تظهر على اليمين صورة لإحدى الجداريات للفنان كيم كوانغ-سوك في الشارع الذي يحمل اسمه بمدينة دايغو، وعلى اليسار صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي «جيمناي» لي في الشارع أمام جيتار الفنان كيم كوانغ-سوك. (مصدر: الموقع الرسمي لهيئة السياحة الكورية «فيزيت كوريا»، وإيمان الأشقر)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية إيمان الأشقر
تُعرف المدن عادةً بما تمتلكه من معالم شهيرة أو مناظر طبيعية، إلا أن هناك مدنًا تكتسب تميزها من هويتها الثقافية قبل أي شيء آخر. وتمثل دايغو إحدى هذه المدن؛ فهي لا تعرض الفنون في متاحفها فقط، بل تجعلها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من الأزقة التاريخية، مرورًا بالشوارع الفنية، وصولًا إلى الأسواق والمعابد التي تختلف عن نظيراتها في أي مكان. وقد بدأ اهتمامي بهذه المدينة بعد اكتشاف تميز جامعاتها وتخصصاتها ومناهجها، وتعمقت معرفتي بالمدينة نفسها بعد إنهائي لدورتين عبر منصة كي موك تابعتين لجامعة دايغو حول الثقافة المحلية وعلاقة المكان بفن الحكي. ثم واصلت استكشافها من خلال الجولة الافتراضية على الموقع الرسمي لسياحة دايغو، التي أتاحت لي التجول بين أبرز معالمها الثقافية والتاريخية بصورة تفاعلية، والانتقال بينها كما لو كنت أسير في شوارعها بالفعل. وفي هذا المقال، سآخذكم في جولة عبر المدينة لاستكشاف هويتها من خلال تجربتي.
تظهر على اليمين صورة شهادة إتمامي لدورة فن الحكي عبر الدراما، وعلى اليسار صورة شهادة إتمامي لدورة الثقافة المحلية. (تصوير: إيمان الأشقر، وتعود حقوق الدورات لجامعة دايغو ومنصة كي موك)
صورة لبوستر جولة دايغو الافتراضية. (مصدر: الموقع الرسمي لمنظمة سياحة دايغو)
في البداية، حاولت اكتشاف لماذا تُدعى دايغو بمدينة الفن، وما الذي يجعلها مختلفة عن باقي مدن كوريا. ولم تقتصر الإجابة على سبب واحد؛ فكل ركن في دايغو يحمل قصة ويمثل في ذاته لوحة فنية. فبين الجداريات التي تُزيِّن جدران أحيائها القديمة، والمنحوتات التي تتوزَّع على تقاطعات شوارعها، والتجهيزات الفنية التي تُحيي الأماكن التي كادت تُهجَر، لا تضع دايغو الفنون في زجاجة وتحفظها بعيدًا عن متناول الناس؛ بل تختلط باليومي والعادي، حتى يصير الذهاب إلى السوق أو السير في شارعٍ قديم تجربةً جمالية بكل معنى الكلمة.
ولفهم هذه الهوية فهمًا حقيقيًا، لا بد من زيارة الأماكن التي صنعتها وحافظت عليها. مثال بسيط ومعاصر على ذلك هو علاقة المدينة بالموسيقى، فشارع كيم كوانغ-سوك كان من أكثر الأماكن التي أثارت اهتمامي، فهو من أبرز وجهات دايغو السياحية. ولم تكتفِ المدينة بتخليد ذكرى أحد أشهر الفنانين الكوريين عبر وضع تمثال له أو تسمية الشارع باسمه، بل حولت المكان الذي يحمل اسمه إلى مساحة فنية مفتوحة، تضم الجداريات، والمنحوتات، والعروض الموسيقية، والمقاهي الثقافية. ويُعد هذا المغني من أشهر فناني كوريا، وقد رحل وهو شاب عام 1996، فقررت مدينته أن تخلده بتلك الطريقة. فالمدينة التي أنجبت هذا الفنان المتفرد، الذي ظلت أغانيه خالدة رغم قصر عمره الفني، لا يمكن أن تحفظ الذكرى سوى بطريقة متفردة مثلها. وقد تعرفت على ذلك الفنان منذ مدة عبر أغنيته الشهيرة «الحب الذي يؤلم كثيرًا لم يكن حبًا»، ولم أكن وقتها متقنة للغة، ولم أفهم سوى معنى عنوان الأغنية، ولكن جذبني صوته واللحن، وأصبحت من أغانيَّ المفضلة. وعرفت فيما بعد بأنه من أشهر المغنين في التاريخ الحديث بكوريا، وأن لديه أغاني عديدة بالمستوى نفسه وأفضل. ثم، خلال تجربتي في دورة الثقافة المحلية التابعة لجامعة دايغو، وفي الجولة الافتراضية، وخلال بحثي حول دايغو، اكتشفت أنه ليس مجرد فنان شهير أو مغنٍ محبوب، بل رمز لثقافة المنطقة بأكملها؛ خلد ذكرى ثقافته عبر فنه، فخلدت ثقافته ذكراه.
