مراسل فخري

2026.07.10

اعرض هذه المقالة بلغة أخرى
  • 한국어
  • English
  • 日本語
  • 中文
  • العربية
  • Español
  • Français
  • Deutsch
  • Pусский
  • Tiếng Việt
  • Indonesian
تظهر الصورة على اليمين غلاف القصة المصورة

تظهر الصورة على اليمين غلاف القصة المصورة "الغرفة الضيقة" بنسختها الإنجليزية، وعلى اليسار صفحة من القصة. (تعود حقوق الصور إلى تشوي سونغ مين ودار دراون آند كوارتِرلي وتم أخذ الإذن لاستخدامها)



بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية إيمان الأشقر

من بين الأصوات الإبداعية الكورية المعاصرة يلفت رسام المانغا الكوري تشوي سونغ مين الانتباه بأسلوبه الهادئ والمكثف، الذي يستكشف العزلة والرغبات الخفية والتناقضات الكامنة داخل النفس البشرية. في أعماله، لا يعتمد تشوي سونغ مين على الوحوش أو المفاجآت الصاخبة لصناعة الخوف، بل يبني توتره من الصمت والانتظار والتفاصيل اليومية التي تبدو عادية للوهلة الأولى. وقد قدّم العديد من الأعمال المتميزة، ولفتت قصته "الغرفة الضيقة" الأنظار، والتي نُشرت عام 2023، وصدرت منها نسخة إنجليزية هذا العام في 19 مايو. في هذا المقال يفتح لنا تشوي سونغ مين أبواب عالمه الإبداعي، متحدثاً عن مسيرته الفنية والطريقة التي يرى بها الإنسان والعالم من حوله. تمت المقابلة عبر البريد الإلكتروني في الفترة من 15 مايو إلى 3 يونيو.

تظهر الصورة نسخاً لعملين من أعمال تشوي سونغ مين، على اليمين قصة ستوري أوف آن أستيرويد، وعلى اليسار قصة

تظهر الصورة نسخاً لعملين من أعمال تشوي سونغ مين، على اليمين قصة ستوري أوف آن أستيرويد، وعلى اليسار قصة "تايرد في". (تعود حقوق الصور إلى تشوي سونغ مين وتم أخذ الإذن لاستخدامها)


هل يمكنك أن تخبرنا ما الذي جذبك لأول مرة إلى السرد البصري من خلال الرسم والمانغا؟ وهل كانت هناك أعمال أو فنانون أثروا فيك بشكل عميق خلال طفولتك أو فترة نشأتك؟ وهل يمكنك أن تخبرنا المزيد عن خلفيتك الشخصية والأكاديمية؟
بفضل أنني قضيت طفولتي في تسعينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي يمكن وصفها بالعصر الذهبي للمانغا المطبوعة، كنت مولعاً بالمانغا منذ ما قبل دخولي المدرسة الابتدائية. لم يكن الأمر أنني انجذبت إلى شكل بصري أو سردي معين، بل كنت طفلاً لا يستطيع التركيز على القصص المكتوبة بالكلمات فقط، بينما كنت ما إن أفتح كتاب مانغا حتى أنغمس تماماً في عالمه. ومنذ ذلك الوقت راودتني فكرة أن أصنع مانغا خاصة بي يوماً ما وأدعو القراء إلى عالمها.

ومن بين آلاف كتب المانغا التي قرأتها أثناء نشأتي، من الصعب جداً اختيار عمل واحد أو عدة أعمال أثرت فيّ بعمق. في طفولتي كنت أعيش كل يوم تقريباً منغمساً في قراءة المانغا، وأقرأ بشغف مختلف الأنواع دون تمييز. لم يتحول ذلك الشغف مباشرة إلى نشاط إبداعي، لكن الغريب أن أعمال الأستاذة تاكاهاشي روميكو كانت وحدها تدفعني فوراً إلى الجلوس إلى المكتب والرغبة في الرسم. هناك فرق بين الرسم المتقن والرسم الذي يبدو "شهياً"، ولأول مرة شعرت بهذا الإحساس عند مشاهدة رسوم تاكاهاشي روميكو. كانت أعمالها توقظ داخلي الرغبة في أن أقدّم شيئاً مشابهاً. شعرت أن ذلك أمر رائع، وكنت أتمنى أن تمنح مانغاي يوماً ما القراء الشعور نفسه.

