بينغسو المانجو المزين بقطع المانجو الطازجة، أحد أكثر أنواع البينغسو شعبية خلال فصل الصيف في كوريا. (تصوير: إسراء الزيني)
بقلم مراسلتَي كوريا نت الفخريتَين المصريتَين إسراء الزيني وسلوى الزيني
لكل فصل في كوريا أطعمة ومشروبات ترتبط به، لكن إذا كان هناك طبق واحد يمكن اعتباره رمزًا للصيف الكوري، فسيكون البينغسو بلا شك.
مع ارتفاع درجات الحرارة، تتحول المقاهي الكورية إلى وجهة رئيسية للباحثين عن الانتعاش، ويصبح البينغسو نجم قوائم الطعام بلا منازع. وبينما تختلف نكهاته وأشكاله من مقهى إلى آخر، يبقى السبب وراء شعبيته الجارفة واحدًا: قدرته السحرية على تحويل يوم صيفي حار إلى لحظة ممتعة يتشاركها الأصدقاء والعائلة.
تعرفنا على البينغسو للمرة الأولى خلال إحدى رحلاتنا إلى كوريا؛ ففي يوم صيفي حار، اصطحبنا أصدقاؤنا الكوريون إلى أحد المقاهي الشهيرة في منطقة "ميونغ دونغ" المزدحمة، واقترحوا علينا تجربة هذه الحلوى التي يعشقها الكوريون خلال الصيف.
وصل الطبق منسقًا وجذابًا ومزينًا بقطع المانجو الطازجة فوق طبقات متراكمة من الثلج الناعم المصنوع من الحليب. كان شكله الخارجي ملفتًا للغاية، لكن ما أبهرنا أكثر كان مذاقه الفريد؛ فمع أول ملعقة شعرنا بانتعاش حقيقي أنسانا حرارة الجو في الخارج تمامًا. وبصراحة، استمتعنا به إلى درجة أننا تهافتنا على تناوله قبل أن نتذكر التقاط الصور التذكارية له.
منذ ذلك اليوم، تحول البينغسو إلى جزء أصيل من ذكرياتنا الجميلة في كوريا. وفي كل صيف تقريبًا كنا نلمحه في كل مكان؛ في المقاهي الصغيرة الدافئة، وسلاسل المقاهي العالمية الشهيرة، وحتى في الإعلانات الموسمية التي تتنافس للإعلان عن نكهات مبتكرة وجديدة مع مطلع فصل الصيف.
وربما لا يكمن سر تميز البينغسو في مذاقه اللذيذ فحسب، بل في طريقة تناوله والطقوس المصاحبة له؛ ففي أغلب الأحيان لا يُطلب هذا الطبق لشخص بمفرده، بل يوضع في منتصف الطاولة ليتشاركه الجميع معًا. وخلال زياراتنا المتكررة لكوريا، لاحظنا دائمًا أن تناول البينغسو يرتبط باللقاءات الحميمية والأوقات السعيدة مع الأصدقاء أو أفراد العائلة، وكأنه ركيزة أساسية للأجواء الاجتماعية التي ترافق الصيف هناك.
البينغسو يحتل مكانة خاصة في ثقافة المقاهي الكورية ويُعد من أشهر الحلويات المرتبطة بفصل الصيف. (تصوير: إسراء الزيني)
ورغم أن البينغسو يُعرف اليوم بنكهاته العصرية وأشكاله الفنية الجذابة، فإن جذوره التاريخية تعود في الواقع إلى تقاليد كورية عريقة ارتبطت باستخدام وحفظ الثلج خلال أشهر الصيف القاسية في العصور القديمة. ومع مرور الوقت، ظهرت النسخة التقليدية الشهيرة بـ "بات بينغسو" المصنوعة من الفاصوليا الحمراء المحلاة وكعك الأرز التقليدي "التيوك"، والتي غدت بمرور السنين أشهر الحلويات الصيفية في البلاد.
ولا يزال الكثير من الكوريين يفضلون هذه النسخة الكلاسيكية الأصيلة حتى يومنا هذا، على الرغم من ظهور أنواع حديثة لا حصر لها بنكهات الفواكه كالفراولة، والمانجو، والبطيخ، والعنب الأخضر، والخوخ، إلى جانب نكهات مبتكرة أخرى تُزين بقطع الشوكولاتة، أو مسحوق الشاي الأخضر "الماتشا"، أو قطع كعك الجبن "تشيز كيك" وغيرها من المكونات الحديثة التي تتماشى مع العصر.
لقطة مقربة لطبق "بات بينغسو" الذي يجمع بين الثلج المجروش والفاصوليا الحمراء المحلاة واللوز وكعك الأرز. (تصوير: إسراء الزيني)
ومع الازدهار الكبير الذي تشهده ثقافة المقاهي في كوريا، تحول البينغسو من مجرد حلوى موسمية بسيطة إلى طبق فني تتنافس المقاهي على تقديمه بأساليب مبتكرة وتصاميم مذهلة كل صيف؛ إذ تعتمد بعض المقاهي على الفواكه الموسمية الطازجة والحصرية، بينما تقدم أخرى وصفات سرية خاصة بها لا تتوفر إلا لفترة محدودة للغاية. ورغم هذا التنوع الشديد، يظل الهدف الأسمى واحدًا دائمًا: تقديم لحظة غامرة من الانتعاش والبهجة وسط حرارة الصيف الكوري.