صورة لإحدى محلات شارع كيم كوانغ-سوك. (مصدر: الموقع الرسمي لهيئة السياحة الكورية «فيزيت كوريا»)
تظهر في الأعلى صورة لمجسم جيتار عملاق في شارع كيم كوانغ-سوك، وبالأسفل صورة لتمثال كيم كوانغ-سوك بالشارع. (مصدر: الصورة في الأعلى من موقع الهيئة الرسمية للسياحة في كوريا «فيزيت كوريا»، وبالأسفل صورة ملتقطة من الموقع الرسمي لمنظمة سياحة دايغو خلال جولة دايغو الافتراضية)
كما أن دار أوبرا دايغو، التي شُيدت عام 2003، هي مركز الأوبرا الكورية، ومنذ تأسيسها أصبحت صرحًا ثقافيًا يستقطب عروضًا أوبرالية عالمية ومحلية على مدار العام. ليست الأوبرا محصورة على النخبة أو الفنانين، بل هي حدثٌ يتداوله السكان بالحديث ويحرصون على حضوره بوصفه جزءًا من حياتهم المعتادة. ويجسد مهرجان دايغو الدولي للأوبرا، الذي يقام سنويًا منذ افتتاحها، هذا التوجه؛ إذ يستضيف إنتاجات وفرقًا من مختلف أنحاء العالم، وأسهم على مدار أكثر من عقدين في ترسيخ مكانة دايغو بوصفها واحدة من أبرز مدن الأوبرا في آسيا. وإلى جانب دار الأوبرا، تحتضن دايغو عددًا من قاعات الحفلات والمسارح، كما تستضيف مهرجانات موسيقية متنوعة تمتد من الموسيقى الكلاسيكية إلى الجاز والروك والموسيقى الشعبية الكورية. وبينما أكتب تلك الفقرات، تحتضن دايغو الآن واحدًا من أكبر مهرجانات الموسيقى في كوريا، وهو مهرجان دايغو الدولي للموسيقى، الذي بدأ يوم 19 يونيو وسيستمر حتى 6 يوليو. وقد وصلتنا بعضٌ من أنغام المدينة على أرض مصر بحضور فرقة غودموري التي تعود أصولها للمدينة في شهر مايو لتقديم حفل بيت السفير، وأطمح أن أتبع تلك الأنغام إلى موطنها في الدورة القادمة للمهرجان.
تظهر في الأعلى صورة شعار أوبرا دايغو، وفي الأسفل صورة فرقة غودموري خلال حفلهم في بيت السفير الكوري بمصر. (مصدر: الموقع الرسمي لهيئة السياحة الكورية «فيزيت كوريا»، وصفحة الفيسبوك الرسمية للسفارة الكورية بمصر)
ومن أهم المحطات التي تعطي نظرة كاملة على هوية المدينة حي الأزقة الثقافية الحديثة، الذي يُعد من أكثر المواقع قدرة على تقديم صورة متكاملة عن تطور دايغو عبر الزمن. ويختلف هذا الحي عن كثير من المناطق التاريخية في المدن الأخرى، إذ لا يقتصر على الحفاظ على المباني القديمة، بل يربط بينها ضمن مسار ثقافي واحد، يسمح للزائر بقراءة مراحل مختلفة من تاريخ المدينة أثناء السير بين أزقتها. فمن خلال الانتقال بين هذه المحطات، يمكن ملاحظة كيف احتفظت دايغو بملامحها التاريخية، وفي الوقت نفسه واصلت تطورها.
خلال مسارك، تبرز تلة تشيونغنا، التلة الهادئة التي تُطلُّ على المدينة وتضمُّ بين أركانها إرثًا معماريًا يعود إلى الحقبة الاستعمارية، حين كانت البعثات التبشيرية الغربية تبني في دايغو منشآتها الطبية والتعليمية. وعلى مسافة قريبة يقع منزل الشاعر لي سانغ-هوا، الذي ارتبط اسمه بالحركة الوطنية خلال فترة الاحتلال. ويكتسب المنزل أهميته من كونه لا يخلد ذكرى شخصية أدبية فحسب، بل يعكس المكانة التي يحتلها الأدب في الذاكرة الثقافية للمدينة. فقد اختارت دايغو الحفاظ على المنزل وتحويله إلى فضاء ثقافي يسمح للزائر بالتعرف إلى حياة الشاعر وأعماله. وإن اتبعت المسار أكثر فأكثر، تصل إلى طريق حركة الأول من مارس للاستقلال، حيث لا تزال الأزقة تحتفظ بملامح الأماكن التي شهدت مشاركة أبناء المدينة في الحركة الوطنية عام 1919. وتتجاور تلك المظاهر إلى جانب بعضها البعض، حيث احتفظت ذاكرة المدينة بذكرى الاستعمار والمقاومة معًا، لتحكي الشوارع قصتها بمجرد التجول بها. وفن الحكي عبر المكان كان من أبرز محاور دورة الدراما الكورية التي حضرتها، فكان من المميز اطلاعي على أمثلة واقعية لذلك عبر جولتي الافتراضية بدايغو.
