على اليمين صورة لي مرتدية قناعًا تقليديًا كوريًا وزيًا تقليديًا (هانبوك) ضمن فعاليات أسبوع الثقافة الكورية، وعلى اليسار صورة تظهر أحد الأعمال الفنية التي تمثل فن القناع المعروضة ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي. (تصوير: إيمان الأشقر)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية إيمان الأشقر
في بعض الأحيان تقودنا التفاصيل الصغيرة إلى اكتشافات كبيرة. قد يبدأ الأمر بحضور عرض فني أو زيارة معرض ثقافي، ثم يتحول تدريجيًا إلى رحلة طويلة من البحث والتساؤل. وهذا ما حدث معي؛ فبعد متابعة عروض الأقنعة الكورية وورشها الفنية ومعارضها الثقافية، لم تعد هذه الأقنعة بالنسبة لي مجرد رموز تراثية جميلة أو عناصر جمالية تزين المسارح والمتاحف. لقد أصبحت شاهدًا على قدرة الفن على حفظ ذاكرة الشعوب ونقل أصواتها عبر الزمن.
فخلف كل ابتسامة منحوتة أو تجعيدة محفورة على الخشب تختبئ قصة إنسان، ووراء كل وجه جامد يقف تاريخ طويل من التساؤلات والانتقادات والأحلام التي حملها الشعب الكوري عبر قرون متعاقبة. ومع احتفال كوريا بيوم الغوغاك الموافق 5 يونيو، المخصص للموسيقى والفنون الأدائية التقليدية، تتجدد الفرصة لاكتشاف أحد أكثر أشكال التراث الكوري تميزًا. وفي هذا المقال، سأشارككم أبرز خصائص فن القناع الكوري عبر تجاربي بداية من عام 2024 وصولاً إلى أسبوع الثقافة الكورية 2026.
في الرابع والعشرين من مايو عام 2024، لم أكن أعرف أن يومًا واحدًا في ورشة عمل لرقص الأقنعة والأكمام الطويلة سيتحول إلى بداية لشغف يلازمني حتى اليوم. كنت قد جئت إلى تلك الورشة بفضول عابر، لا أكثر، لكنني خرجت منها بشيء أعمق: إحساس بأن هذا الفن البسيط في مظهره، الكرتوني تقريبًا في ألوانه وملامحه، يحمل في داخله طبقات من الحضارة والتاريخ والإنسانية تمتد إلى آلاف السنين. كانت تلك الورشة فعاليتي الأولى التي أحضرها بصفتي مراسلة فخرية، وكان مقالي الأول الذي كتبته عنها.
في تلك الورشة، استقبلتنا مدربة قادمة من كوريا خصيصًا لتعلّمنا أصول الرقص بالأكمام الطويلة، أو ما يُعرف في الفنون باسم «هانسام»، وهي الأكمام البيضاء الطويلة التي تُلبس فوق ثوب الهانبوك التقليدي. الرقص بالأكمام الطويلة تعود جذوره إلى الطقوس الشامانية الكورية القديمة، حيث كانت الشامانة تستخدم الوشاح الحريري الطويل في رقصة التطهير الروحي. لا تُستخدم الأكمام الطويلة فيه بوصفها جزءًا من الزي فحسب، بل تتحول إلى أداة تعبير قائمة بذاتها. فمع كل حركة للراقص تمتد الأكمام في الهواء لترسم خطوطًا وانحناءات تبدو وكأنها لغة صامتة.
صور متنوعة من ورشة رقص القناع في المركز الثقافي الكوري عام 2024 تظهر الأكمام التي استعملناها وختم حضور الفعالية، كما تظهر المعلمة خلال الشرح، وعلى اليمين صورة أول مقال لي على الموقع الرسمي، وهو تغطية تلك الفعالية. (تصوير: إيمان الأشقر والموقع الرسمي لكوريا نت)
بعد تلك التجربة بدأ فضولي تجاه فنون الأقنعة يزداد تدريجيًا. فكلما قرأت أكثر عن تاريخها اكتشفت أنها لم تكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه الشعبي، بل كانت جزءًا من منظومة ثقافية متكاملة عُرفت باسم «تالتشوم» أو الرقص والمسرح بالقناع. من خلال مسرحيات الأقنعة كان عامة الناس يسخرون من الأرستقراطيين المتكبرين، وينتقدون رجال الدين الفاسدين، ويكشفون الظلم الواقع على الفقراء والنساء وكبار السن. وكانت السخرية هي السلاح الأقوى في هذه العروض؛ إذ تسمح بطرح القضايا الحساسة أمام الجميع دون مواجهة مباشرة مع السلطة. أما فهمي الحقيقي لهذا الفن فلم يبدأ إلا خلال زيارتي لمعرض الأقنعة المقام ضمن فعاليات أسبوع الثقافة الكورية في مصر بمتحف الحضارة خلال الفترة من 1 مايو إلى 7 مايو 2026.
على اليمين صورة لي في ممر ركن أسبوع الثقافة الكورية، وعلى اليسار ركن تجربة الأقنعة خلال الفعالية. (تصوير: إيمان الأشقر)
كان معرض الأقنعة المُقام في متحف الحضارة جزءًا من برنامج الأسبوع الثقافي، وما ميّز هذا المعرض هو وجود مرشدين متخصصين يشرحون حكاية كل قناع على حدة، إلى جانب شرح مكتوب موضوع بجانب كل قطعة فنية. من بين كل الأقنعة التي رأيتها في ذلك المعرض، توقفت بشكل خاص أمام الأقنعة التي تجسد شخصيات نسائية، مثل قناع العروس (غاكسي تال) وقناع الجدة (مي يال). كشفت قصصها عن التحديات التي واجهتها المرأة الكورية في المجتمع التقليدي، وهي تحديات وجدت بينها وبين ما تعيشه نساء كثيرات في مجتمعاتنا اليوم نقاط تشابه لافتة.
