صورة للشيف ثريا جمال. (المصدر: الصفحة الشخصية للشيف ثريا جمال على الفيسبوك)
بقلم مراسل كوريا نت الفخري المصري عزت ياسين
بين أروقة المركز الثقافي الكوري بالقاهرة، حيث تفوح رائحة التقاليد العريقة وتمتزج الأصوات بابتسامات التبادل الثقافي، التقينا بنموذج استثنائي يجسد الدبلوماسية الشعبية في أبهى صورها. هي ليست مجرد طاهية عادية، بل سفيرة غير رسمية للمذاق الكوري الأصيل في مصر والعالم العربي؛ الشيف ثريا جمال، صاحبة أحد أشهر المطاعم الكورية، والتي لم تكتفِ بالنجاح الكبير الذي حققته، بل وجدناها تجلس كطالبة شغوفة تحضر دورة تدريبية متخصصة في المركز الثقافي لتعلم فنون الحلويات الكورية التقليدية، لتثبت أن رحلة الإبداع والتعلم لا تتوقف أبداً.
في مستهل حديثي معها، كشفت الشيف ثريا عن الجذور الأولى التي أنبتت هذا الحب الجم بكوريا وثقافتها، حيث عادت بذاكرتها إلى مرحلة الطفولة في العاصمة الإماراتية أبوظبي. هناك، في بيئة مدرسية دولية ضمت جنسيات وثقافات متعددة من كل حدب وصوب، التقت بصديقات كوريات، ومن خلال تلك الصداقات الطفولية البريئة، تعرفت لأول مرة على تفاصيل مغايرة من الحياة اليومية الكورية، وبدأت نبتة الفضول والشغف تنمو بداخلها تجاه هذا العالم المليء بالتفاصيل الدافئة والمبهجة.
صورة توضح مطبخ المطعم الخاص بالشيف ثريا جمال والأكلات الكورية المختلفة التي تعدها بمطعمها. (تصوير: عزت ياسين)
هذا الفضول الطفولي سرعان ما وجد ما يغذيه ويدعمه مع بداية انفتاحها على عالم الدراما الكورية؛ حيث فتحت لها الشاشات نافذة سحرية على العادات والتقاليد، وأبهرتها طقوس المائدة الكورية والأطباق المتنوعة التي تظهر في المشاهد، والتي تعبر عن الهوية الكورية بعمق. من هنا تولد لديها هدف حياتي كبير وصادق، وهو ألا تكتفي بمشاهدة هذه الثقافة من بعيد، بل أن تخوض غمارها بنفسها من خلال احتراف الطهي الكوري بجميع أسراره وأنواعه، وصولاً إلى تأسيس مطعم خاص بها ينقل هذه التجربة الحية إلى قلب المجتمع العربي والمصري.
تحول الحلم إلى حقيقة ملموسة، وأصبح مطعمها اليوم علامة بارزة يقصدها عشاق الثقافة الكورية والهاليو. ولم يكن هذا النجاح غائباً عن الأعين الرسمية؛ إذ حظي مطعمها بزيارة رفيعة المستوى من السفير الكوري الجنوبي لدى مصر، والذي حرص على زيارتها وتناول الأطباق الكورية التقليدية من صنع يديها، وهو ما اعتبرته الشيف ثريا وساماً رفيعاً يعكس دقة ومصداقية النكهات التي تقدمها، وشهادة رسمية بأنها نجحت في الحفاظ على الهوية الأصيلة للمطبخ الكوري (الهانسيك).
صورة توضح مطعم الشيف ثريا للأكل الكوري. (تصوير: عزت ياسين)
وعندما سألناها عن سر الأجواء الدافئة والمميزة التي يشعر بها كل من يطأ قدمه داخل مطعمها، ابتسمت قائلة إن المطعم يُدار بروح العائلة؛ فجميع العاملين فيه من شيفات وطاقم خدمة وإدارة هم من النساء فقط. وأكدت أن هذه البيئة النسائية الخالصة خلقت حالة من الأخوة والتقارب الشديد والانسجام الفائق بين الجميع، مما ينعكس بشكل إيجابي على جودة العمل والطاقة الإيجابية التي تملأ المكان، ويجعل الزبائن يشعرون وكأنهم يتناولون وجبة منزلية دافئة في ضيافة عائلة كورية حقيقية.
صورة الشيف ثريا جمال أثناء إعداد الأطعمة بمطعمها الكوري. (تصوير: عزت ياسين)
ورغم كل هذه الإنجازات والنجاحات التي يُشار إليها، أخذنا الحوار إلى الزاوية الأكثر عمقاً وتميزاً في شخصيتها؛ وهي وجودها اليوم في المركز الثقافي الكوري لتعلم الحلويات الكورية وتطوير مهارتها فيها. فبينما تُعد الشيف ثريا أستاذة يُشار إليها بالبنان في إعداد الأطباق الكورية الرئيسية الساخنة والمقبلات بمختلف تعقيداتها، ونالت عن جدارة ثقة كبار المسؤولين وعشاق المذاق الآسيوي، إلا أنها تعترف بتواضع العلماء والأساتذة الكبار بأن فنون الحلويات الكورية التقليدية كانت لا تزال تمثل مساحة بكر وعالماً قائماً بذاته يحتاج منها إلى مزيد من التعمق والدراسة الأكاديمية المتخصصة. فالطاهي الحقيقي يدرك أن المطبخ الكوري ليس مجرد وصفات تُنقل، بل هو فلسفة وتاريخ ممتد، وحينما يتعلق الأمر بالحلويات التقليدية مثل «التاك» أو حلوى الأرز، فإن الأمر يتطلب دقة بالغة وفهماً لثقافة المناسبات والأعياد الكورية المرتبطة بهذه الأطباق. هذا الإصرار على سد الفجوات المهنية، والجلوس مجدداً في مقاعد المتدربين رغم النجومية، والبحث المستمر عن التطور وتلقي المعرفة من منبعها الرسمي داخل المركز الثقافي، هو ما يميز المبدع الحقيقي الذي يسعى نحو الكمال في حرفته عن الهواة الذين يكتفون بظاهر النجاح.
وفي ختام حوارنا الشيق، شاركتنا الشيف ثريا جمال أحلامها المستقبلية الكبيرة التي لا تزال تسعى خلفها بكل شغف؛ مؤكدة أن الحلم الأكبر الذي يراودها حالياً وينتظر التحقيق هو السفر إلى كوريا الجنوبية، لكي تتجول في أسواقها التقليدية وتتذوق الأطعمة من منبعها الأصلي، وتتعمق أكثر في فهم أسرار هذا الشعب المعطاء. إن رحلة الشيف ثريا جمال هي تجسيد حي لقوة الدبلوماسية الثقافية التي تبدأ بفضول طفولي، وتمر عبر شاشات الدراما، لتستقر في النهاية كجسر ممتد يربط بين القلوب من خلال متعة التذوق ومشاركة الثقافات.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.