على اليمين صورة أعلى جسر جبل جاماك خلال جولة كي ويف 2025، وعلى اليسار صورة لتمثال فتاة السلام الذي يخلّد ذكرى تضحيات نساء المتعة عند بوابة المنطقة منزوعة السلاح في باجو خلال جولة كي ويف. (تصوير: إيمان الأشقر)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية إيمان الأشقر
لكل مدينة في كوريا الجنوبية حكاية تميزها، لكن باجو تمتلك حكاية يصعب أن تشبه غيرها. فهي تلك الأرض العريقة التي تختصر جزءًا كبيرًا من تاريخ كوريا. لكنها، في الوقت نفسه، تقدم نموذجًا مختلفًا لكيفية تحويل الأماكن التي عاشت أصعب التجارب إلى مساحات تنبض بالحياة والثقافة والسلام. قد يعرفها البعض بوابة المنطقة منزوعة السلاح، ويعرفها آخرون بمدينة الكتب، لكن باجو بالنسبة إليّ أصبحت شيئًا أكبر من ذلك بكثير. فهي مدينة تعرف كيف تحتفظ بذاكرتها دون أن تتوقف عن الحياة. استطاعت أن تجعل من ذاكرتها المؤلمة مساحةً للتأمل، ومن تاريخها الصعب رسالةً للسلام، ومن طبيعتها الخلابة ملاذًا يمنح زائريها الهدوء، حتى أصبحت بالنسبة إليّ واحدةً من أجمل ذكريات رحلتي إلى كوريا عام 2025، وأكثرها قربًا إلى قلبي. وفي هذا المقال، أصحبكم في رحلة لاكتشاف باجو، مدينة الذاكرة والمستقبل.
على اليمين صورة لي خلال التجول وسط الطبيعة والأشجار بمدينة باجو، وعلى اليسار صورة بملابس الجيش الكوري خلال جولة المنطقة منزوعة السلاح. (تصوير: إيمان الأشقر)
بدأت معرفتي بالمدينة قبل أن أزورها بنفسي عبر الأدب والكتب التي تتناول التاريخ الكوري. فكثيرًا ما ظهرت المدينة في الأدب الكوري، سواء في الروايات التي تناولت الحرب والانقسام، أو في القصائد التي تحدثت عن الحنين، أو في المذكرات التي وثقت قصص العائلات التي فرقتها الحدود. فباجو أصبحت جزءًا من الذاكرة الأدبية الكورية، ومكانًا ارتبط بقصص الإنسان قبل أن يرتبط بقصص السياسة. وفي نهاية ثمانينيات القرن الماضي، اجتمع عدد من الناشرين الكوريين حول حلم بدا في ذلك الوقت أقرب إلى الخيال؛ بناء مدينة كاملة تُكرّس للكتاب. لم يكن الهدف إنشاء مكتبة كبيرة أو مجمع لدور النشر، بل إنشاء مجتمع ثقافي متكامل، يعيش فيه الناشرون والكتّاب والمترجمون والمصممون جنبًا إلى جنب، لتصبح صناعة الكتاب جزءًا من هوية المكان نفسه. ومن هنا وُلدت مدينة الكتب في باجو. لهذا السبب تحديدًا شعرت، عندما تجولت في باجو لأول مرة خلال جولة كي ويف 2025، أنني أسير داخل رواية أكثر من كوني أتنقل بين معالم سياحية. فكل زاوية في المدينة تبدو وكأنها تحمل فصلًا مختلفًا من القصة؛ الجبال تروي ما كانت عليه الأرض قبل أن تترك الحروب آثارها، والأنهار تحفظ انعكاس السنوات التي مرت، والطرق تقودك من الطبيعة إلى التاريخ، ثم تعيدك مرة أخرى إلى الحياة اليومية.
