المقاهي الكورية لا تقدم القهوة فقط، بل توفر مساحات تجمع بين الراحة والتصميم والأجواء الهادئة. (تصميم: إسراء الزيني)
بقلم مراسلتي كوريا نت الفخريتين المصريتين إسراء الزيني وسلوى الزيني
عندما زرنا كوريا للمرة الأولى قبل سنوات، لفت انتباهنا العدد الكبير من المقاهي المنتشرة في كل مكان. في ذلك الوقت، اعتقدنا أن الأمر مجرد انعكاس للحياة العصرية أو لازدهار السياحة، خاصة أن كثيرًا من دول شرق آسيا تُعرف بثقافة الشاي أكثر من القهوة. لكن مع تكرار زياراتنا إلى كوريا، بدأنا نكتشف أن القهوة هناك ليست مجرد مشروب يومي، بل جزء من تفاصيل الحياة نفسها.
في الجامعة وفي أماكن العمل وعلى الشواطئ وحتى داخل متاجر البقالة الصغيرة، كانت القهوة حاضرة باستمرار. ولم يقتصر الأمر على المقاهي الكبيرة أو العلامات التجارية المعروفة، بل امتد إلى القهوة سريعة التحضير التي تُقدَّم في المدارس والمكاتب، والمشروبات الباردة التي يحملها الناس معهم أثناء تنقلهم في شوارع سيئول المزدحمة.
منتجات القهوة والشاي الكوري أصبحت متاحة خارج كوريا، حاملة معها جزءًا من تجربة الحياة اليومية الكورية. (تصوير: سلوى الزيني)
بعد عودتنا إلى مصر، ظننا أن هذه المشاهد ستبقى مجرد ذكريات مرتبطة برحلاتنا إلى كوريا. لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأنا نلاحظ ظهور كثير من التفاصيل التي اعتدنا رؤيتها هناك في حياتنا اليومية هنا أيضًا.
ففي المتاجر المتخصصة في بيع المنتجات الكورية، لم تعد الأرفف تقتصر على الراميون أو الوجبات الخفيفة، بل أصبحت تضم أنواعًا مختلفة من القهوة الجاهزة، والمشروبات المثلجة، والشاي الكوري بنكهات الفاكهة، إلى جانب أكواب الثلج الجاهزة التي تُستخدم لتحضير المشروبات الباردة بالطريقة نفسها المنتشرة في متاجر البقالة الكورية.
ومؤخرًا أتيحت لنا فرصة تجربة مجموعة من أنواع الشاي الكوري بنكهات الخوخ والتوت والحمضيات. ورغم أن المقال يتناول القهوة بالأساس، فإن هذه التجربة جعلتنا نلتفت إلى جانب آخر من ثقافة المشروبات في كوريا. فالأمر لا يتعلق بالمذاق فقط، بل بالطريقة التي تُقدَّم بها هذه المشروبات، والاهتمام بالتفاصيل، والتنوع الذي يجعلها جزءًا من أسلوب الحياة اليومي.
في تلك اللحظة بدأنا نتساءل: كيف أصبحت القهوة والمشروبات اليومية جزءًا مهمًا من الهوية المعاصرة لكوريا إلى هذا الحد؟
بين صفحات مجلة «كوريا» وكوب القهوة، بدأنا نتتبع قصة التحول الذي جعل من كوريا واحدة من أبرز وجهات القهوة في آسيا. (تصوير: سلوى الزيني)
عاد هذا السؤال إلى أذهاننا عندما وصلنا عدد مارس من مجلة «كوريا» الذي خُصص لثقافة القهوة والمقاهي في البلاد. وما لفت انتباهنا في هذا العدد أنه لم يتعامل مع القهوة باعتبارها مجرد مشروب شائع، بل كنافذة لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها كوريا خلال العقود الماضية.
فالقهوة في كوريا لم تبدأ بالشكل الذي نعرفه اليوم. فقد مرت بمراحل عديدة، من المقاهي التقليدية القديمة إلى انتشار القهوة سريعة التحضير خلال فترات النمو الاقتصادي السريع، وصولًا إلى ظهور المقاهي المتخصصة التي أصبحت اليوم جزءًا من هوية المدن الكورية.
