مراسل فخري

2026.07.30

اعرض هذه المقالة بلغة أخرى
  • 한국어
  • English
  • 日本語
  • 中文
  • العربية
  • Español
  • Français
  • Deutsch
  • Pусский
  • Tiếng Việt
  • Indonesian
المراسل الفخري لكوريا نت أشرف عزت ممسكاً بالرواية الكورية أمام المكتبة. (صورة من أشرف عزت)

المراسل الفخري لكوريا نت أشرف عزت ممسكاً بالرواية الكورية أمام المكتبة. (تصوير: أشرف عزت)



بقلم مراسل كوريا نت الفخري المصري أشرف عزت

يتميز الأدب الكوري بقدرته العجيبة على التغلغل داخل النفس البشرية دون استئذان؛ فهو ينسج خيوطه من بساطة الحياة اليومية، ليصيغ في النهاية فلسفة عميقة لا تُمحى من الذاكرة، ملامساً شغاف القلوب ومحركاً للأسئلة الوجودية الكبرى التي تشغل الإنسان في كل زمان ومكان. في رحلة بحثي المستمرة عن نافذة تطل بي على روح الثقافة الكورية وجمالها الأخاذ، قادتني خطواتي لأكثر من مرة لزيارة المركز الثقافي الكوري بالقاهرة، ذلك الصرح الذي يمثل جسراً حضارياً حقيقياً يربط بين ضفاف النيل العريق وشبه الجزيرة الكورية الساحرة.

في كل زيارة كنت أُبهر بأجواء المكان الدافئة والمنظمة التي تنبض بالحياة والنشاط المتجدد. وما زلت أذكر بامتنان كبير كيف ساعدتني موظفة الاستقبال بكل ترحاب وأدب جم، وشرحت لي خطوة بخطوة كيف أسجل بياناتي ليُسمح لي بالدخول والتوجه إلى مكتبة المركز الثقافي الكوري للقراءة بحرية وشغف. والأجمل من ذلك، أنني خلال تجولي في أروقة هذا الصرح المتميز، أسعدني جداً اطلاعي على تفاصيل الأنشطة المتنوعة التي يقدمها، وتحديداً الدورات المخصصة لتعلم فنون الطهي الكوري التقليدي (الهانشيك)، مما زاد من انبهاري بمدى تكامل وشمولية هذه التجربة الثقافية التي لا تخاطب العقل وحده، بل تمتد لتشمل الحواس كلها وتعرفنا على أسلوب الحياة الكورية الأصيلة.

ولكن السحر والدهشة اكتملت عندما وقفت في مكتبة المركز الثقافي الكوري بين الأرفف العامرة بعبق الأدب والتاريخ، ووقع بصري هناك على النسخة الورقية لرواية «الدجاجة التي حلمت بالطيران». حملت الكتاب بين يدي، وشعرت بطاقة غريبة تنبعث من غلافه البسيط والمعبر. وما إن وطأت قدماي عتبة منزلي حتى فتحت صفحاته الأولى، لأجد نفسي مسحوباً بالكامل إلى عالم موازٍ مليء بالمشاعر المكثفة والرموز العميقة. لم أنتظر، ولم يغمض لي جفن، بل ظللت مستيقظاً طوال الليل، ألتهم السطور بتركيز وتأمل بالغين، أتنفس الحبر وأعيش مع كل تفصيلة من تفاصيل القصة، حتى أشرقت شمس الفجر الصافية وأنا أطوي الصفحة الأخيرة بنوع من الوجل والرهبة.

لقد كانت تجربة قراءة هذه النسخة الورقية أشبه بمنحي أجنحة خفية لأحلق بعيداً خارج حدود المألوف واليومي، لتغادر هذه الرواية روحي مزروعةً بمعاني الشجاعة، والأمل، والتمرد النبيل من أجل الحياة والتحقق. إنها تحفة أدبية صغيرة الحجم في عدد صفحاتها، لكنها عظيمة المبنى والمعنى، تضاهي في عمقها روائع الأدب العالمي الرمزي. ومن واقع هذه التجربة، فإني أنصح كل محب للأدب والثقافة الكورية، وكل باحث عن المعنى الحقيقي للوجود والحرية، بأن يزور المركز الثقافي الكوري، ويقتني نسخته الورقية من تلك المكتبة الثرية، ليخوض هذه التجربة الاستثنائية فوراً، وهي التجربة التي ستترك حتماً بصمة لا تُمحى في وعيه وتجعله ينظر إلى أجنحة أحلامه بعين جديدة لا تعرف المستحيل ولا تقبل القيود.

صناع الإبداع
قبل أن نخوض في غمار هذه الرواية الرائعة ونفكك شفراتها الفلسفية، لابد لنا أن ننحني احتراماً وتقديراً للعقلية الفذة التي صاغت هذا الجمال؛ الكاتبة الكورية اللامعة «هوانغ صن-مي»، المولودة عام 1963، والتي تُعد اليوم إحدى أهم ركائز الأدب الكوري المعاصر وأبرز أصواته. استطاعت هوانغ بعبقريتها الأدبية الفريدة أن تكسر حواجز القارات واللغات، لتبيع من هذه الرواية ملايين النسخ حول العالم، محولةً حكاية رمزية بسيطة تبدو للوهلة الأولى وكأنها موجهة للأطفال، إلى أيقونة إنسانية عالمية عابرة للحدود والطبقات والفئات العمرية، تخاطب الفيلسوف والأديب والإنسان العادي على حد سواء.

