المراسلة الفخرية غادة محمد من داخل متحف نامدو للفنون التقليدية، حيث استمتعت بمشاهدة مجموعة من اللوحات الكورية التقليدية والقطع الخزفية المعروضة، والتي عكست جمال الفن الكوري الكلاسيكي، كانت الزيارة فرصة رائعة للتعرف على جانب آخر من التراث الكوري بعيداً عن الموسيقى، والتأمل في الأعمال الفنية التي حافظت على روح الثقافة التقليدية عبر الأجيال. (تصوير: غادة محمد)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية غادة محمد
في أبريل 2025، أتيحت لي فرصة استثنائية لزيارة مدينة جيندو في جنوب غرب كوريا من خلال المشاركة في «برنامج تدريب مركز جيندو للجوجاك للأجانب والكوريين المقيمين بالخارج». وبصفتي من المهتمين بالموسيقى الكورية التقليدية، وخاصة فن السامولنوري، كنت دائماً أحلم بتعلم هذا الفن في موطنه الأصلي. لذلك عندما اكتشفت البرنامج الذي يتيح لفرق الجوجاك من مختلف أنحاء العالم التدريب المكثف في جيندو، سارعت مع مجموعة من طلاب أكاديمية الجوجاك في مصر إلى تأسيس فريق «نايل جاراك» (موسيقى النيل) والتقدم للمشاركة ممثلين لمصر.
استمرت الورشة التدريبية عشرة أيام، من 14 إلى 24 أبريل 2025، وكانت أكثر من مجرد برنامج موسيقي؛ فقد شكلت نافذة واسعة للتعرف على واحدة من أهم المناطق الحافظة للتراث الثقافي الكوري. فبينما تشتهر مدن مثل سول وبوسان بتطورها وحداثتها، تتميز جيندو بطابع مختلف تماماً، إذ تُعد من أبرز مراكز الثقافة التقليدية الكورية، وموطناً للعديد من الفنون الشعبية والموسيقى التراثية التي لا تزال حية حتى اليوم.
تمثال للأدميرال الكوري الشهير إي سون شين، أحد أبرز الشخصيات التاريخية في كوريا، والذي اشتهر بقيادته للقوات البحرية الكورية وتحقيقه انتصاراً تاريخياً في معركة ميونغ نيانغ. ويُعد التمثال رمزاً للفخر الوطني ويجسد الإرادة والشجاعة التي خلدتها الذاكرة الكورية. (تصوير: غادة محمد)
منذ اللحظات الأولى لوصولي، لفتت انتباهي الطبيعة الهادئة التي تحيط بالمدينة. تمتد الحقول الخضراء على مسافات واسعة، وتحيط الجبال والسواحل بالمشهد في تناغم جميل يعكس سحر الريف الكوري. لكن ما جعل التجربة أكثر تميزاً كان سكان جيندو أنفسهم. فقد لمست فيهم اعتزازاً كبيراً بتراثهم الثقافي ورغبة صادقة في مشاركته مع الزوار، وهو ما جعلني أشعر وكأنني ضيف مرحب به بين أفراد عائلة كبيرة.
صورة لمبنى مركز جيندو الوطني للجوجاك، حيث تلقينا التدريب خلال البرنامج، ويقع وسط طبيعة جيندو الهادئة التي تعكس روح المنطقة وتراثها الثقافي. (تصوير: غادة محمد)
ولأن جيندو تُعرف بأنها إحدى أهم حواضن الفنون التقليدية في كوريا، كان من الطبيعي أن تتضمن رحلتنا زيارة إلى متحف نامدو للفنون التقليدية. ويُعد المتحف مركزاً مهماً للحفاظ على الفنون الشعبية الخاصة بمنطقة الجنوب الغربي من كوريا، حيث يعرّف الزوار بالموسيقى التقليدية والرقصات الشعبية والحرف اليدوية التي تشكل جزءاً من الهوية الثقافية للمنطقة. وخلال الزيارة شاركنا في أنشطة ثقافية عملية أتاحت لنا التعرف على بعض هذه الفنون عن قرب. تعلمنا الرسم بالحبر الأسود على المراوح الكورية التقليدية، كما خضنا تجربة الصباغة التقليدية للأقمشة، حيث قمنا بطي وربط قطع القماش بطرق فنية قبل غمسها في الأصباغ الطبيعية، لنحصل في النهاية على تصاميم فريدة تحمل طابعاً تراثياً مميزاً. لم تكن هذه مجرد ورش فنية، بل كانت فرصة لفهم جانب من الحياة اليومية والثقافة الكورية التي تناقلتها الأجيال عبر مئات السنين.