في الأعلى صورة داخل مكتبة غابة الحكمة في باجو، وفي الأسفل مدخل مدينة الكتب. (مصدر: الموقع الرسمي لهيئة السياحة الكورية «فيزيت كوريا»)
أول محطة سآخذكم إليها داخل باجو هي جسر جبل جاماك المعلّق. وما يدعو إلى التأمل أن هذه الجبال لم تصبح جميلة اليوم فقط، بل كانت هنا قبل الحرب، وبقيت بعدها أيضًا. تغيرت الأنظمة السياسية، ورُسمت الحدود، وتعاقبت الأجيال، بينما ظلت الطبيعة تواصل دورتها المعتادة، وكأنها تذكرنا بأن الأرض أقدم من كل الصراعات التي يشهدها الإنسان. يمتد الجسر فوق وادٍ تغطيه الغابات الكثيفة، ويمنح الزائر إطلالة بانورامية على واحدة من أجمل المناظر الطبيعية في المنطقة. ذلك الجسر من أجمل المقاصد لمحبي الطبيعة والمشي في كوريا. وما إن تخطو فوقه حتى تشعر أنك تترك وراء ظهرك صخب المدن، وكأن كل خطوة تبعدك قليلًا عن ضجيج الحياة اليومية وتمهد لك بأنك على مشارف مدينة ذات خصوصية لا تشبه غيرها.
صورة لرفاقي خلال جولة كي ويف أعلى جسر جبل جاماك. (تصوير: إيمان الأشقر)
على اليمين صورة للمظهر الطبيعي الذي يطل عليه جسر جاماك، وعلى اليسار صورة لي أعلى الجسر. (تصوير: إيمان الأشقر)
ومن تاريخ الأرض إلى تاريخ الإنسان، فبعد أن ودعت الجبال، بدأت الرحلة إلى أشهر معالم المدينة وأكثرها ارتباطًا بتاريخ كوريا الحديث؛ المنطقة منزوعة السلاح. يصعب وصف الشعور الذي ينتابك عندما تدرك أنك تقف على مقربة من واحدة من أكثر الحدود حساسية في العالم. لكن ما أدهشني حقًا أن الجولة لم تكن قائمة على استحضار الحزن أو بث مشاعر الخوف، بل على فهم التاريخ واحترامه. منذ لحظة ركوب تلفريك السلام الذي ينقل الزوار عبر نهر إمجين، بدا المشهد كأنه انتقال بين عالمين؛ من طبيعة هادئة تنبض بالحياة، إلى أرض تحمل بين تفاصيلها قصصًا لم تنتهِ فصولها بعد. كان العبور في التلفريك يشبه بالنسبة إليّ الدخول إلى رواية تاريخية، أو إلى بوابة زمنية تعود بك إلى خمسينيات القرن الماضي. هناك ترتدي زيَّ الجندي، وتتجوّل داخل معارض تاريخية تُعرّفك بالشخصيات التي شكّلت قصة هذه الأرض، فتصبح أنت أيضًا جزءًا من القصة، لا مجرد شاهد عليها.
صور لمدخل المنطقة منزوعة السلاح، والطريق إلى تلفريك السلام، والمشهد الذي يطل عليه. (تصوير: إيمان الأشقر)
صور متنوعة خلال جولتنا في أرجاء المنطقة منزوعة السلاح ومعرضها. (تصوير: إيمان الأشقر)
وخلال تلك الجولة، بقيت تجربة صغيرة هي الأكثر رسوخًا في ذاكرتي؛ صنع القلادة المعدنية العسكرية. في الماضي، كان الجنود يرتدون هذه القلادات حتى يمكن التعرف إلى هويتهم إذا فرقتهم الحرب عن رفاقهم أو عائلاتهم. كانت وسيلة لحفظ الاسم من الضياع وسط الفوضى. أما نحن، فقد صنعناها لسبب مختلف تمامًا؛ لنحفظ بها ذكرى المكان. وبينما كنت أنقش اسمي عليها، توقفت قليلًا، ثم أضفت كلمة واحدة ظللت أفكر فيها طوال الرحلة: «الحرية». وعلى الوجه الآخر، نقشت حلمًا أحمله منذ سنوات؛ أن أصبح كاتبة. في تلك اللحظة، شعرت أنني لا أصنع تذكارًا سياحيًا، بل أترك وعدًا صغيرًا لنفسي. وعدًا بأن أعود إلى باجو يومًا، لا بصفتي زائرة تلتقط الصور، بل ككاتبة تحمل في يدها كتابًا جديدًا، وتروي للآخرين قصتها.