ولا يقل دور المترجم القدير «سعيد الحسنية» إبهاراً عن النص الأصلي؛ فقد نجح ببراعة فائقة وأمانة أدبية نادرة في نقل روح الأدب الكوري وعبقه الخاص إلى لغتنا العربية بسلاسة دافئة وشاعرية تقطر عذوبة، وتخاطب الروح مباشرة دون تكلف أو تعقيد لغوي. لقد حافظ المترجم على الخصوصية الثقافية الكورية مع تقريبها للوجدان العربي بذكاء شديد. كما يُسجل للدار العريقة «الدار العربية للعلوم ناشرون» فضل إصدار هذه النسخة الورقية الأنيقة، وإتاحتها للقارئ العربي في أبهى حلة، لتكون بمثابة جسر حقيقي متين يمتد بين الثقافتين العربية والكورية، ويسهم في تعزيز حوار الحضارات.

ورقة الشجر
تدور أحداث هذه التحفة التي تنتمي لأدب الفلسفة والفانتازيا والرمزية حول دجاجة أطلقت على نفسها اسماً ملهماً وهو «ورقة الشجر». تقضي هذه الدجاجة أيامها حبيسة قفص حديدي ضيق ومظلم داخل مزرعة ضخمة مخصصة لإنتاج البيض بشكل روتيني وآلي قاتل، حيث تُسلب من الدجاجات هناك أخص خصوصياتهن الحيوية. ورغم قسوة واقعها ومحدودية أفقها البصري، إلا أن قلبها كان ينبض بحلم عظيم ومتمرد هز أركان وجودها: أن ترى العالم الواسع بعينيها خارج القضبان، وأن ترقد على بيضة تخصها وتفقسها لتصبح أمّاً تمارس أمومتها بحرية ودون مصادرة.

تنجح «ورقة الشجر» أخيراً، بفضل إرادتها الصلبة واستغلالها لفرصة مواتية، في الهرب نحو الغابة الموحشة المحيطة بالمزرعة، لتبدأ رحلة بقاء كبرى محفوفة بالمخاطر القاسية والمفاجآت غير المتوقعة. هناك في البرية، تواجه قسوة الطبيعة وتقلبات الطقس، لكن التحدي الأكبر كان مواجهة نظرات الريبة والرفض، بل والعداء الصريح من كائنات الغابة الأخرى التي كانت ترى فيها مجرد «دجاجة» مختلفة وغريبة عن بيئتهم الطبيعية ولا مكان لها بين الحيوانات البرية. القصة هنا ليست مجرد حكاية خيالية أو أسطورة من أساطير الحيوان، بل هي إسقاط فلسفي بليغ وشديد الذكاء يجسد إرادة الإنسان في كسر أقفاصه المجتمعية والنفسية، وتحدي الأعراف الجاهزة والقوانين الصارمة التي يفرضها «القطيع»، والسعي الدؤوب نحو الحرية الفردية وتحقيق الذات مهما كان الثمن باهظاً ومكلفاً.

الحرية والوجود
إن المتأمل في البناء السردي والدرامي للرواية يدرك سريعاً أن الكاتبة قد وظفت عالم المزرعة وعالم الغابة كمرآتين عاكستين للمجتمع البشري بأسره بتناقضاته وصراعاته. إن «ورقة الشجر» لا تمثل مجرد دجاجة قررت التمرد على قدرها البيولوجي في إنتاج البيض التجاري، بل هي رمز حي لكل مبدع، ولكل مفكر، ولكل إنسان يسعى إلى تحطيم أطره الجاهزة، وكسر القوالب النمطية التي يفرضها عليه محيطه الاجتماعي أو الثقافي. في القفص، كانت البطلة تملك الأمان الوهمي، والطعام المضمون، والحماية من المفترسين، لكنها أدركت بفطرتها السليمة أن الحياة لا تُقاس بملء البطن أو بالسلامة السلبية، بل باتساع المدارك والقدرة على الاختيار والتحكم في المصير. هذا التمرد النبيل يلامس بداخلنا أسئلة وجودية عميقة حول كنه الحرية، وكيف ندفع ثمن هذه الحرية من راحتنا واستقرارنا الزائف لننال في المقابل كرامتنا الإنسانية.

وما يزيد من بهاء وجاذبية هذا العمل الأدبي هو ذلك التوازن الدقيق والصارم الذي أقامته الكاتبة بين قسوة الواقع وعذوبة الحلم. فعندما تخرج البطلة إلى الغابة، لا تجد الفردوس المفقود فوراً، بل تصطدم بواقع مغاير تماماً ومليء بالتحديات؛ عالم متوحش يخضع لقانون الغاب ولا يرحم الضعفاء، ومجتمع من الحيوانات والطيور المستقرة ينظر إليها بعين التوجس والاقصاء. إنها دجاجة، كائن ضعيف لا يملك مخالب حادة ولا أنياباً قاطعة، ولا ينتمي في نظرهم إلى عالم الطيور الحرة الجارحة ولا إلى عالم الدواجن المستأنسة الخانعة.