ومن بين القصص التي تناولها العدد، استوقفتنا قصة مدينة كانغنيونغ الساحلية، التي تحولت مع مرور الوقت إلى ما يُعرف اليوم باسم «مدينة القهوة». فبعد أن كانت تشتهر بشواطئها ومناظرها الطبيعية، أصبحت وجهة يقصدها عشاق القهوة من مختلف أنحاء البلاد، حيث تنتشر المقاهي المطلة على البحر ومحامص البن المتخصصة التي أسهمت في تشكيل ثقافة قهوة فريدة من نوعها.
وخلال زياراتنا إلى كوريا، كان من السهل ملاحظة هذا الارتباط بين المكان والقهوة. فلكل مقهى تقريبًا شخصيته الخاصة؛ بعضها يستوحي تصميمه من المنازل الكورية التقليدية، وبعضها يطل على البحر أو الجبال، بينما يركز بعضها الآخر على طرق التحضير اليدوية التي تحول إعداد القهوة إلى تجربة بحد ذاتها.
عددان من مجلة «كوريا» يفصل بينهما خمسة أعوام، لكنهما يجتمعان في توثيق تطور ثقافة القهوة والمقاهي في كوريا. (تصوير: إسراء الزيني)
وربما كان أكثر ما جذب انتباهنا في الملف الذي نشرته المجلة هو أن نجاح المقاهي الكورية لم يكن قائمًا على المشروبات وحدها، بل على قدرتها على خلق تجربة متكاملة. فالقهوة تُقدَّم إلى جانب التصميم والموسيقى والإطلالة والأجواء العامة التي تجعل الزائر يرغب في البقاء لفترة أطول.
ولهذا لم تعد المقاهي في كوريا مجرد أماكن لتناول القهوة، بل أصبحت جزءًا من المشهد الثقافي والاجتماعي في البلاد. فاليوم، من الطبيعي أن ترى طلابًا يقضون ساعات طويلة في الدراسة داخل المقاهي، أو موظفين يعملون على حواسيبهم المحمولة، أو أصدقاء يجتمعون لقضاء الوقت وتبادل الأحاديث.
واللافت أن هذا النموذج بدأ يتجاوز حدود كوريا. فمع انتشار الثقافة الكورية عالميًا، لم تعد كوريا تصدّر المنتجات فقط، بل بدأت تصدّر أسلوب حياة كاملًا. ويمكن ملاحظة ذلك في الانتشار المتزايد للمشروبات الكورية والمقاهي المستوحاة من الثقافة الكورية وحتى في الطريقة التي يتعامل بها كثير من الشباب مع المقاهي باعتبارها مساحة للدراسة والعمل واللقاءات الاجتماعية.
مقال يستعرض كيف تجاوزت القهوة الكورية حدود البلاد لتصبح جزءًا من مشهد القهوة العالمي. (تصوير: إسراء الزيني)
وربما لهذا السبب، لم تعد القهوة بالنسبة لنا مجرد مشروب ارتبط بذكريات السفر إلى كوريا، بل أصبحت نافذة لفهم جانب من الحياة اليومية الكورية. فمن خلال قصة القهوة، يمكن رؤية كيف استطاعت كوريا أن تحوّل عادة يومية بسيطة إلى تجربة ثقافية متكاملة، وأن تمنح شيئًا عالميًا مثل القهوة طابعًا كوريًا مميزًا.
القهوة والمجلات والسفر؛ ثلاثية كثيرًا ما تجتمع في تجربة اكتشاف كوريا وثقافتها المعاصرة. (تصوير: إسراء الزيني)
وفي النهاية، ربما لا تكمن أهمية القهوة الكورية في مذاقها وحده، بل في القصة التي تحملها. فخلف كل كوب قهوة أو شاي توجد حكاية عن مدينة، أو مقهى، أو شخص كرّس سنوات من حياته لإتقان هذه الحرفة. ولهذا لم تنجح كوريا في تصدير القهوة إلى العالم فحسب، بل نجحت أيضًا في تصدير الثقافة والتجربة المرتبطتين بها، لتصبح القهوة بالنسبة للكثيرين وسيلة لاكتشاف كوريا من زاوية مختلفة.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.