الصورة توضح شاطئ غان-جول-غوت. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية خلود خالد أبو اليزيد
هناك أماكن في هذا العالم لا تزورها فقط لتلتقط لها صورًا، بل لتدعها تترك أثرًا في روحك. هذا تمامًا ما شعرتُ به عندما وطأت قدمي أرض غان-جول-غوت في مدينة أولسان يوم ٢٤ مايو ٢٠٢٦. لم تكن مجرد رحلة عادية إلى ساحل بحري، بل كانت تجربة استثنائية لتهدئة الأعصاب وإعادة الاتصال بالطبيعة في بقعة جغرافية تحمل طابعًا أسطوريًا خاصًا؛ فهي المكان الذي يستقبل أولى خيوط الشمس على اليابسة الكورية معلنة بداية يوم جديد.
الصورة توضح شكل لافتة الاستقبال واسم غان-جول-غوت. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الصورة توضح لافتة «أنا أحب غان-جول-غوت». (المصدر: الحساب الرسمي لفيزيت كوريا على فيسبوك)
منذ اللحظة الأولى لوصولي، كان استقبال المكان لي مميزًا جدًا. الهواء هنا ليس مجرد نسمات عابرة، بل هو مزيج ساحر يحمل رائحة الطبيعة في أبهى صورها. تتمازج رائحة اليود البحري المنعشة القادمة من الأمواج المتلاطمة مع عبير المساحات الخضراء الممتدة والعشب الرطب. هذا المزيج العطري الطبيعي كان كفيلاً بأن يزيل أي توتر أو إرهاق؛ حيث يفرض المكان عليك نوعًا من السكينة والهدوء الداخلي الذي نفتقده في صخب الحياة اليومية. الجلوس هناك ومراقبة الأفق الممتد مع استنشاق هذا الهواء النقي يمنح الأعصاب راحة لا توصف، وكأن الوقت يتباطأ ليعطيك فرصة لتأمل الجمال من حولك.
الصورة توضح الأشجار والحديقة عند دخول موقع غان-جول-غوت. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الصورة توضح المنظر الطبيعي الخلاب في غان-جول-غوت. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
خلال تجوالي في الحديقة الساحلية الواسعة، استوقفني نصب تذكاري مهيب مصنوع من الحجر والجرانيت، يحمل اسمًا شاعريًا وهو «التحليق في الألفية الجديدة». لم يكن مجرد تمثال عابر، بل شعرت بامتنان وعمق معرفي كبير عندما اكتشفت الرموز الثقافية التي يقف وراءها، والتي ترتبط قديمًا برمزية الملوك والسلطة في التاريخ الكوري.
التمثال يجسد الهوية التراثية وتطلعاتها بشكل مذهل من خلال كائنين مقدسين:
السلحفاة في القاعدة: وتُمثل في الثقافة المحلية ملك الأرض وثباتها؛ حيث ترمز بقشرتها الصلبة وعمرها المديد إلى الصبر، الصحة، واستقرار الدولة والدعاء بالخلود. كما أنها ترمز في الميثولوجيا الكورية إلى الصبر، العمر المديد، والصحة، وكأنها تحمل على ظهرها أمنيات الاستقرار والاستمرار.
التنينان في الأعلى: يلتفان بصعود مهيب نحو السماء، يرمزان إلى الازدهار، القوة، والارتقاء نحو المستقبل والتطور مع كل فجر جديد يشرق على هذه الأرض. ويمثلان ملك السماء والبحار، وهو الرمز المطلق للملوك والأباطرة الكوريين قديمًا، حيث يعبر التفافهما وصعودهما نحو الأعلى عن القوة، الازدهار، والارتقاء نحو المستقبل مع كل فجر جديد.