أنا لست من الأشخاص الذين تعرفوا على المانغا من خلال الدراسات النظرية أولاً، بل انجذبت إليها كقارئ، ثم عندما أصبحت مؤلفاً بدأت أدرس ذلك الإحساس بصورة منهجية وبنيوية. بعد تخرجي من الجامعة وبدئي العمل الجاد في صناعة المانغا، أصبح من السهل عليّ تحديد الأعمال والفنانين الذين تأثرت بهم. كنت أدرس المانغا كما لو كنت أقرأ كتباً مدرسية، وذلك من خلال مجموعات القصص القصيرة لكل من تاكاهاشي روميكو وموروهوشي دايجيرو وتانيغوتشي جيرو. كنت أعتقد أن من يجيد التعامل مع القصة القصيرة سيكون قادراً أيضاً على كتابة القصص الطويلة بإتقان، لذلك درست بنية القصص القصيرة وإيقاعها من خلال أعمال هؤلاء الفنانين.

من خلال قصص تاكاهاشي روميكو القصيرة تعلمت كيفية بناء الحبكة وتطورها. ومن أعمال موروهوشي دايجيرو تعلمت الشجاعة اللازمة لتحويل الأفكار الغريبة والعجيبة إلى قصص مانغا مكتملة. أما من أعمال تانيغوتشي جيرو فقد تعلمت روح الحرفي الذي يصوغ القصص البسيطة بعناية وإخلاص. كما تأثرت كثيراً بكاميجو أتسوشي والأستاذة شيميزو ريكو. أحب العلاقات المشوهة والمجروحة التي يصورها هذان الفنانان برسومهما الجميلة. وحتى اليوم، عندما أرى إخراجهما ورسومهما التي لا تقدم أي تنازل عن جمالياتهما الخاصة رغم قسوة نظام النشر الأسبوعي، أتأثر لدرجة أنني أبكي أحياناً.

أما خلفيتي الأكاديمية فهي دراسة الرسوم المتحركة. خلال سنوات الجامعة كنت أعمل فقط على صناعة أفلام الأنيميشن. وبعد التخرج انضممت إلى جماعة إبداعية تُدعى "كوانغ"، أسسها عدد من خريجي الجامعة الأكبر سناً، وهناك بدأت بالفعل في صناعة المانغا بشكل جاد. كان لهذا التجمع تأثير عميق عليّ لا يقل عن تأثير المانغا التي قرأتها منذ الصغر. تعلمت من كل فرد فيه الكثير عن العمل، وعن الموقف الذي يجب أن يتخذه الفنان تجاه فنه، وما زلت ممتناً لهم دائماً.

تتميز "الغرفة الضيقة" بأنها تبني التوتر من خلال الروتين اليومي والتكرار أكثر من اعتمادها على الأحداث الدرامية الكبرى. كيف ظهرت فكرة هذا العمل في البداية؟ وكيف عبّرت عن موضوعات مثل العزلة والهوس من خلال التغير النفسي ونمو الشخصية الرئيسية؟ وعندما بدأت العمل، ما العنصر الذي فكرت فيه أولاً: الفكرة أم الحبكة أم الشخصية؟
بدأت قصة "الغرفة الضيقة" من فكرة بسيطة للغاية: "بطلة تعاني من الوسواس القهري تستولي عليها رغبة ملحة في التقاط عقب سيجارة ألقاه الرجل الذي تكنّ له مشاعر حب من طرف واحد". إذن، في حالة "الغرفة الضيقة" ظهرت الشخصية أولاً، ثم وضعت الحبكة، بينما جاء الموضوع في المرحلة الأخيرة. وعندما أنظر إلى الأمر الآن أجد أن تلك الجملة القصيرة كانت تحتوي بالفعل على المعضلة الأساسية، وشخصية البطلة، ورغباتها، ولذلك سارت عملية الكتابة بعد ذلك بسلاسة.