وخلال إحدى رحلاتنا اللاحقة إلى كوريا، انضمت إلينا صديقة مصرية تدرس اللغة الكورية في كلية الألسن بجامعة عين شمس، وقررنا معًا في تلك المرة تجربة "بات بينغسو" النسخة التقليدية التاريخية المعدة من الفاصوليا الحمراء المحلاة. كانت تجربة مختلفة تمامًا عن بينغسو المانجو الذي تذوقناه في المرة الأولى، لكنها منحتنا فرصة استثنائية للتواصل اللذيذ مع النكهة الأصيلة التي ارتبطت بوجدان هذا الشعب لأجيال متعاقبة.
تجربتنا مع "بات بينغسو"، النسخة التقليدية من البينغسو الكوري والمعدة من الفاصوليا الحمراء المحلاة وكعك الأرز. (تصوير: سلوى الزيني)
وما يفرّق البينغسو عن سائر الحلويات المثلجة والآيس كريم حول العالم هو قوامه الحريري الفريد؛ فبدلًا من جرش مكعبات الثلج العادية بشكل خشن، يُصنع عادة عن طريق تجميد الحليب ثم طحنه بأجهزة مخصصة لينهمر كرقائق ناعمة وخفيفة للغاية تشبه تمامًا الثلج الطبيعي المتساقط في الشتاء. وعندما تضاف إليه الفواكه الطازجة، أو الحليب المكثف المحلى، أو كرات الآيس كريم الغنية، تتحول كل ملعقة منه إلى مزيج مثالي يذوب في الفم بلطف ليقاوم قيظ الصيف.
أما المفاجأة السعيدة والمثيرة بالنسبة لنا، فكانت عثورنا على البينغسو الكوري في مصر أيضًا! وعندما جربنا هناك بينغسو الفراولة، الذي يعد أحد أكثر الأنواع شعبية، لم يكن الأمر مجرد تذوق لحلوى شهية وباردة، بل كان بمثابة تذكرة سفر فورية استدعت كل ذكرياتنا الدافئة في كوريا؛ فمع كل ملعقة تذوقناها، تراءت أمام أعيننا صور المقاهي الجميلة التي زراناها في سيئول، ووجوه الأصدقاء الذين شاركونا تلك الضحكات، ونسمات الصيف التي اقترنت لدينا بمذاق البينغسو المنعش، وللحظات خاطفة شعرنا وكأننا عدنا إلى قلب العاصمة سيئول من جديد.
بينغسو الفراولة في أحد المقاهي بالقاهرة، حيث أعاد مذاقه المنعش إلينا ذكريات الصيف في كوريا. (تصوير: سلوى الزيني)
ولمن يرغب في خوض غمار هذه التجربة وصنع هذه الحلوى الممتعة في منزله، فإن إعدادها في الواقع أسهل بكثير مما يبدو؛ فكل ما يتطلبه الأمر هو تجميد كمية من الحليب في وعاء مناسب، ثم بشره أو طحنه بعناية بعد التجميد الكامل للحصول على ذلك القوام القطني الناعم الشبيه بالثلج. بعد ذلك، يمكنكم إضافة الفواكه المتوفرة والمفضلة لديكم مثل قطع المانجو، أو شرائح الفراولة، أو حبات العنب، مع لمسة من الحليب المكثف المحلى. أما لعشاق الأصالة والنكهات الكلاسيكية، فيمكن إضافة الفاصوليا الحمراء المطبوخة والمحلاة مع بضع قطع من كعك الأرز اللذيذ للحصول على نسخة مطابقة تمامًا للـ "بات بينغسو" الكوري التقليدي.
لذلك كله، لا يُنظر إلى البينغسو في كوريا على أنه مجرد طبق حلوى بارد عابر، بل هو طقس صيفي بامتياز، ومناسبة اجتماعية جميلة تلم شمل الأحباء والأصدقاء حول طبق واحد مشترك. وبينما تتغير النكهات وتتطور الوصفات وتتعدد الخيارات، يظل البينغسو في قلوب الكوريين رمزًا كلاسيكيًا بسيطًا ومحببًا لفصل الصيف.
بينغسو الفراولة، أحد أشهر النكهات الصيفية التي تجمع بين الثلج الناعم والفواكه الطازجة. (تصوير: سلوى الزيني)
أما بالنسبة لنا، فسيظل البينغسو يحمل دائمًا قيمة معنوية تفوق كونه مجرد حلوى مثلجة؛ فكلما تذوقناه، سواء كنا نجلس في أحد مقاهي سيئول النابضة بالحياة أو في مقهى هادئ في القاهرة، تعود إلينا تفاصيل رحلتنا الرائعة مع الثقافة الكورية، مذكرًا إيانا بوجوه وأماكن دافئة تركت في قلوبنا أثرًا لا يمحوه الزمن.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.