قطعة هندسية من الخيوط الذهبية للفنانة جانغ جي-هي ، من معرضها السابق في سيئول يوم 26 أبريل 2026. (المصدر: الفنانة جانغ جي-هي وتم أخذ الإذن لنشرها)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية مريم صلاح
لطالما ارتبطت الخيوط بالحرفية التقليدية والصبر، إلا أنها أصبحت في الفن المعاصر وسيلة للتعبير عن الهوية والمشاعر وإعادة قراءة التراث من منظور حديث. وفي الفن الكوري المعاصر، يواصل عدد من الفنانين استكشاف إمكانات المواد التقليدية بوصفها جزءًا من حوار أوسع حول الثقافة والهوية. وتُعد الفنانة الكورية جانغ جي-هي من بين الفنانين الذين يوظفون فن النسيج لاستكشاف العلاقة بين الذاكرة والتعبير الشخصي والجماليات الكورية المعاصرة. وتتأثر أعمالها بمفهوم يوبايك الذي يقدّر الفراغ والصمت والمساحات الفاصلة بين العناصر البصرية. وأُجريت هذه المقابلة عبر منصة إنستغرام خلال الفترة من 28 مايو إلى 2 يونيو 2026 بهدف تسليط الضوء على كيفية إعادة الفنانين الكوريين المعاصرين توظيف المواد التقليدية في سياقات فنية حديثة ومساعدة القراء على فهم التحولات التي يشهدها الفن الكوري المعاصر.
هل يمكنكِ أن تعرفي نفسكِ لقرائنا؟ ومتى بدأتِ استخدام الخيوط كوسيطكِ الفني الرئيسي بدلًا من الألوان التقليدية؟
مرحبًا، أنا جانغ جي-هي، فنانة أرسم باستخدام الخيوط. يجمع عملي بين مادة الخيط الكورية والمشاعر والأحاسيس المرتبطة بالفن التشكيلي. والخيط مادة تنسجم مع ما يحيط بها، وفي الوقت نفسه تحتفظ بلونها الأصلي الخاص. وبالنسبة لي، يرمز ذلك إلى كيفية حفاظنا على هويتنا الذاتية أثناء عيشنا داخل المجتمع. ومن خلال الحياكة والتطريز اختبرت كيف يمكن للانغماس المتكرر في العمل أن يساعد على تنظيم العقل وشفائه، وقد قادتني هذه التجربة بشكل طبيعي إلى البدء في استخدام الخيوط كوسيط فني أساسي منذ عام 2023. ويتطور عملي من خلال سردين رئيسيين، الأول هو البحث عن الذات والذي يعكس شخصيتي في الماضي وهي تبحث عن هويتها من خلال التساؤل: من أنا؟ أما الثاني فهو التجريد العاطفي والذي يعكس شخصيتي الحالية التي تجد السلام الداخلي من خلال الأشكال المبسطة للطبيعة والألوان المشحونة بالمشاعر التي تخلق مساحة للتأمل. وتعتمد طريقتي في العمل على بنية فريدة مكونة من طبقتين، إذ أبدأ أولًا بالرسم على القماش ثم أضيف فوقه طبقات من الخيوط الملونة لتكوين ملمس ثلاثي الأبعاد. وتُترك الخيوط الموجودة على السطح دون تثبيت متعمد مما يسمح لها باحتواء الهواء والفراغ. ومن خلال هذه العملية أسعى إلى التعبير عن الجمالية الكورية المعروفة باسم يوبايك وهي جمال الفراغ والمساحة.
تظهر الصورة لوحة فنية تعتمد على تدرجات اللون البنفسجي وتكوينات خطية دقيقة من الخيوط. (المصدر: الفنانة جانغ جي-هي وتم أخذ الإذن لنشرها)
من بعيد تبدو أعمالكِ بسيطة للغاية، لكن عند الاقتراب نرى آلاف الخيوط والتفاصيل الدقيقة. كيف تبدئين عملًا جديدًا؟ وهل يعكس هذا التباين المشاعر الإنسانية؟
من بعيد تبدو أعمالي وكأنها مساحات لونية بسيطة، لكن عند الاقتراب يمكن للمشاهد اكتشاف طبقات لا حصر لها من الخيوط والعمق البصري. وعادةً ما أبدأ العمل الجديد باتباع المشاعر أو الألوان أو الأجواء التي تجذبني في تلك اللحظة. إن تراكب الخيوط وتغير الألوان تبعًا للضوء يحمل في داخله مشاعر داخلية متغيرة باستمرار، ومن خلال ذلك أعبر عن الذات التي تبحث عن اتجاهها الخاص وسط تدفق الحياة. كما آمل أن يتمكن المشاهدون، من خلال المناظر الطبيعية المبسطة والألوان العاطفية، من التأمل بهدوء في ذكرياتهم ومشاعرهم الخاصة. وبالنسبة لي فإن عملية إنجاز العمل الفني تشبه الحياة نفسها، فإذا واصلت العمل بلا توقف قد تتشابك الخيوط وتؤدي إلى مواقف يصعب إصلاحها، ولهذا من المهم معرفة متى يجب التوقف. كما أن الاختيار بين فك تشابك الخيوط أو قطعها يشبه جزءًا من تجارب الحياة، فمن بعيد قد يبدو العمل لونًا واحدًا بسيطًا، لكن من خلال عملية تكديس عدد لا يُحصى من الخيوط أتعلم الصبر والأسلوب اللازمين للتعامل مع الحياة.