أما العزلة والهوس اللذان تناولتهما في العمل، فلم أرغب في تقديمهما من خلال أحداث ضخمة أو استثنائية، لأنهما مشاعر يمكن أن تظهر داخل نطاق الحياة اليومية العادية. أردت أن تكون البطلة شخصية خجولة وانطوائية، وأردت أن يكون العمل أقل اعتماداً على حبكة تدفع الأحداث بقوة إلى الأمام، وأكثر اهتماماً بمتابعة ما يحدث داخل نفس شخص واحد. أعتقد أن المانغا وسيط قادر على نقل اللحظات الساكنة والمشاعر التي يصعب التعبير عنها بالكلمات من خلال إيقاع الإطارات واتجاهات النظر والصمت. وأثناء عملي على "الغرفة الضيقة" أردت أن أختبر هذه القوة الكامنة في المانغا بنفسي.

تظهر الصورة النسخة الكورية من قصة الغرفة الضيقة. (تعود حقوق الصورة إلى تشوي سونغ مين وتم أخذ الإذن لاستخدامها)

تظهر الصورة النسخة الكورية من قصة الغرفة الضيقة. (تعود حقوق الصورة إلى تشوي سونغ مين وتم أخذ الإذن لاستخدامها)


من دون الاعتماد على أساليب الرعب التقليدية، كيف استخدمت تكوين الصفحة والإيقاع والصمت لصناعة التوتر النفسي؟ وهل تغيرت بعض العناصر أثناء تحويل العمل من الويب إلى النسخة المطبوعة؟ وما المعنى الكامن وراء عنوان "الغرفة الضيقة"؟
بدلاً من التركيز على تقنيات الرعب التقليدية، ركزت على إيجاد الإيقاع المناسب لمشاعر الشخصيات. كنت أفكر في الظروف التي تعيشها الشخصية وما المشاعر التي تحاول إخفاءها أو تحملها، ثم أضبط المسافات بين الإطارات، ومواقع فقاعات الحوار، وكمية النصوص بما يناسب تلك المشاعر. وفي كل مشهد كنت أتحول إلى قارئ ومحرر في الوقت نفسه لأتأكد من أن القلق أو التوتر الذي أريده يصل فعلاً إلى القارئ.

أنا شخص يفقد اهتمامه بسرعة عندما يرى القواعد المألوفة جداً للأنواع الأدبية أو الكليشيهات المتكررة، لأنني أستطيع توقع ما سيحدث بعدها بسهولة. ولهذا أصبحت أميل أثناء صناعة أعمالي إلى البحث عن المتعة من خلال الابتعاد قليلاً عن المألوف. وعندما أحافظ على احترامي لقواعد المانغا وللقارئ، وأجرب في الوقت نفسه شيئاً جديداً، تكون النتيجة عملاً متوازناً مثل "الغرفة الضيقة". لكن أحياناً أميل إلى المبالغة في الرغبة في كسر الأساليب التقليدية، وعندها أجد نفسي أبتعد كثيراً عن القارئ.

في "الغرفة الضيقة" لم أرد أن ينبع التوتر من مشاهد صادمة أو مفاجئة، بل من اللحظات التي تلتزم فيها الشخصيات الصمت أو تتردد في القيام بحركة صغيرة جداً. بالنسبة لي، الصمت ليس فراغاً عاطفياً، بل وسيلة تجعل القارئ يملأ ذلك الفراغ بنفسه بالقلق والتوتر. وأثناء تحويل العمل من نسخة الويب إلى النسخة المطبوعة، كنت واعياً للاختلاف بين إيقاع التمرير العمودي وإيقاع تقليب الصفحات. ففي نسخة الويب كان الفراغ بين المشاهد عنصراً أساسياً في صناعة التوتر، أما في الكتاب فقد أصبحت أفكر أكثر في كيفية ترتيب الإطارات داخل الصفحة الواحدة، وما الشعور الذي يبقى لدى القارئ عندما ينتقل إلى الصفحة التالية. أما عنوان "الغرفة الضيقة" فهو استعارة مكانية للعزلة، وللمشاعر السرية والخفية والأسرار التي لا يستطيع الإنسان كشفها للآخرين.

