مراسل فخري

2026.06.16

اعرض هذه المقالة بلغة أخرى
  • 한국어
  • English
  • 日本語
  • 中文
  • العربية
  • Español
  • Français
  • Deutsch
  • Pусский
  • Tiếng Việt
  • Indonesian
صورة تجمع بين المخرج المصري مروان حامد والمخرج الكوري بارك تشان ووك. (مصدر الصورة: موقع الصور المجانية جيتي إيميجز)

صورة تجمع بين المخرج المصري مروان حامد والمخرج الكوري بارك تشان ووك. (المصدر: موقع الصور المجانية جيتي إيميجز)



بقلم مراسل كوريا نت الفخري المصري عزت ياسين

من المتعارف عليه توارث الجينات البشرية من الأب إلى ابنه أو الأم إلى ابنتها والعكس صحيح، أو بين أبناء العائلة الواحدة أو حتى القبيلة في مناطق البدو، وتتمحور في السمات الشكلية والطباع. ولكن الجينات التي أتحدث عنها هي جينات مختلفة، إنما هي جينات أتت من السماء، هبة من الخالق إلى نوعية نادرة من البشر، حتى وإن كانوا متباعدين كل البعد من حيث القرابة أو المحيط الجغرافي، ولكن بينهم خيط ووصال سحري جعل من موهبتهم تطابقاً، وكل منهم برؤيته الخاصة حسب البلد الذي نشأ فيه والفن الإبداعي الذي يتبناه. ظهر ذلك بين اثنين من بلدين أعشقهما بشكل متساوٍ ولهما نفس القدر من الحب والانتماء، هما مصر وكوريا الجنوبية التي تشرفت بعد السعي الكبير بالعمل بها كمراسل فخري. وما جعلني أكتب هذا الموضوع هو مشاهدتي للعودة القوية لتشان ووك بفيلمه الأخير (لا خيار آخر) والمقتبس عن رواية «الفأس» للكاتب الأمريكي الكبير (دونالد ويستليك). بمجرد مشاهدتي للإعلان الترويجي للفيلم انتعشت، لأنني منذ آخر فيلم شاهدته بمصر للمخرج الكبير مروان حامد (الست)، والذي يتحدث عن الجوانب المخفية في حياة كوكب الشرق المصرية أم كلثوم، لم أشعر بالإشباع الفني الدسم والذي يجعلني أشعر بالسعادة والانتشاء. وما لاحظته في الإعلان أن تشان ووك لم يعد كالماضي، بل ظهر بأكثر احترافية وباهتمامه المتناهي ذي الدقة العالية بالكادرات والتصوير واستخدام الألوان الدافئة للمشاهد، شعرت بأن بارك تشان ووك يعود إلى ملعبه المفضل: الإنسان في مواجهة مصيره العاري عندما تُسلب منه خياراته. الفيلم يتناول قصة موظف يجد نفسه مطروداً من عمله، وبعد سنوات من المعاناة والبطالة، يقرر بنوع من الكوميديا السوداء والتخطيط السيكولوجي الصارم أن يتخلص من منافسيه المحتملين ليفوز بالوظيفة.

هنا تكمن عبقرية تشان ووك التي تجعلني منبهراً بأعماله؛ إنه لا يقدم عنفاً مجانياً، بل يضع المجتمع الحديث كله تحت المجهر. هذا الفيلم، رغم أنه مقتبس عن نص غربي، إلا أن تشان ووك يعيد صياغته برؤية كورية خالصة تمس كل إنسان على وجه الأرض اليوم يعاني من ضغوط المادة ومخاوف المستقبل. إنه يذكرني دائماً بـ«ثلاثية الانتقام» الشهيرة له، وتحديداً تحفته (الفتى العجوز)، حيث البطل محاصر بالأسئلة والإجابات المغلوطة. في (لا خيار آخر)، الخيار ليس ترفاً، بل هو خط رفيع بين البقاء والجنون.

صورة المخرج الكوري الكبير بارك تشان ووك. (صورة بواسطة: موقع الصور المجانية جيتي إيميجز)

صورة المخرج الكوري الكبير بارك تشان ووك. (المصدر: موقع الصور المجانية جيتي إيميجز)


المرآة الإبداعية بين مروان حامد وتشان ووك


في اللحظة التي كنت أتأمل فيها الأسلوب البصري لبارك تشان ووك، قفز إلى ذهني فوراً المخرج المصري مروان حامد. هذا الربط لم يأتِ من فراغ، بل من تتبع طويل لسينما مروان منذ خطوته الأولى المدوية في «عمارة يعقوبيان»، مروراً بـ«الأصليين»، وصولاً إلى ثنائية «الفيل الأزرق» و«كيرة والجن».