خلال زيارتي لمنطقة هاينام، توقفت عند مركز أوسويونغ السياحي الذي يُعد من أبرز معالم المنطقة حيث جذبني تصميمه المميز واتساع الساحة المحيطة به، بينما أتاح لي التعرف على جانب مهم من التاريخ البحري الكوري من خلال المعارض والمرافق التي توثق قصة الأدميرال إي سون-شين ومعركة ميونغ ريانغ الشهيرة. (تصوير: غادة محمد)
ولم تقتصر تجربتنا على الجانب الفني فقط، بل تضمن البرنامج جولة ثقافية للتعرف على المعالم التاريخية والطبيعية في المنطقة. ومن أبرز المحطات التي لا يمكن نسيانها تلفريك هاينام البحري، الذي يربط بين جيندو ومنطقة هاينام المجاورة. وخلال الرحلة القصيرة داخل المقصورات الزجاجية، استمتعنا بإطلالة مذهلة على البحر والجزر الصغيرة المنتشرة في الأفق. وتزداد أهمية هذا الموقع بسبب مروره فوق مضيق أولدولموك، حيث وقعت معركة ميونغ ريانغ الشهيرة عام 1597، إحدى أهم المعارك البحرية في التاريخ الكوري. ففي هذا المكان قاد الأدميرال إي سون-شين أسطولاً كورياً مكوناً من 13 سفينة فقط وحقق انتصاراً تاريخياً على أسطول ياباني ضخم حوالي 130-333 سفينة. واليوم لا يقتصر الموقع على كونه وجهة سياحية ذات مناظر خلابة، بل يمثل أيضاً رمزاً للفخر الوطني الكوري وتخليداً لواحدة من أعظم صفحات التاريخ البحري في البلاد.
صورة من داخل معبد سانغغييسا، لفتت انتباهي الفوانيس الملونة التي زينت أرجاء المعبد، مضيفة لمسة من الجمال والهدوء إلى المكان، وبين العمارة الكورية التقليدية والطبيعة المحيطة، عكست الزيارة جانباً من الثقافة والروحانية الكورية التي ما زالت حاضرة بقوة حتى اليوم. (تصوير: غادة محمد)
أما في اليوم الأخير من التدريب، فقد قررت استغلال الوقت المتبقي لزيارة معبد سانغغييسا، أحد أقدم المعابد البوذية في المنطقة وأكثرها هدوءاً. يقع المعبد وسط الطبيعة الجبلية، وتحيط به الأشجار والمساحات الخضراء التي تضفي عليه أجواء من السكينة والتأمل. ويُعرف المعبد بأهميته الدينية والتاريخية إذ ظل لقرون مكاناً للعبادة والدراسة البوذية. وبين أروقته الخشبية التقليدية وحدائقه الهادئة شعرت بقدر كبير من الراحة والهدوء، وكأن الزيارة كانت ختاماً مثالياً لأيام مليئة بالتعلم والتجارب الجديدة.
عندما أفكر اليوم في جيندو، لا أتذكر فقط قاعات التدريب أو العروض الموسيقية، بل أتذكر مدينة حافظت على روحها التقليدية وسط عالم سريع التغير. إنها مكان يجمع بين الفن والتاريخ والطبيعة والإنسان، ويمنح زواره فرصة نادرة لاكتشاف وجه مختلف من كوريا، وجه أكثر هدوءاً وعمقاً وأصالة.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.