تبدو رسوماتك هادئة ظاهرياً لكنها تترك إحساساً غريباً بالقلق. هل تستخدم العناصر المعمارية مثل الممرات والأبواب والجدران والنوافذ والغرف الضيقة والألوان بشكل مقصود للتعبير عن الحالة النفسية أكثر من تصوير المكان الواقعي؟ وكيف تحدد التوازن بين الحوار والصمت؟
في "الغرفة الضيقة" ركزت معظم التفاصيل على الشخصيات، بينما حاولت أن أقدم أقل قدر ممكن من تفاصيل المكان، مكتفياً بالمعلومات الضرورية التي تتيح للقارئ فهم البيئة التي تجري فيها الأحداث. لذلك لا أعتقد أنني استخدمت تلك العناصر المعمارية عمداً كرموز نفسية، بل أرى أن البيئة التي تعيش فيها داييه كانت بطبيعتها عنصراً لا يمكن فصله عن إحساسها بالعزلة. أما الألوان فقد قمت بضبطها وفق أجواء كل مشهد. شعرت أن الألوان الباستيلية الخافتة والرطبة، التي تشبه منظر الشتاء بعد ذوبان الثلوج وتحولها إلى اللون الرمادي، تناسب أجواء العمل.

في مرحلة السيناريو والتخطيط البصري يكون الحوار دائماً أكثر مما يظهر في النسخة النهائية. فعندما أرى المشهد مكتملاً أكتشف غالباً أن الرسم يقوم بالفعل بما كان الحوار سيقوله، وعندها أحذف الكلام. أما موازنة الحوار والصمت فأقوم بها عبر التحول إلى قارئ وإعادة قراءة العمل. فإذا شعرت أثناء القراءة بانخفاض التركيز أو ضعف السلاسة، أنتقل إلى دور المحرر وأبدأ التعديل.

صورة لصفحة من داخل قصة الغرفة الضيقة. (تعود حقوق الصورة إلى تشوي سونغ مين ودار دراون آند كوارتِرلي وتم أخذ الإذن لاستخدامها)

صورة لصفحة من داخل قصة الغرفة الضيقة. (تعود حقوق الصورة إلى تشوي سونغ مين ودار دراون آند كوارتِرلي وتم أخذ الإذن لاستخدامها)


كيف يؤثر وضع المجتمع الكوري المعاصر في أعمالك؟ وما أبرز التحديات التي تواجهها النساء الكوريات في المجتمع برأيك؟ وكيف تحاول التعبير عن ذلك في أعمالك؟ وما الدور الذي تعتقد أن الفن يجب أن يؤديه داخل المجتمع؟
لم تبدأ "الغرفة الضيقة" كعمل يهدف مباشرة إلى الحديث عن المجتمع الكوري المعاصر أو عن الصعوبات التي تواجهها النساء الكوريات. فأنا لا أبدأ عادة بتحديد رسالة اجتماعية ثم أبني قصة لخدمتها. لكنني أعتقد أن أي عمل خيالي لا يمكن أن ينفصل تماماً عن الواقع الذي عاشه مؤلفه. و"الغرفة الضيقة"، رغم كونها قصة خيالية، تحتوي على أحاسيس ومشاهدات وتجارب استقيتها من الواقع. العلاقة بين المديرة وداييه مثال على ذلك. لم أخلق شخصية المديرة من أجل تناول قضية اجتماعية محددة، لكنني كنت مدركاً أثناء الرسم لمدى الإزعاج والتهديد الذي يمكن أن يشعر به شخص عندما يتعرض لفيض من الاهتمام غير المرغوب فيه داخل علاقة غير متكافئة في السلطة، مثل علاقة المديرة بالطالبة. لم يكن ذلك شعاراً مستورداً من خارج العمل، بل إحساساً واقعياً ظهر طبيعياً أثناء متابعة اختلال التوازن في العلاقة والمشاعر بين الشخصيتين.

الناس بطبيعتهم يحبون القصص ويستهلكونها. وأعتقد أن القصص الجيدة تكشف الحقيقة، سواء كانت حقيقة جميلة أم مزعجة. فهي تجعلنا نعيد اكتشاف قيمة الحقائق الجميلة التي أصبحت مبتذلة من كثرة التكرار، وتجبرنا على مواجهة الحقائق المزعجة التي نرغب في تجاهلها. وأؤمن بأن هذه القصص تترك تموجات أو شروخاً داخل من يتلقاها. أن تجعل شخصاً يواجه مشاعره الحقيقية من خلال قصة يظن في البداية أنها لا تخصه، هذه هي القوة القديمة التي تمتلكها جميع وسائط السرد.