من أكثر الشخصيات تأثيرًا شخصية «الجدة مي يال»، وهي امرأة مسنة تظهر في عدد من عروض الأقنعة بوصفها رمزًا للمعاناة الإنسانية والتهميش الاجتماعي. تعكس قصتها واقع كبار السن الذين أفنوا أعمارهم في خدمة أسرهم ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة الوحدة والفقر والضعف. كما لفت انتباهي قناع العروس الذي يبدو ظاهريًا رمزًا للفرح والاحتفال، لكنه يحمل في بعض العروض دلالات أعمق تتعلق بالقيود الاجتماعية المفروضة على النساء والتوقعات التي كانت تُفرض عليهن منذ لحظة الزواج.
على اليمين شخصية العروس، وعلى اليسار شخصية الجدة ضمن معرض الأقنعة. (تصوير: إيمان الأشقر)
كما كانت هناك شخصية مميزة بين الأقنعة، وهي شخصية «مالتوجي»، فتجسد الوجه الآخر لمسرح الأقنعة؛ وجه السخرية والتمرد. فهو خادم بسيط أو رجل من عامة الشعب يمتلك الجرأة على قول ما يعجز الآخرون عن قوله. وربما يكمن أحد أسرار تطور كوريا الحديثة في وجود هذا التقليد العريق من النقد الذاتي والمراجعة المستمرة. فالمجتمعات لا تتقدم بمجرد الاحتفاء بإنجازاتها، بل بالتأمل الصادق في مشكلاتها أيضًا. وتأكدت من قيمة تلك الفنون التقليدية في وعي الكوريين بعدما وجدت القناع معلقًا داخل منزل السفير عند حضوري لفعالية كي فود نايت التي أُقيمت به خلال أسبوع الثقافة.
على اليمين شخصية مالتوجي، وعلى اليسار ركن رسم شخصية القناع الذي كان متاحًا لجميع المشاركين في أسبوع الثقافة. (تصوير: إيمان الأشقر وصفحة الفيسبوك الرسمية للمركز الثقافي الكوري بمصر)
قناع مالتوجي داخل منزل السفير الكوري بالقاهرة. (تصوير: إيمان الأشقر)
وقد كانت تيمة الأسبوع الثقافي الكوري في مصر لهذا العام مرتبطة برقصة قناع الأسد. رقصة أسد بوكتشونغ تعود في جذورها إلى منطقة بوكتشونغ الواقعة حاليًا في كوريا الشمالية، وتحمل تاريخًا يمتد لقرون طويلة. كانت الرقصة أصلًا ذات وظيفة شامانية أكثر من كونها عرضًا أدائيًا، حيث يدخل «الأسد» إلى المطبخ والغرف ليتظاهر بابتلاع الأرواح الشريرة. وما أسعدني بشكل خاص هو أن هذا العرض في الأسبوع الثقافي قدمته فرقة «تشوري» في أول زيارة لها إلى مصر. كما قدم أعضاؤها ورشًا فنية لتعليم رقصة الأسد، وأديتها بنفسي خلال الورشة.
ما ميّز فرقة تشوري أنهم لم يكتفوا بإعادة تقديم التراث كما هو، بل أعادوا صياغته في قالب معاصر يجمع بين السرد المسرحي والموسيقى والحركة بطريقة قادرة على مخاطبة جمهور من ثقافات مختلفة. كما جمعوا بين شرح الجانب الثقافي وتاريخ الفن مع الحفاظ على متعة الورش، وكانت مشاركتي في ورشتهم تجربة لم أكن أتوقع يومًا أن أخوضها.
صورة خلال عرض رقصة الأسد في حفل افتتاح أسبوع الثقافة الكورية. (المصدر: صفحة الفيسبوك الرسمية للمركز الثقافي الكوري بمصر)
صور متفرقة خلال ورشة تعلم رقصة الأسد مع أعضاء فرقة تشوري. (المصدر: صفحة الفيسبوك الرسمية للمركز الثقافي الكوري بمصر وإيمان الأشقر)
ثم جاءت مشاركتي في برنامج كي كونكت لصناعة المحتوى لتضيف بُعدًا جديدًا لتجربتي مع الأقنعة، حيث خصصوا محاضرة ثقافية عن رقصة الأسد يوم 15 مايو ضمن فعاليات الدورة. فعرضوا لنا شرحًا لقصة الرقصة التاريخية ومقابلة مع الفنانة المصرية فاطمة عصام لتحدثنا عن تجربة صنعها لعمل فني مستوحى من عروض فرقة تشوري. في تلك اللحظة بدا لي واضحًا أن الأقنعة لم تعد مجرد موضوع ثقافي أتابعه من بعيد، بل أصبحت مجالًا أرغب في دراسته والكتابة عنه وصناعة محتوى يعرّف الآخرين بقيمته.
لقطات شاشة خلال فقرة التعريف برقصة الأسد ضمن ورشة كي كونكت. (تصوير: إيمان الأشقر ومؤسسة كي كونكت الرسمية وتم أخذ الإذن لاستخدامها)
ختامًا، لم تكن الأقنعة الكورية مجرد موضوع ثقافي أتعرف إليه من خلال الكتب أو المتاحف، بل كانت رحلة شخصية بدأت قبل عامين وما زالت مستمرة حتى اليوم. رحلة قادتني من ورشة صغيرة للرقص بالقناع إلى اكتشاف عالم كامل من التاريخ وفلسفة الفنون الشعبية التي ساهمت في تشكيل الهوية الثقافية الكورية.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.