في الأعلى صورة خلال صنعنا للقلادات، وفي الأسفل صورة القلادة التي صنعتها. (تصوير: إيمان الأشقر)
على اليمين صور جماعية قبل وبعد تجربتنا لملابس الجيش، وعلى اليسار تذكرة ركوب تلفريك السلام وبعض رفاقي خلال الجولة أمام مباني الإمدادات. (تصوير: إيمان الأشقر)
وبعد جولة مليئة بالمشاعر، جاء وقت التعرف إلى جانب آخر من هوية المدينة؛ مطبخها التقليدي. تشتهر باجو بمطاعم التوفو التي تعتمد على فول الصويا المحلي والمياه النقية، وتعد التوفو وحليب الصويا يدويًا كل يوم. وقد دخلنا مطعمًا تقليديًا مبنيًا على الطراز الكوري، ولم أكن أتحمل أبدًا أن يصبح التوفو أحد أكثر الأطباق التي أحببتها في كوريا. فقد مر عام تقريبًا على تلك الزيارة، لكن مذاق ذلك الطبق لا يزال حاضرًا في ذاكرتي. ولا أعرف إن كان السر يكمن في جودة المكونات، أم في خبرة أصحاب المطعم الذين يتوارثون هذه الحرفة، أم في دفء المكان، أم في الجلسة داخل بيت الهانوك التقليدي. وربما كانت الإجابة ببساطة هي اجتماع كل هذه العناصر معًا.
صور متنوعة لمطعم التوفو التقليدي خلال جولتنا، تظهر المطعم من الخارج، والمظهر الطبيعي والأجواء، والأطباق التي تناولناها. (تصوير: إيمان الأشقر)
أما محطتنا الأخيرة، فهي تجربة الإبحار على متن قارب هوانغبو التقليدي، وهو قارب كان يُستخدم قديمًا لنقل الناس والبضائع عبر النهر، قبل أن يتحول اليوم إلى وسيلة تمنح الزوار فرصة لرؤية المنطقة الحدودية من زاوية مختلفة. حيث يأخذك قائد من أبناء تلك الأرض في جولة هادئة تُصاحبها أنغام تقليدية تجعلك تنسى، للحظات، كل شيء خلّفته وراءك. تقترب تدريجيًا من النقطة الأقرب إلى الحدود، وتجد نفسك تُحدّق في المسافة، وكأنك تُطالع تاريخ كوريا بأكمله في لحظة واحدة، وتدرك أن كوريا ليست مجرد بلد بأسماء ومدن وخرائط، بل هي كائن حي تغذّيه الذكريات التي يحافظ عليها شعبه جيلًا بعد جيل.
صورة لي أمام قارب هوانغبو. (تصوير: إيمان الأشقر)
ختامًا، في نهاية زيارتي لباجو، لم أحمل معي مجرد صور أو تذكارات، بل حملت فهمًا جديدًا لمعنى الذاكرة. فالمدن العظيمة ليست تلك التي تنسى ماضيها، بل التي تعرف كيف تحول هذا الماضي إلى قوة تدفعها نحو المستقبل، وهذا بالضبط ما وجدته في باجو. وإن كنت تبحث عن كوريا التي لا تظهر كثيرًا في البرامج السياحية، فاجعل باجو ضمن رحلتك. هناك ستكتشف أن أجمل القصص لا تُروى داخل المتاحف وحدها، بل في الطرق، والجبال، وضفاف الأنهار، وابتسامات الناس.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم كوريا وثقافتها.