كيف شعرت عندما تُرجم عملك إلى اللغة الإنجليزية؟ وكيف كان التعاون مع المترجمة جانيت هونغ؟ وهل شاركت بنفسك في عملية الترجمة؟ وهل لاحظت اختلافاً بين ردود فعل القراء الكوريين والقراء في الخارج؟ وهل لديك أعمال أخرى مترجمة أو قيد الترجمة؟
كان شعوراً غريباً، وما زلت حتى الآن لا أستوعبه بالكامل. هناك متابعون أجانب على وسائل التواصل الاجتماعي يخبرونني أنهم يحبون رسوماتي، وكنت أتساءل دائماً: هل سيحبون مانغاي أيضاً؟ وهل ستختلف انطباعاتهم بسبب اختلاف الثقافة؟ لذلك أشعر بالفخر والامتنان لأن النسخة الإنجليزية من "الغرفة الضيقة" صدرت بفضل فرصة رائعة وبالتعاون مع مترجمة ودار نشر متميزتين.

لم أشارك شخصياً في عملية الترجمة، لأنني لا أجيد الإنجليزية إطلاقاً، ولهذا أشعر بالأسف لأنني غير قادر على قراءة النسخة الإنجليزية والاستمتاع بها كما ينبغي. لم أتلقَّ بعد عدداً كبيراً من ردود الفعل، لكنني سعدت بسماع بعض القراء يقولون إن العمل كان ممتعاً ومؤثراً. ويبدو أن الضغط الذي تمارسه المديرة على داييه، وكذلك شعورها بالعزلة، قد وصلا بوضوح إلى القراء. هناك أيضاً عملان قصيران مترجمان صدرا عن دار نشر "برنت"، وهما "قصة كويكب" و"في المتعبة".

من بين أعمالك، هل هناك عمل تشعر تجاهه بارتباط خاص؟ وكيف تغير أسلوبك البصري واهتماماتك الموضوعية مع مرور الوقت؟
العمل الأقرب إلى قلبي هو القصة القصيرة "رحلة من أجل لحظة مثالية". وهي قصة ذات طابع ميتاسردي عن رسام مانغا يسافر إلى مدينة غيونغجو من أجل البحث، ثم يمر بتجربة خيالية تصبح لاحقاً مادة لقصة قصيرة يرسمها بنفسه. أحب هذا العمل لأنه جعلني أدرك أن هذا النوع من القصص يمثل أحد المحاور الأساسية التي أرغب في تقديمها من خلال المانغا، ولذلك أشعر نحوه بارتباط خاص.

في بداياتي كان أسلوبي الفني خشناً وبسيطاً نسبياً، أما الآن فأصبحت الأعمال أكثر ترتيباً ودقة من الناحية البصرية. وأعتقد أن لكل أسلوب نوع الأعمال الذي يناسبه. لكنني أشعر حالياً بأن الرسوم البسيطة والواضحة تتوافق أكثر مع ذائقتي الشخصية، لذلك أواصل تطوير هذا الاتجاه منذ فترة. أنا شخص يميل كثيراً إلى التأمل في ذاته، ولهذا أفكر باستمرار في التناقضات والمشاعر المزدوجة الموجودة داخل الإنسان الواحد. تنجذب نفسي إلى الأشياء التي يصعب اختزالها في تعريف واحد أو تفسير بسيط، ولهذا أجد نفسي منذ "الغرفة الضيقة" أواصل رسم الشخصيات المتناقضة والتي يصعب فهمها بسهولة.

كيف تختار عادة موضوعات أعمالك؟ وهل تعتمد أكثر على الإلهام أم على التخطيط؟ وهل لديك روتين عمل خاص؟ وما النصيحة التي تود تقديمها للفنانين وصناع المانغا الجدد؟
أحياناً تظهر الشخصية أولاً، وأحياناً تظهر الحبكة أولاً. لا أبدأ عادة برسالة محددة أحاول فرضها على القصة. أثناء العمل أتعرف أكثر إلى شخصياتي، ومع ذلك تتضح أيضاً الأفكار التي أرغب في التعبير عنها. أحاول ألا أعتمد بالكامل على الإلهام، ولا أن أكون أسير التخطيط وحده. أبني هيكلاً قوياً للعمل، لكنني أترك مساحة تسمح للإلهام بالتدخل أثناء التنفيذ. وفي حالتي، كلما كان التعاون بين التخطيط والإلهام أفضل، ارتفعت جودة العمل.