الصورة توضح تمثال التحليق في الألفية الجديدة. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الوقوف أمام هذا التمثال الذي يجمع بين ملك الأرض وملك السماء يعطي الرحلة بعدًا ثقافيًا عميقًا، ويجعلك تدرك كيف يدمج الكوريون بين جمال الطبيعة وقصصهم التراثية الملهمة لتمثيل التناغم التام بين السماء والأرض. لقد التقطتُ هناك الكثير من الصور التي تحاول توثيق تفاصيل هذا الفن المتناغم مع الطبيعة المحيطة.
ولم تكتمل الجولة دون الوقوف أمام صندوق بريد الأمنيات الضخم بألوانه الحمراء والخضراء المبهجة، والذي يعد علامة مميزة جدا لساحل غان-جول-غوت. هذا الصندوق ليس مجرد مجسم ضخم لالتقاط الصور؛ بل هو فكرة دافئة تجمع أمنيات الزوار ورسائلهم النابعة من القلب.
الصورة توضح صندوق بريد الأمنيات العملاق. (المصدر: الحساب الرسمي لفيزيت كوريا على فيسبوك)
المبهر هنا هو أن هيئة البريد تقوم بالفعل بإرسال هذه الرسائل والبطاقات إلى أصحابها بعد مرور عام كامل أو مع نهاية السنة؛ لتعمل ككبسولة زمنية حقيقية تحمل مشاعر اللحظة النظيفة ودفء الأمنيات إلى المستقبل. الوقوف بجانبه والتصوير معه يجعلك تتمنى لو تترك رسالة حب صغيرة تطير عبر الزمن لتذكرك دائما بنقاء هذه الرحلة عندما تصلك بعد أشهر طويلة.
وفي زاوية أخرى تطل على البحر الشاسع، تقف منارة غان-جول-غوت البيضاء الشامخة كحارسة وفية لهذا الساحل الصخري منذ أكثر من قرن. لم تكن هذه المنارة مجرد مبنى جميل يتحدى الأمواج، بل هي مرشدة السفن العابرة في البحر الشرقي، وبثباتها ونورها الذي يبدد عتمة الليالي، تعطي المكان طابعًا كلاسيكيًا ساحرًا يشبه اللوحات الفنية. الوقوف بالقرب منها، ومراقبة بياضها الناصع في مواجهة زُرقة البحر والسماء، يبعث في النفس شعورًا بالأمان والسكينة، ويزيد من روعة الصور التذكارية التي توثق روح هذا الساحل التاريخي.
الصورة توضح منارة غان-جول-غوت. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
ولأن تفاصيل الأيام الجميلة لا تكتمل إلا بوجبة صُنعت بحب، فقد كان ختام رحلتنا في غان-جول-غوت ساحرًا ومثاليًا. توجهنا إلى مطعم "هيدين بلو" القريب، وهناك امتزجت متعة البصر بمتعة المذاق. تناولنا وجبة من الباستا الإيطالية الغنية بنكهاتها الأصيلة، وتوجنا هذا الدفء بـ«الجيلاتو» (المثلجات الإيطالية) المنعش والبارد الذي أضفى بهجة خاصة على نهاية اليوم. الجلوس في هذا المكان الهادئ، وتناول طعام مميز بعد جولة طويلة في أحضان الطبيعة، كان بمثابة المكافأة المثالية التي جعلت اليوم يكتمل بكامل تفاصيله الدافئة.
الصورة توضح اسم مطعم هيدين بلو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
الصورة توضح الباستا الإيطالية من مطعم هيدين بلو. (تصوير: خلود خالد أبو اليزيد)
غادرتُ غان-جول-غوت وأنا أحمل في قلبي امتناناً كبيراً لهذه الفرصة؛ ممتنة لأنني رأيت بقعة فريدة كهذه، وممتنة للمعلومات الثقافية والتاريخية التي أغنت عيني وعقلي. إنها نوعية الأماكن التي تترك في داخلك رغبة ملحة في التكرار. أقولها بثقة: أحب جداً أن أزور هذا المكان مرة أخرى، ربما في وقت الشروق تماماً، لأشهد لحظة ولادة النور في أول نقطة على هذه الأرض، ولأستنشق مجدداً رائحة الطبيعة التي لا تُنسى.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.