تظهر الصورة مكتبتي الخاصة حيث تضم معظم أرففها كتب الأدب الكوري التي اقتنيتها، سواء النسخ الأصلية أو المترجمة، كما تظهر الصورة جائزة أفضل مراسلة فخرية والجريدة والمجلة التابعتين لكوريا نت التي نُشرت من ضمنها كتابات لي. (تصوير: إيمان الأشقر)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية إيمان الأشقر
خلال السنوات الخمس الماضية، لم يكن الأدب الكوري بالنسبة لي مجرد هواية للقراءة أو وسيلة للتعرف إلى جانب جديد من الثقافة الكورية، بل تحول تدريجيًا إلى جزء أساسي من رحلتي التعليمية والثقافية والإنسانية. لم تبدأ الحكاية بخطة واضحة، ولم أكن أتوقع عندما بدأت تعلم اللغة الكورية أنني سأصبح بعد سنوات أتابع أخبار الأدب الكوري يوميًا، وأشارك في نوادي قراءة دولية، وأكتب عنه بصورة شبه متخصصة.
كل ما في الأمر أنني قرأت رواية واحدة في التوقيت المناسب، ففتحت أمامي بابًا لم يُغلق حتى اليوم. وفي هذا المقال، سأشارككم تلك الرحلة وكيف قادتني الروايات والقصائد والفعاليات الأدبية إلى فرص وتجارب لم أتوقعها يومًا؛ من قراءة الأعمال المترجمة وحضور لقاءات الأدباء الكوريين في مصر، إلى دراسة الأدب الكوري وإجراء مقابلات مع عدد من الكُتّاب المعاصرين، ثم السفر إلى كوريا بصفتي مراسلة فخرية، وقرار التخصص في صناعة المحتوى الثقافي.
على اليمين صورة لي خلال حفل توزيع جوائز أفضل مراسلين كوريا نت عام 2025 في سيئول، وعلى اليسار غلاف المجلة الأدبية التي صنعتها بالتعاون مع المراسلتين الفخريتين أسيل السيلاوي ورنيم أبو عياش. (تصوير: إيمان الأشقر)
في أواخر عام 2021، عندما كنت في بدايات تعلم اللغة الكورية، صدرت في تلك الفترة الترجمة العربية لرواية «مولودة عام 1982» للكاتبة تشو نام-جو، فقررت قراءتها بدافع الفضول. ما لفت الانتباه لم يكن غرابة الثقافة الكورية أو بُعدها عن الواقع المحلي، بل على العكس تمامًا، التشابه اللافت في الظروف والثقافة والألم بين النساء في مصر وكوريا. كان أدبًا يتسم بالقرب الشديد، متقنًا في أسلوبه وإنساني الطرح، خاليًا من اللغة المبتذلة أو محاولات افتعال عمق لا حاجة له. فبدأت بعدها متابعة دقيقة لكل عمل مترجم يصدر تباعًا عن دور النشر، إلى جانب حضور منتظم لفعاليات الأدب الكوري التي تُقام في مصر.
وفي عام 2022، شكّل حضور فعالية للكاتب كيم أون-سو محطة مهمة، حيث حصلت على نسخة موقّعة من روايته «المتآمرون»، وكانت تلك لحظة مميزة وذكرى ما زالت محتفظة بمكانتها. لكن الأهم من تلك النسخة الموقّعة هو ما فتحته تلك الفعالية من إدراك جديد: أن الأدب الكوري لا يلتزم بالحدود التقليدية للأنواع الأدبية، بل يمتلك قدرة كبيرة على المزج بين أكثر من مستوى سردي وفكري في العمل الواحد. غيّرت «المتآمرون» كثيرًا من تصوري عن الأدب الكوري؛ فقبلها كنت أظن أن أغلب الأعمال الكورية تدور حول القضايا الاجتماعية أو التاريخية، لكن الرواية قدمت نموذجًا مختلفًا يجمع بين الغموض والجريمة والتأمل الفلسفي. لم تكن مجرد قصة مشوقة، بل عملًا يناقش أسئلة أخلاقية معقدة حول العنف والسلطة والاختيارات الإنسانية.
كما أصبحت مكتبة المركز الثقافي وجهة متكررة، تُزار كلما سنحت الفرصة. ومع اتساع دائرة قراءاتي بدأت أقرب من أعمال أكثر تنوعًا وتجريبًا. ومن بين الكتب التي تركت أثرًا خاصًا في نفسي رواية «ليلة ونهار لم يُحكَ عنهما» للكاتبة باي سو-آه. تميّزت هذه الرواية بطابع غرائبي إلى درجة دفعت لإعادة قراءتها على مدار سنوات متتالية، وفي كل قراءة كان يخرج منها تفسير جديد كليًا. كان ذلك بالتزامن مع ورشة الكاتبة جونغ يو-جونغ في عام 2023، وهي إحدى أبرز كاتبات أدب الغموض والإثارة النفسية في كوريا. وخلال تلك الفترة قرأت روايتيها «جريمة الابن الصال» و«سبع سنوات من الظلام»، حينها لاحظت أن القلم النسائي في كوريا يتمتع بتفرّد لا يشبه أي تجربة أدبية نسائية أخرى. فتوسّع نطاق قراءاتي تدريجيًا ليشمل الشعر والقصص القصيرة بمختلف أنواعها وأزمنتها، فكان ديوان «الأمل وحيدًا» نقطة الدخول إلى عالم الشعر الكوري، وقصة «رحلة مو جين» المدخل الأول إلى الأدب الكلاسيكي الكوري.