أما روتين عملي فهو بسيط جداً. أستيقظ من النوم، أغسل وجهي، أعد فنجاناً من القهوة، ثم أجلس مباشرة إلى المكتب وأبدأ العمل. الأهم بالنسبة لي هو أن أبدأ العمل بأسرع وقت ممكن بعد بداية اليوم. كما أن نوع المهمة التي أبدأ بها يومي مهم جداً. أختار دائماً جزءاً يجعلني أرغب في العودة إلى العمل في اليوم التالي، مثل رسم لقطة بسيطة لوجه شخصية. أما إذا بدأت اليوم برسم مشهد لمقهى مليء بالطاولات والتفاصيل المعقدة, فإنني أجد صعوبة في الدخول إلى جو العمل.

من الصعب جداً تقديم نصائح عامة لأن ظروف الفنانين وطبائعهم تختلف. كما أنني أشعر في كل مرة أبدأ فيها عملاً جديداً وكأنني أصنع المانغا لأول مرة. ومع ذلك، إذا كان عليّ تقديم نصيحة واحدة فهي ألا تمكثوا طويلاً في مرحلة التخطيط البصري. حتى لو كان العمل غير متقن، أنجزوا مخطط القصة كاملاً من البداية إلى النهاية بسرعة، ثم عودوا إليه مرات عديدة للتعديل والتحسين. فقضاء أسابيع أو أشهر في مشهد واحد لا يؤدي بالضرورة إلى إخراج أفضل، بل قد يجعلكم تفقدون الإيقاع العام والتوازن الكلي للعمل. حتى لو انتهى الأمر بعمل غير ناجح، فإن تجربة إكمال العمل بحد ذاتها مهمة للغاية.

غالباً ما يكون العمل الأول مليئاً بخلاصة التجارب الشخصية، لذلك يمتلك كثافة عالية، لكن الأعمال التالية لا تكون كذلك دائماً. تأتي أحياناً فترات يشعر فيها المرء بأنه استنزف كل ما لديه, وفي تلك اللحظات يصبح القلق هو أكثر المشاعر إزعاجاً. وأنا أحاول دائماً ألا أتخذ قرارات فنية متسرعة بدافع الخوف أو التوتر. مقارنة بسرعة العالم من حولنا، فإن امتلاء عالمنا الداخلي يحدث ببطء شديد. وأعتقد أن الإبداع يعلمنا أن نفهم إيقاعنا الخاص وأن نحترمه. بالطبع، كثيراً ما أسقط أنا أيضاً في فخ تلك الإغراءات.

صور من داخل القصة المصورة للكاتب تايرد في. (تعود حقوق القصة إلى تشوي سونغ مين وتم أخذ الإذن لاستخدامها)

صور من داخل القصة المصورة للكاتب تايرد في. (تعود حقوق القصة إلى تشوي سونغ مين وتم أخذ الإذن لاستخدامها)


هل يمكن أن تحدثنا عن خططك المستقبلية ومسيرتك المهنية القادمة؟
أعمل حالياً على سلسلة بعنوان "بانزي" تُنشر عبر منصة "كاكاو ويبتون". هدفي الأول هو أن أنهي هذا العمل بسلام. وبعد الانتهاء منه أخطط للعودة إلى المانغا المطبوعة وصناعة أعمال قصيرة جديدة. أرغب في أن أعيش كرسام مانغا لفترة طويلة جداً، لأنني أحب هذا العمل حقاً. في الماضي كنت أبحث دائماً عن مبرر أو شرعية تسمح لي بالاستمرار في رسم المانغا، وكأن هناك جهة ما تمنحني ذلك الحق. أما الآن فأصبحت أتساءل بالعكس: لماذا لا أستطيع التوقف عن فعل هذا؟ أحاول باستمرار أن أجد طرقاً تساعدني على الاستمرار دون أن أصل إلى درجة من الإحباط تمنعني حتى من النهوض من سريري، وأن أتعلم كيف أشجع نفسي وأواصل المضي قدماً.

ختاماً، يذكرنا تشوي سونغ مين بأن الفن لا يحتاج دائماً إلى أحداث استثنائية كي يكون مؤثراً، بل يكفي أحياناً أن يلتقط لحظة إنسانية صادقة ويمنحها المساحة الكافية لتُرى وتُفهم. وربما لهذا السبب ستواصل أعماله الوصول إلى القراء بلغات وثقافات مختلفة.


dusrud21@korea.kr

هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.