الصورة تُظهر الدكتورة كيم مين-جي خلال المحاضرة التي نظمتها جمعية كوريا عبر منصة يوتيوب في 19 مايو. (المصدر: لقطة شاشة من قناة جمعية كوريا على يوتيوب)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية غدير محمد الرفاعي
هل تعكس الأزياء التاريخية في الدراما الكورية الماضي كما كان فعلًا، أم أنها تقدم نسخة معاصرة منه؟ شكل هذا السؤال محور المحاضرة التي نظمتها جمعية كوريا عبر منصة اليوتيوب في التاسع عشر من مايو، والتي تناولت العلاقة بين تاريخ الأزياء الكورية وتمثيلها في الدراما والسينما التاريخية. وقد ركزت المحاضرة على قضايا الدقة التاريخية، وإعادة بناء الماضي بصريًا، والدور الذي تؤديه الملابس في تشكيل الشخصيات وصناعة المعنى داخل الأعمال الدرامية.
افتتحت المحاضرة بمناقشة مسألة الدقة التاريخية في الأزياء المعروضة على الشاشة مع التأكيد على أن الدراما التاريخية لا يمكن اعتبارها مرجعًا موثوقًا لتاريخ الأزياء. فالمعرفة التاريخية تعتمد على الوثائق والقطع الأثرية والمصادر البصرية، ويقوم المؤرخون بالمقارنة بينها للوصول إلى تصور أقرب للواقع. ومن هنا طُرحت فكرة أساسية مفادها أن التاريخ ليس صورة ثابتة، بل عملية مستمرة من التفسير وإعادة البناء. ومن وجهة نظري، تبرز هذه الإشكالية كأحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الدراما الكورية التاريخية، إذ يميل بعض المشاهدين العالميين إلى اعتبار ما يُعرض حقيقة مكتملة، بينما تكشف الدراسات أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن تاريخ الأزياء الكورية ما يزال في حالة تشكل وتطور معرفي مستمر.
أوضحت الدكتورة كيم مين-جي، المتخصصة في تاريخ الأزياء الكورية، أن الاكتشافات الأثرية مثل السراويل متعددة الطبقات التي وُجدت في المقابر، دفعت إلى إعادة النظر في بعض الفرضيات السابقة حول الأزياء التقليدية. كما أشارت إلى أن دراسة تاريخ الأزياء في كوريا حقل أكاديمي حديث نسبيًا لا يتجاوز عمره نحو سبعين عامًا، وهو ما يفسر استمرار ظهور اكتشافات جديدة وإمكانية مراجعة بعض المسلمات.
وخلال المحاضرة، بدأتُ أنظر إلى الأزياء في الدراما من زاوية مختلفة؛ فبدل اعتبارها عنصرًا جماليًا فقط، تبدو أداة سردية تعبر عن مشاعر الشخصيات وتحولاتها. ومن هنا انتقلت المحاضرة للتمييز بين الأزياء اليومية وأزياء الدراما؛ فالأولى تعكس هوية الفرد وذوقه، بينما تُصمم الثانية لخدمة السرد الدرامي، بحيث تُترجم الحالة النفسية والاجتماعية والدور عبر اللون والخامة والتفاصيل البصرية.
وفي هذا السياق، دعمت الدكتورة طرحها بأمثلة متعددة من الدراما والسينما، من بينها توظيف الألوان في بناء المعنى الدرامي. فمثلًا اللون الأبيض في ملابس بعض الملوك يعبر عن الخضوع والاستسلام. كما ظهر الملك في الفيلم الكوري «حارس الملك» الذي عرض هذا العام، مرتديًا الأبيض خلال مرحلة عزله ونفيه إلى مكان ناءٍ، بما يعكس تحول الحالة السياسية والنفسية للشخصية عبر اللغة البصرية للملابس.
الصورة تُظهر الملصق الترويجي للفيلم الكوري «حارس الملك»، حيث يظهر الملك مرتديًا الملابس البيضاء. (المصدر: الصفحة الرسمية لشركة شوبوكس، الموزعة للفيلم، على إنستغرام)
ومن أبرز المفاهيم التي طرحتها المحاضرة مفهوم «وهم الماضي»، الذي دفعني للتأمل في طريقة تلقي الأعمال التاريخية. فالمشاهد غالبًا ما يبحث عن الحقيقة التاريخية، لكنه في الواقع يتفاعل مع صورة معاصرة أُعيد تشكيلها بعناية لتبدو مقنعة. ويشير هذا المفهوم إلى أن الأزياء الدرامية لا تعيد إنتاج الماضي بصورة حرفية، بل تقدم تصورًا بصريًا مُقنعًا له، يخلق إحساسًا بالماضي أكثر مما يعكسه بدقة. ولهذا قد تُستخدم خامات حديثة وأقمشة صناعية وتقنيات تطريز معاصرة لتحقيق التأثير البصري المطلوب. كما تناولت الدكتورة أيضًا مفهوم «المفارقة التاريخية»، الناتج عن ظهور شخصيات تاريخية بأزياء تنتمي إلى حقب زمنية مختلفة عن تلك التي عاشوا فيها.
ومن جهة أخرى، استعرضت المحاضرة مسلسل «السيد المشرق» بوصفه نموذجًا متقدمًا للدقة البصرية في تصميم الأزياء، حيث جرى تنسيق العناصر البصرية كافة من أزياء وإضاءة وتصوير وديكور لإنتاج عالم درامي متكامل يمنح المشاهد إحساسًا مقنعًا بالحقبة التاريخية. كما استُلهمت بعض تصميمات الدروع فيه من قطع أثرية محفوظة بالفعل في متاحف عالمية تحمل نقوشًا ذات دلالات رمزية كان يُعتقد أنها تمنح الحماية لمرتديها.
الصورة تُظهر لقطة شاشة أثناء المحاضرة يظهر فيها صور ترويجية لمسلسل السيد المشرق. (المصدر: قناة تي في إن)
من الجوانب التي استوقفتني أيضًا أن تأثير الدراما التاريخية لا يقتصر على إعادة بناء الماضي، بل يمتد إلى الحاضر ويؤثر في الذوق العام واتجاهات الموضة. ولهذا تناولت المحاضرة التأثير المتبادل بين الدراما والموضة، ودور الأعمال التاريخية في إعادة إحياء الاهتمام بالهانبوك بين فئة الشباب في كوريا. كما تطرقت المحاضرة بعد ذلك إلى تطور تسريحات الشعر ودلالاتها الاجتماعية في المجتمع الكوري القديم.
الصورة تُظهر لقطة شاشة تُبرز أنماط الملابس العلوية بشكلها القصير، كما ظهرت في ملابس بطلة مسلسل السيد المشرق. (المصدر: المتحف الوطني للفنون الشعبية في كوريا، متحف جامعة سوكميونغ النسائية، ومتحف سيوك جو-سون التذكاري بجامعة دانكوك)
في الختام، قدم هذا النقاش في مجمله رؤية أوسع لطبيعة الدراما التاريخية، حيث لا يُعد الزي التقليدي مجرد عنصر شكلي، بل يتحول إلى جزء من اللغة السردية والبصرية للعمل. كما يصبح الماضي المعروض على الشاشة بناءً معاصرًا مُعاد تشكيله، يهدف إلى تحقيق الإقناع البصري لدى المشاهد وإنتاج إحساس مقنع بالحقبة التاريخية.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.