخبرته عن عملي في «كوترا»، فقد كان دائمًا يشجعني ويحفزني على الاستمرار، ويؤمن بقدرتي على التطور.
ومع مرور الوقت أدركت أن اللغة ليست مجرد كلمات وقواعد نحفظها، بل هي جسر يصل بين القلوب، ووسيلة لفهم الناس وثقافاتهم ومشاعرهم. وقد تعلمت أن أجمل ما في رحلة التعلم ليس الوصول إلى مستوى أعلى فحسب، بل الأشخاص الذين يرافقوننا في الطريق، ويجعلون كل خطوة أسهل، وأجمل، وأكثر دفئًا.
واليوم، عندما أنظر إلى بداية هذه الرحلة، أشعر بالفخر لأنني لم أستسلم بعد فترة التوقف، بل منحت نفسي فرصة جديدة قادتني إلى واحدة من أجمل التجارب في حياتي. ولم أتعلم اللغة الكورية فحسب، بل تعلمت أيضًا معنى الدعم، والانتماء، وأهمية وجود أشخاص يؤمنون بي ويشجعونني على الاستمرار.
وفي النهاية، أتقدم بخالص الشكر والامتنان إلى البروفيسور ها سونغ-بيك، وإلى مستر بارك، والأستاذة منة، ومي، وجميع أصدقائي في مكتب الجالية الكورية في مصر، لأنهم منحوني شعور العائلة قبل أن يمنحوني المعرفة. فقد أثبتوا لي أن التعلم الحقيقي لا يقتصر على القواعد والكلمات، بل تصنعه أيضًا المشاعر الصادقة، والاهتمام، والتشجيع، واللحظات الجميلة التي تبقى في الذاكرة طويلًا.
وستظل هذه الرحلة واحدة من أجمل المحطات في حياتي، ليس لأنها علمتني لغة جديدة فحسب، بل لأنها منحتني بيتًا ثانيًا، وأصدقاء أصبحوا كالعائلة، وثقة أكبر في نفسي، وإيمانًا بأن الشغف الحقيقي يجد طريقه دائمًا عندما نلتقي بالأشخاص المناسبين. وأتمنى أن أواصل هذه الرحلة لسنوات طويلة، وأن أنقل يومًا ما هذا الشعور الجميل إلى كل من يبدأ رحلته مع اللغة الكورية، ليكتشف هو أيضًا أن التعلم قد يبدأ بكتاب، لكنه يكتمل بالإنسان.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.