على اليسار صورة لرواية «ليلة ونهار لم يُحكَ عنهما» داخل مكتبة المركز الثقافي الكوري، في المنتصف بالأعلى النسخة الموقعة من رواية «المتآمرون»، في المنتصف بالأسفل صورة لي مع الكاتبة جونغ يو جونغ، وعلى اليسار بالأعلى بعض من الروايات وكتب الدراسات الأدبية الكورية من مكتبتي. (تصوير: إيمان الأشقر)
التحول الأكبر في رحلتي جاء عندما أُتيحت لأول مرة في مصر فرصة الالتحاق بدورة متخصصة في الأدب الكوري استمرت ستة أشهر كاملة عام 2024، وشارك في تدريسها متطوعون من كوريا. كانت تلك التجربة نقطة فاصلة في علاقتي بالأدب الكوري، لأنها نقلتني من مرحلة القراءة الفردية إلى مرحلة الدراسة المنظمة. لم نكتفِ خلالها بقراءة النصوص، بل تعرفنا على خلفياتها التاريخية والثقافية، وناقشنا تطور الأدب الكوري عبر العصور. وكانت من أهم الأسباب التي دفعتني للتقديم إلى برنامج المراسلين الفخريين عام 2024. فبدأت سلسلة من الحوارات الصحفية مع كتّابي المفضّلين، بهدف الوصول إلى فهم أعمق للأدب من أصحابه مباشرة. وكان الحوار الأول مع لي جيوم يي، عقب صدور النسخة المترجمة من روايتها «ألا يمكنني الرحيل؟»، وتم عبر تقنية الاتصال المرئي بمساعدة معلمتي في الترجمة.
وبين الحوارات الأكثر حضورًا في الذاكرة، كان حواري مع الشاعرة المعاصرة لي سو هو حول ديوانها «كات كولينغ»، الذي تميّز بجرأة وقوة في التعبير عن الذات والأنوثة وتحديات الشباب. خلال اللقاء قالت الشاعرة عبارة أثّرت فيّ وألهمتني الطريق الذي أود سيره في الحياة: "أريد أن أصبح شخصًا يكون وجوده ذاته قصيدة، أن أكون أنا الأدب بذاته". أدركت عند التأمل في عبارتها أنه لأكون كاتبة وفنانة ليس عليّ سوى فهم ذاتي، فيجب أن ترى عيناي العالم كساحة فنية كبيرة، فلا توجد ظروف تقيدنا، ويمكنني خلق الفرص من تفاصيل حياتي اليومية مهما كانت بساطتها.
على اليمين بالأعلى صور لي خلال استلام شهادتي إتمام دورة الأدب الكوري عام 2024، في الأسفل صورة لي خلال مسابقة الشعر الكوري التي أُقيمت بعد دورة الأدب الكوري حيث حصلت بها على المركز الثاني، على اليسار بالأعلى صورة خلال حواري مع الكاتبة لي جيوم-يي، وعلى اليسار بالأسفل صورة خلال حواري مع الشاعرة إي سو هو. (تصوير: إيمان الأشقر)
ومنذ انضمامي إلى البرنامج بدأت مرحلة جديدة من رحلتي مع الأدب الكوري، انتقلت فيها من قارئة للأدب إلى صانعة محتوى عنه. وفي الوقت الذي كان فيه شغفي بالأدب الكوري يزداد عامًا بعد عام، كان الاهتمام العالمي بهذا الأدب يتصاعد أيضًا. وقد تجسد ذلك بصورة واضحة بعد فوز هان كانغ بجائزة نوبل للأدب عام 2024، وهو الحدث الذي مثّل لحظة تاريخية للأدب الكوري المعاصر. وفي مصر انعكس هذا الاهتمام في ازدياد الندوات والمحاضرات والفعاليات الأدبية التي نظمها المركز الثقافي الكوري بمشاركة أكاديميين ومترجمين ومتخصصين في الأدب الكوري، وكنت حريصة على حضور أكبر عدد ممكن منها والاستفادة من النقاشات التي كانت تُطرح خلالها.
خلال تلك الفترة، شاركت في نوادي قراءة عالمية، تجمع قرّاء من جنسيات مختلفة، فرصةً لاكتساب وجهات نظر جديدة كليًا عن الأدب الكوري، تتجاوز القراءة المحلية المحدودة. كما جاء حضور فعاليات مهرجان سيئول الدولي للكتاب، عبر الإنترنت، استكمالًا لرغبتي في الاطلاع على المشهد الأدبي الكوري بصورته العالمية.