يتطلب العمل بالخيوط ساعات طويلة من التكرار. هل تدخلين في حالة من التأمل أو العزلة الذهنية للهروب من وتيرة الحياة اليومية السريعة؟
العمل بالخيوط بالنسبة لي عملية عميقة من الانغماس والتأمل. هل سبق لك أن اختبرت شعور الانغماس الكامل في شيء ما؟ إن الإحساس بالفرح والرضا الذي يأتي بعد هذا الانغماس هو أكبر دافع يدفعني إلى الاستمرار في العمل. وبالنسبة لشخص مثلي يعاني من تقلبات عاطفية حادة وشخصية تميل إلى التسرع، يصبح العمل المتكرر بالخيوط وقتًا مهمًا لتنظيم أفكاري والعثور على الهدوء الداخلي. فمن خلال الحركة المستمرة ليديّ تهدأ مشاعري تدريجيًا، وتتراكم آثار ذلك الوقت بشكل طبيعي على سطح العمل الفني. وفي الوقت نفسه فإن دفء الخيط وآثار العمل اليدوي ينقلان إحساسًا هادئًا بالإنسانية والعاطفة، فالخيوط المتراكمة تحتوي على حصيلة الزمن والجهد وتعبر عن العمق العاطفي الذي يتشكل ويتراكم عبر مراحل الحياة.
تظهر الصورة عملًا فنيًا من الخيوط الملونة يجمع بين درجات الأزرق والأصفر في تكوين بصري تجريدي. (المصدر: الفنانة جانغ جي-هي وتم أخذ الإذن لنشرها)
تتميز أعمالك الفنية بتنوع جميل في الألوان، كما أن الخيوط تخلق ظلالًا مميزة. كيف تختارين لوحة الألوان الخاصة بكِ؟
أنا دائمًا أبحث عن التوازن المثالي للألوان داخل اللوحة، ولذلك أعمل على عدة أعمال فنية في الوقت نفسه، وأختار الألوان والتكوين الذي يجذبني أكثر في ذلك اليوم بالتحديد. وتعكس ألوان سلسلة المناظر الطبيعية الأحاسيس العاطفية التي تتشكل من مشاعري ومن حالة الطقس وتغير الفصول. وقد تبدو الصور التي أُفرغت من تفاصيلها وأُعيد تشكيلها بسيطة، لكنها تحمل عمقًا كبيرًا. وأختار الألوان باتباع المشاعر والانجذابات اللحظية، ومع مرور الوقت يصبح كل عمل فني بمثابة يوميات بصرية خاصة بي. وأنا منجذبة إلى الألوان التي تمنح الابتسامة بشكل طبيعي، وتبعث الطاقة، وتخلق شعورًا بالهدوء. وأحاول الحفاظ على مشاعر إيجابية أثناء العمل، وآمل أن تنتقل هذه الطاقة الإيجابية المتراكمة خلال عملية الإبداع بشكل طبيعي إلى المشاهد من خلال العمل الفني. وفي الفترة الأخيرة أصبحت منجذبة بشكل خاص إلى ضوء شروق الشمس وإلى اللون الأصفر، وأنا متحمسة لاكتشاف الألوان والمشاعر التي ستقودني في المستقبل.
هل توجد عناصر محددة من التراث الكوري أو الحرف التقليدية أو المنسوجات الكورية ألهمت أعمالك الحالية بشكل مباشر؟
بالنسبة لي يكمن جمال كوريا في الفراغ، وتدفق الهواء، والإخلاص المتكرر في العمل، والانسجام بين الطبيعة والإنسان. فالألوان المتغيرة التي يشكلها الضوء والهواء، وتدفق الخيوط التي لا تُثبت بشكل كامل أبدًا، والعمل اليدوي المتكرر الذي يراكم آثار الزمن؛ جميعها تعكس البساطة الهادئة والجمالية الكورية المعروفة باسم يوبايك أي جمال الفراغ والمساحة. وبدلًا من إعادة إنتاج الأنماط أو التقنيات التقليدية بشكل مباشر تأثرت أكثر بالنهج والحساسية المرتبطة بالتعامل مع المواد نفسها. وقد استُخدمت الخيوط منذ زمن طويل في المنسوجات والحرف النسيجية الكورية التقليدية، كما أن عملية النسج اليدوي المتكرر وتراكم الزمن ترتبط بشكل طبيعي بحرف تقليدية مثل النسيج والتطريز والعقد اليدوية. وانطلاقًا من هذه الحساسيات التقليدية يستكشف عملي موضوعات معاصرة مثل اكتشاف الذات، وتدفق المشاعر، والسلام الداخلي.
