مجموعة من الصور أثناء زيارة المعرض. (تصوير: هدير متولي)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية هدير متولي
لقاء الحضارات في قلب الفسطاط
في صباحٍ هادئ من مايو 2026، لم تكن زيارتي إلى المتحف القومي للحضارة المصرية مجرد نزهة ثقافية عادية، بل كانت بداية لرحلة استثنائية عبر الزمن، حيث وجدت نفسي في قلب لقاءٍ فريد بين حضارتين عريقتين: مصر وكوريا.
منذ اللحظة الأولى، شعرت أن اختيار موقع المعرض لم يكن عشوائيًا. فبين جدران المتحف التي تحمل عبق التاريخ المصري، بدا التراث الكوري وكأنه يُجري حوارًا صامتًا مع الحضارة المصرية؛ حوارًا يتجاوز اللغة، ويتحدث بلغة الجمال والعمق والاحترام المتبادل.
مجموعة من صور الزهور الكورية المعروضة في المعرض. (تصوير: هدير متولي)
تفاصيل صغيرة تروي تاريخ أمة
كان المعرض غنيًا بتفاصيل دقيقة، لكن تأثيرها كان عميقًا بشكل مدهش. من أبرز ما لفت انتباهي رمزية الزهور في الثقافة الكورية القديمة، حيث لم تكن مجرد عناصر جمالية، بل كانت تعبيرًا عن قيم إنسانية وفلسفية.
فـزهرة «الموغونغوا»، الزهرة الوطنية لكوريا، ترمز إلى الصمود والعزيمة، بينما يعكس زهر البرقوق روح البدايات الجديدة، إذ يتفتح على الرغم من قسوة الشتاء. أما الأوركيد فيجسد النبل والوفاء، في حين يحمل الأقحوان معاني الحكمة والسلام. ولم تخلُ الزهور من لمسة إنسانية رومانسية، كما في زهرة البلسم التي ارتبطت بحكايات الحب والانتظار.
مجموعة من الأقنعة الكورية الأكثر شهرة. (تصوير: هدير متولي)
الأقنعة الكورية: وجوه تتكلم بلا صوت
أما الأقنعة، فكانت من أكثر الأجزاء تأثيرًا وتميزًا. تعبيرات مختلفة بين السخرية والفرح والغضب، لكنها جميعًا تحمل رسائل أعمق مما تبدو عليه. كانت هذه الأقنعة تُستخدم في العروض الشعبية لنقد المجتمع بأسلوب فني ذكي.
وسط هذه الأجواء، لم أستطع أنا وأختي ندى مقاومة التفاعل مع المكان. قمنا بتقليد تعبيرات الأقنعة والتقاط صور عفوية مليئة بالضحك. كانت لحظات بسيطة، لكنها أضافت للزيارة روحًا خاصة، وجعلتنا نشعر أن المعرض ليس فقط للمشاهدة، بل للتجربة والعيش.
مجموعة من لوحات الفن الكوري القديم. (الصورة من هدير متولي)
حين تتحول الأوراق إلى ذاكرة حيّة
في أحد الأركان، وقفت أمام مجموعة من السجلات والكتابات القديمة، وشعرت أنني لا أرى مجرد أوراق، بل أقرأ حكايات نابضة بالحياة. كان ورق «الهانجي» التقليدي شاهدًا على علاقة الإنسان الكوري العميقة بالطبيعة، حيث تتحول الأشجار إلى صفحات تحفظ التاريخ.
أما الرسومات، فقد كانت عالمًا آخر. لوحات بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل عمقًا إنسانيًا كبيرًا. طيور، أزهار، بيوت تقليدية؛ كلها مرسومة بهدوء، وكأن الفنان يهمس لنا: "الجمال موجود في كل شيء حولنا، فقط تأمل".
مجموعة من صور الأحذية والدمى وأوراق الهانجي المعروضة في المعرض الكوري. (تصوير: هدير متولي)
المانهوا: حكايات تتطور مع الزمن
لم يكن المعرض حبيس الماضي فقط، بل امتد ليحكي تطور فن «المانهوا». من بداياته البسيطة إلى كونه جزءًا من الثقافة الحديثة، كانت كل لوحة بمثابة مرآة تعكس تغيرات المجتمع الكوري. لم أكن أشاهد رسومات فحسب، بل كنت أقرأ مشاعر وتجارب إنسانية مرسومة بعناية.
بساطة الحياة: فن بحد ذاته
لم يقتصر المعرض على الفن فقط، بل امتد ليعرض تفاصيل الحياة اليومية في كوريا القديمة. من أدوات صنع الخيوط الخشبية إلى نماذج النسيج اليدوي، وصولًا إلى الأحذية التقليدية البسيطة، التي تحكي عن أسلوب حياة قائم على الإبداع والبساطة. كما جذبتني الدمى الكورية التقليدية، التي بدت وكأنها شخصيات خرجت من زمن آخر، تحمل في ملامحها حكايات لم تُروَ بعد.
مجموعة من صور الدمى وأوراق الهانجي المعروضة في المعرض الكوري. (تصوير: هدير متولي)
في النهاية، يمكنني القول إن هذا المعرض لم يكن مجرد عرض ثقافي، بل كان تجربة إنسانية متكاملة. اختيار متحف الحضارة لم يكن فقط موفقًا، بل كان رمزًا للقاء حضارتين عظيمتين في مشهد واحد.
خرجت من المعرض وأنا أحمل بداخلي أكثر من مجرد ذكريات؛ حملت إحساسًا عميقًا بأن الثقافة قادرة على ربط الشعوب، وأن الجمال يمكن أن يكون لغة مشتركة يفهمها الجميع. قد تنتهي المعارض، لكن أثرها يبقى يرافقنا طويلًا في ذاكرتنا.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.