صورة لمظهر يجمع المباني التاريخية مع المظهر الطبيعي من حي الأزقة الثقافية الحديثة. (مصدر: الموقع الرسمي لهيئة السياحة الكورية «فيزيت كوريا»)
تظهر في الأعلى صورة منزل الشاعر لي سانغ-هوا، وفي الأسفل إحدى شوارع حي الأزقة الثقافية الحديثة. (مصدر: صورة منزل الشاعر ملتقطة من الموقع الرسمي لهيئة سياحة دايغو عبر الجولة الافتراضية، وصورة الشارع من الموقع الرسمي لهيئة السياحة الكورية «فيزيت كوريا»)
ومن الفن والتاريخ ننتقل إلى حيوية الثقافة المحلية مع سوق سيومون. إذ يُعد من أقدم الأسواق التقليدية في كوريا، ويعود تاريخه إلى عصر مملكة جوسون، ولا يزال حتى اليوم يحتفظ بدوره بوصفه مركزًا تجاريًا وثقافيًا يجمع بين الماضي والحاضر. وتُعرف دايغو أيضًا بثقافتها الغذائية المميزة، ويُعد سوق سيومون المكان الأمثل لاكتشافها. فمن الفطائر الكورية المسطحة إلى أطباق المعكرونة والكعك التقليدي، يقدم السوق تجربة تعكس المذاق المحلي للمدينة، وتُظهر كيف يرتبط الطعام بالثقافة والمجتمع. كما يعكس السوق تاريخ دايغو في صناعة النسيج، وهي الصناعة التي لعبت دورًا مهمًا في ازدهار المدينة اقتصاديًا. كما أنه فضاءٌ اجتماعي بامتياز. الجدَّات اللواتي يجلسن خلف بضائعهن منذ عقود، والشبَّان الذين يجرِّبون صنع محلاتهم الصغيرة في ممراته، والزبائن الذين يتوقَّفون عن التسوق لتبادل الحديث مع البائع؛ كل هذا يصنع نسيجًا اجتماعيًا لا يمكن للفنادق أو الأسواق الفاخرة أن تحاكيه.
صورة لمدخل سوق سيومون وللمنظر الحيوي لمحلاته. (المصدر: الموقع الرسمي لهيئة السياحة الكورية «فيزيت كوريا»)
وآخر المحطات التي استكشفتها كانت مساحة للتأمل والهدوء في معبد دونغهواسا. ومنذ اللحظات الأولى للجولة الافتراضية داخل المعبد، يلفت الانتباه ذلك الانسجام بين المباني الخشبية التقليدية والمساحات الطبيعية التي تحيط بها. فلا تبدو العمارة منفصلة عن الجبل، بل كأنها امتداد له، وهو ما يمنح المكان حالة من السكينة يصعب وصفها بالصور وحدها. وتكتمل هذه الصورة بوجود تمثال بوذا الحجري الضخم، الذي يُعد من أكبر التماثيل الحجرية في كوريا، ويرمز إلى السلام والوحدة، ليصبح أحد أبرز المعالم التي يقصدها الزوار من داخل البلاد وخارجها. ومع الانتقال بين أروقة المعبد وساحاته الهادئة، بدا واضحًا أن دايغو لا تقدم الثقافة بوصفها مفهومًا واحدًا، بل كنسيج متكامل يجمع بين الإبداع الفني، والذاكرة التاريخية، والحياة اليومية، والتراث الروحي.
صورة لمعبد دونغهواسا من الخارج. (مصدر: الموقع الرسمي لمنظمة سياحة دايغو خلال الجولة الافتراضية)
ختامًا، ما يميز دايغو ليس كثرة معالمها، وإنما قدرتها على تحويل الثقافة إلى تجربة يومية يعيشها سكانها وزوارها. كما أن معرفة المدن لا تبدأ دائمًا بشراء تذكرة الطيران. قد تبدأ بمحاضرةٍ غير متوقعة عبر الإنترنت، أو بجولةٍ افتراضية تتيح لك التجول في شوارع لم تطأها بعد، أو بصوت مغنٍّ لا تعرفه ولا تفهمه، لكنك تشعر بما يريد أن يقول. ولذلك، فإن تلك دعوة لكل محبي الفن والثقافة لاستغلال الفرص المتاحة لهم من أي مكان، وألّا يضعوا عوائق أمامهم، فالخطوة الأولى أقرب دائمًا مما نعتقد.
صورة لحلوى الدالغونا تحمل شكل غيتار من إحدى شوارع مدينة دايغو. (مصدر: موقع هيئة السياحة الكورية الرسمي «فيزيت كوريا»)
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.