إن التشابه بين تشان ووك ومروان حامد يكمن في المقام الأول في هوس الكمال والتناظر البصري. كلاهما ينتمي إلى مدرسة (سينما المخرج)، حيث لا تترك تفصيلة واحدة للصدفة. في سينما بارك تشان ووك، الألوان تنطق؛ استخدام درجات الأخضر والأحمر والظلال يحكي نصف القصة قبل أن ينطق الممثل. وبالمثل، عند مروان حامد، تجد الديكور، زاوية الكاميرا، وحركة الإضاءة هي أبطال رئيسيون في المشهد. مروان حامد في «الفيل الأزرق»، على سبيل المثال، نجح في خلق بيئة بصرية خانقة وساحرة في آن واحد، تحاكي تماماً الأجواء السيكولوجية القاتمة والملونة التي يبرع فيها تشان ووك في أفلام مثل فيلم (الخادمة). هذا «الهوس الهندسي» بالكادر يجعل المشاهد مشدوداً، يشعر بأن هناك عقلاً جباراً يقود عينه بدقة متناهية نحو المعنى المراد.

بث الروح في النصوص القديمة وإعادة إحياء الحروف


زاوية أخرى تجعلني أرى مروان حامد في مرآة بارك تشان ووك، وهي علاقتهما الفريدة بالنصوص الأدبية. بارك تشان ووك سينمائي لا ينقل الروايات، بل «يفترسها» ويعيد إنتاجها بجينات كورية خالصة وبصمة شخصية لا تخطئها عين، كما فعل في تحويل رواية بريطانية فيكتورية إلى فيلم كوري مذهل في (الخادمة) وكما يفعل الآن في (لا خيار آخر). على الجانب الآخر، مروان حامد هو المخرج الأبرز في السينما العربية الحديثة الذي استطاع ترويض النصوص الأدبية المعقدة. علاقته بروايات أحمد مراد لم تكن مجرد ترجمة بصرية للكلمات، بل كانت «إعادة خلق». مروان يمتلك شجاعة تشان ووك في حذف ما لا يخدم الصورة، وإضافة ما يمنح الشاشة عمقاً درامياً ونفسياً أرحب. كلاهما يؤمن بأن النص الأدبي هو مجرد نقطة انطلاق لرحلة بصرية تخص المخرج وحده.

صورة المخرج المصري مروان حامد. (بواسطة: موقع الصور المجاني جيتي إيميجز)

صورة المخرج المصري مروان حامد. (المصدر: موقع الصور المجاني جيتي إيميجز)


تشريح النفس البشرية من خلال الكوميديا السوداء والإثارة النفسية


ما يجمع الرجلين أيضاً هو الشغف بالغوص في العوالم المظلمة للنفس البشرية، واستخراج الجمال من قلب القبح أو الألم. في فيلم تشان ووك القادم، نحن موعودون بـ«كوميديا سوداء» لا تضحكنا على النكتة، بل تجعلنا نبتسم بمرارة على المفارقة والوجع الإنساني. هذا المزيج النادر بين الإثارة السيكولوجية والتهكم الساخر هو توقيع تشان ووك الخاص.

وعندما أتأمل سينما مروان حامد، أجد هذا النفس السيكولوجي حاضراً بقوة، وتحديداً في فيلم "الأصليين". هذا الفيلم الذي أعتبره من أعمق ما قدمت السينما المصرية، يناقش فكرة المراقبة، الهوية، والتعري النفسي للإنسان الحديث تحت ضغط المنظومة. إن البطل في «الأصليين» يشبه إلى حد كبير أبطال بارك تشان ووك؛ إنسان مأزوم، مراقَب، يبحث عن معناه الخاص في عالم يفقد إنسانيته تدريجياً.

مايسترو العمل الفني وتفجير طاقات الممثلين


لا يمكن لسينما بهذا التعقيد البصري والنفسي أن تنجح دون «مايسترو» يعرف كيف يقود الممثلين. بارك تشان ووك يعيد في فيلمه الجديد التعاون مع النجم «لي بيونغ-هون»، وهو يعلم يقيناً كيف يستخرج من تعبيرات وجهه الصامتة والذهول ما يعجز عنه الحوار الطويل. كما يضم النجمة «سون ييه-جين» ليضعها في قالب مغاير تماماً للرومانسية المعتادة بعد إجازتها الطويلة وابتعادها عن الفن بسبب حملها، ومفاجأة الجمهور بها من جديد في قالب مختلف.

هذه القدرة الفائقة على إعادة اكتشاف الممثلين هي علامة مسجلة باسم مروان حامد أيضاً. من يستطيع أن ينسى الأداء الأيقوني لخالد الصاوي في «الفيل الأزرق»، أو كيف أعاد مروان تقديم كريم عبد العزيز بوجه درامي ونفسي مغاير تماماً في نفس الفيلم وفي «كيرة والجن»؟ المخرجان يمتلكان تلك (السطوة الإبداعية) التي تجعل الممثل يسلم نفسه تماماً للرؤية الإخراجية، واثقاً بأن الدقة الصارمة وراء الكاميرا ستترجم إلى عبقرية على الشاشة.

إن انتظاري لهذا العمل الأوسكاري ليس كمجرد انتظار فيلم جديد إبداعي، وإنما انتظار درس جديد في الإبداع البصري والإخراجي، وكيفية صناعة السينما كما قال الكتاب، ممتزجة بلمسة إبداعية ربانية أتت له من السماء.



dusrud21@korea.kr

هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.