هذا الصراع المرير مع الآخر يطرح تساؤلات بالغة الأهمية في علم الاجتماع الفلسفي حول مفهوم تقبل الاختلاف، وكيف يمكن للفرد أن يثبت وجوده وهويته المستقلة في بيئة ترفض الاعتراف بفرادته وتطالبه بالذوبان في المجموع أو الفناء. لقد نجحت الكاتبة ببراعة فائقة في تصوير هذا النفور المجتمعي والطبقي، مما يجعل القارئ يتعاطف تلقائياً وعميقاً مع هذه البطلة التي تدفع ضريبة شجاعتها الفكرية والعملية في كل خطوة تخطوها على أرض الغابة الزلقة.

غلاف رواية الدجاجة التي حلمت بالطيران الكورية. (صورة من أشرف عزت)

غلاف رواية الدجاجة التي حلمت بالطيران الكورية. (تصوير: أشرف عزت)


فلسفة التضحية
العبقرية في هذا العمل تكمن في قدرة الكاتبة الفائقة على إعطاء مشاعر وأحاسيس بشرية معقدة للكائنات دون أن تسلبها فطرتها البرية وطبيعتها الحيوانية الأصيلة، فالدجاجة تظل دجاجة في سلوكها وحركتها لكن وعيها يرتقي ليصبح رمزاً كونياً. لقد أبهرتني وجذبتني بشدة تلك الفصول المتقدمة من الرواية والتي تفيض بمشاعر الأمومة والتضحية المطلقة التي قدمتها البطلة من أجل صغيرها. ولم يكن الصغير دجاجاً من جنسها، بل كان فرخ بطة يتيم (ابن السنونو العاصف وبطته) تبنته وحمته وربته رغم الاختلاف الجذري والبيولوجي بينهما.

هذا الصراع الداخلي العميق الذي عاشته «ورقة الشجر» بين غريزتها الفطرية وبين واجبها الأخلاقي والإنساني كأم حامية ومربية لصغير يختلف عنها في كل شيء (فهو يسبح في الماء وهي تخاف منه، وهو يطير وهي عاجزة) صُوِّر ببراعة مذهلة وعاطفة جياشة تلامس شغاف القلوب وتكاد تدمع لها الأعين إعجاباً وإجلالاً. إنها أمومة قائمة على الاختيار والالتزام لا على مجرد البيولوجيا والدم، وهو درس فلسفي بليغ في المحبة غير المشروطة والتكافل الإنساني.

أجنحة الأحلام
تُعلمنا رواية «الدجاجة التي حلمت بالطيران» أن الحلم الحقيقي لا يشيخ بتقدم العمر، ولا تقتله الظروف السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية القاسية، بل يتغذى عليها ليصبح أكثر صلابة. إنها تضعنا كقراء أمام مرآة كاشفة لنرى كيف تصنع التضحية معجزات في هذا الكون، وكيف تخلق الروابط الروحية والفكرية صلات أقوى وأبقى من روابط الدم والقرابة العصبية.

في هذا السياق الإنساني الرحب، تبرز فلسفة تقبل الآخر والتكامل والانسجام مع الطبيعة وقوانينها الدورية. فرغم السخرية اللاذعة والرفض القاطع الذي واجهته «ورقة الشجر» من الطيور الأخرى المستقرة في بركة الغابة، إلا أنها وجدت حلفاء وأصدقاء حقيقيين أدركوا جوهرها النبيل ونقاء سريرتها، مثل طائر السنونو الوفي الذي يمثل في الرواية رمزية الحرية والانطلاق اللانهائي والمدافع الأول عن المستضعفين.

إن هذه الرواية الكورية الرائعة تعلمنا في نهاية المطاف أن السعي نحو النور والحرية له ثمن باهظ ومكلف قد يصل إلى بذل الروح ذاتها، لكنه الثمن الوحيد الذي يمنح الحياة قيمتها الحقيقية ومعناها الأسمى الذي لا يمكن أبداً إدراكه أو تذوقه داخل الأقفاص الحديدية المظلمة والمريحة. إنها دعوة صريحة ومباشرة من الأدب الكوري لكل واحد منا للتأمل في أجنحة أحلامه المعلقة والمتربة بفعل الخوف والروتين، وتطرح علينا السؤال الحاسم: هل نملك الشجاعة الكافية لنفض غبار الخوف والتردد عن تلك الأجنحة والتحليق بجسارة في فضاءات الحقيقة والوجود والحرية؟ الإجابة نجدها تلمع بين سطور هذه الرواية الاستثنائية التي فتحت عيني عليها مكتبة المركز الثقافي الكوري.

مؤلفة الكتاب. (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي من أشرف عزت)

مؤلفة الكتاب. (مصدر: صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي من أشرف عزت)



dusrud21@korea.kr

هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.