تظهر الصورة عملًا فنيًا يعتمد على الخيوط والألوان المتدرجة لتجسيد مشهد بصري مستوحى من الأفق والبحر، والذي أُقيم في مركز دالسيو للفنون خلال الفترة من 30 مايو إلى 20 يونيو 2025. (المصدر: الفنانة جانغ جي-هي وتم أخذ الإذن لنشرها)
يُعرف الفن الكوري بالهدوء العميق والبساطة. هل تشعرين أن نشأتكِ وثقافتكِ الكورية تدفعانكِ بشكل طبيعي إلى إنتاج هذا النوع من الفن الهادئ والبسيط؟
لقد أصبحت البيئة الطبيعية والحساسيات الثقافية التي نشأت فيها جزءًا متأصلًا من أسلوبي الفني ومن رؤيتي الجمالية. فكوريا بلد تحيط به البحار من ثلاث جهات ويتمتع بأربعة فصول متميزة. كما أن الميل الكوري إلى الاحتفاظ بالمشاعر داخليًا والتعبير عنها بهدوء بدلًا من الإفصاح المباشر عنها قد ترك أثره على أعمالي. وبدلًا من إعادة إنتاج التقاليد بشكل مباشر أستكشف موضوعات معاصرة تتعلق بالهوية والمشاعر من خلال حساسية تشكلت بصورة طبيعية داخل الثقافة الكورية. ومن خلال أعمالي آمل أن أخلق لحظة هادئة تسمح للمشاهدين بالنظر إلى أعماق قلوبهم ومواجهة مشاعرهم بلطف وصدق.
عمل فني تركيبي من الخيوط الملونة للفنانة جانغ جي-هي في مركز دالسيو للفنون الذي أُقيم في 20 يونيو 2025. يعطي العمل حركة بصرية مميزة داخل قاعة العرض. (المصدر: جانغ جي-هي وتم أخذ الإذن لنشرها)
من بين جميع المعارض التي أقمتِها حول العالم، هل هناك معرض معين قريب إلى قلبكِ بشكل خاص؟ وهل تتذكرين موقفًا تفاعل فيه الجمهور مع أعمالك بطريقة مختلفة أو غير متوقعة أثرت فيكِ بعمق؟
المعرض الأقرب إلى قلبي هو معرضي الفردي 'طبقات الزمن' الذي أُقيم عام 2025 في مركز دالسيو للفنون، حيث تم اختياري ضمن الفنانين الصاعدين. ومن خلال هذا المعرض أردت أن أنقل رسالة مفادها أن الزمن والتجارب عندما يتراكمان فإنهما يقوداننا في النهاية نحو الطريق الذي نأمل الوصول إليه. كما قدمت عملًا تركيبيًا جديدًا بعنوان استكشاف الذات صُمم بحيث يتمكن الزوار من الدخول إلى العمل الفني بأنفسهم والسير داخله ولمسه والتفاعل معه بشكل مباشر. وكان أكثر ما أثار اهتمامي هو الاختلاف بين الأطفال والبالغين، فقد كان الأطفال يدخلون إلى العمل بشكل طبيعي ويتفاعلون معه بأجسادهم بحرية، بينما كان البالغون يقتربون بحذر ويحافظون على مسافة معينة. وقد ترك ذلك في نفسي أثرًا عميقًا إذ أدركت كيف يمكن للأعراف الاجتماعية والسلوكيات المكتسبة أن تؤثر حتى على طريقة حركة أجسادنا. إن شعور الإنجاز والرغبة في مواصلة الاستكشاف الذي خرجت به من هذا المعرض أصبح دافعًا مهمًا للاستمرار في توسيع نطاق أعمالي وخوض اتجاهات فنية جديدة.
في نهاية هذا الحوار، يتضح أن أعمال جيهي جانغ ليست مجرد تجربة بصرية قائمة على الخيوط والألوان، بل هي رحلة داخلية تعكس توازنًا دقيقًا بين الصبر والمشاعر والزمن.
لوحات مؤطرة تعرض أعمالًا فنية مصنوعة من الخيوط الملونة للفنانة جانغ جي-هي. تعكس هذه القطع تنوع التقنيات الفنية الحديثة، ويستمر المعرض في سيئول من 17 يونيو حتى 23 سبتمبر 2026. (الصورة من جانغ جي-هي وتم أخذ الإذن لنشرها)
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.