في الأعلى صور خلال فعاليات أدبية متنوعة حضرتها كاحتفالية فوز هان كانغ بالأدب ولقاء الكاتبة هونغ يو-يونغ، وفي الأسفل صورة خلال دورة القراءة الكورية المتقدمة لمعهد سيجونغ التي حضرتها. (تصوير: إيمان الأشقر)
وفي عام 2025، خطوت أول خطوة في طريق أحلامي بحصولي على المركز الأول كأفضل مراسلة فخرية، ثم سافرت إلى كوريا، وأخيرًا تمكنت من أن أعيش هذا العالم في الواقع لا في الكتب فقط. زرت المكتبات، واقتنيت النسخ الأصلية من الكتب التي أحببتها مترجمة، وقابلت إحدى الكاتبات الصاعدات التي سعدت بالتعاون معها في مشاريع عدة، وهي سي آه-جانغ، مؤلفة رواية «لعبة القدر»، التي أهدتني نسخة موقّعة من روايتها. كان ذلك اللقاء وجهًا لوجه، ومنحني نظرةً أعمق على فكر الأدباء المعاصرين، وعدت من تلك الرحلة أكثر شغفًا بالتعلّم وتطوير محتواي واكتشاف جوانب أعمق من الثقافة الكورية.
على اليمين صورة لي داخل مكتبة ستارفيلد في مدينة سوون، وعلى اليسار صور في إحدى فروع مكتبة علاء الدين في سيئول. (تصوير: إيمان الأشقر)
على اليمين صورة لي مع الكاتبة سي آه-جانغ في سيئول، وعلى اليسار النسخة الموقعة من روايتها "لعبة القدر" التي أهدتها لي. (تصوير: إيمان الأشقر)
وفي عام 2026 استمرت رحلتي من خلال المشاركة في فعاليات أدبية جديدة نظمها المركز الثقافي الكوري بالتعاون مع مؤسسات كورية متخصصة في الأدب. وخلال فعالية يوم الأدب الكوري في أبريل، التي تناولت رواية «جفاء»، حصلت على هدية رمزية ما زلت أحتفظ بها حتى اليوم؛ بلورة نُقش عليها بيت من قصيدة للشاعر يون دونغ جو يقول: "أمس مضى، واليوم أمضي من جديد، طريقي... طريق جديد". بالنسبة لي لم تكن مجرد هدية تذكارية، بل رسالة تختصر معنى الرحلة كلها؛ فكل خطوة صغيرة كانت تقود إلى خطوة أخرى، وكل كتاب كان يفتح بابًا جديدًا للاكتشاف. وبين أكاديمية الغوغاك التي تعرّفني على فلسفة الموسيقى الكورية التقليدية، وكورسات منصة «كي موك» في الأدب واللغة والفلسفة وصناعة المحتوى، أستمر في تطوير نفسي. طموحي أن أقدّم الأدب والفلسفة الكورية للعالم بصورة حقيقية، وأن أصنع كتاباتي الخاصة وأسلوبي المتفرد.
على اليمين صورة لي مع مسؤولة الفعاليات الأدبية بالمركز الثقافي الكوري خلال فعالية الصالون الصحفي للمراسلين في أبريل، وعلى اليسار صورة لي داخل مكتبة المركز خلال فعالية أهلًا كوريا للمراسلين في مارس. (تصوير: إيمان الأشقر)
في الأعلى على اليمين صورة لي مع مسؤولة الفعاليات الأدبية بالمركز الثقافي الكوري وهي تحمل بوستر فعالية لقاء مع الأدب الكوري، بالإضافة إلى صور لبعض الهدايا التي حصلت عليها خلال حضور فعاليات لقاء مع الأدب الكوري في مارس وأبريل. (تصوير: إيمان الأشقر)
ختامًا، عندما أفكر في رحلتي إلى كوريا، لا أراها رحلة بدأت من المطار، بل رحلة بدأت قبل سنوات من بين صفحات كتاب. وربما لهذا السبب ما زلت أؤمن أن كل كتاب جديد قد يكون بداية طريق جديد. فبعد خمس سنوات من القراءة والتعلم والبحث، ما زلت أشعر أنني أقف عند بداية الطريق لا نهايته. فقد منحني الأدب الكوري أكثر من قصص وشخصيات لا تُنسى؛ منحني طريقة جديدة للنظر إلى العالم وإلى التجارب الإنسانية المشتركة التي تتجاوز الحدود واللغات.
على اليمين في الأعلى صورة لي مع معلمة الأدب الكوري عام 2026 عندما قابلتها مجددًا كي تجلب لي كتابًا من كوريا، وعلى اليسار صورة الكتاب، وبالأسفل على اليمين صورة لكتاب الفلسفة ورواية الغموض التي اقتنيتها من معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026. (تصوير: إيمان الأشقر)
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.