لقطة سيلفي تجمع المعلمة المصرية نورهان صبري مع أحد الضيوف الدبلوماسيين الكوريين، وذلك خلال مشاركتها في فعاليات يوم التبادل الثقافي المصري الكوري الذي أقيم بمسرح الهناجر في ساحة دار الأوبرا المصرية بالقاهرة، في 12 مايو 2026. (المصدر: نورهان صبري)
بقلم مراسل كوريا نت الفخري المصري محمد عباس
تخيل أن تلتقي البلاغة العربية بجذورها الممتدة، مع فلسفة «الهانغل» الكورية بنظامها الذكي.. هذا المزيج الفريد ليس مجرد أطروحة أكاديمية، بل هو تجربة حياة تعيشها الشابة المصرية نورهان صبري، خريجة كلية التربية (قسم اللغة العربية) بجامعة الإسكندرية، والتي تعمل حالياً معلمة في محافظة الشرقية.
نورهان لم تقف عند حدود مهنتها، بل دفعتها بوصلة الشغف باللغات إلى الغوص في تفاصيل المجتمع الكوري، لتكتشف أن «البحر» الذي صنع وجدانها في الإسكندرية، يحمل نفس طاقة الدفء والانفتاح التي تجدها في شواطئ «بوسان». في هذا الحوار الخاص لـ «كوريا نت»، نُبحر مع نورهان في رحلتها غير التقليدية، من الشغف باللغة إلى تفكيك شفرات الهوية الكورية.
أنتِ خريجة لغة عربية وتعمقتِ في البلاغة والرموز، ثم تحولت بوصلتكِ نحو الكورية. كيف ساعدتكِ اللغة العربية على تذوق لغة «الهانغل»؟
دراستي للغة العربية غيّرت مفهومي للغات تماماً؛ علمتني أن اللغة ليست مجرد مفردات وقواعد نطق، بل هي روح، هوية، وفلسفة شعب كامل. عندما كنت أتأمل جمال التعبير والرموز في البلاغة العربية، تولد لديّ حسّ تقدير خاص لأي لغة تحمل وراءها تاريخاً عميقاً، وهذا تماماً ما وجدته في الكورية. ورغم الاختلاف الشامل بين البناء اللغوي للعربية والكورية، إلا أن هناك قاسماً مشتركاً مدهشاً: كلتا اللغتين تعبران عن المشاعر والاحترام بدقة متناهية. لغة «الهانغل» بالنسبة لي ليست مجرد حروف للكتابة، بل هي نظام ذكي وعبقري يحمل هوية الشعب الكوري، تماماً كما تختزل العربية حضارة الأمة العربية.
لقطة تذكارية تجمع الشابة المصرية نورهان صبري وهي تشير بعلامة القلب الكورية الشهيرة بيدها، ويتوسطها اثنان من أعضاء الوفد الدبلوماسي والثقافي الكوري الجنوبي في ختام المهرجان السنوي المشترك بدار الأوبرا المصرية في القاهرة، في 12 مايو 2026. (المصدر: نورهان صبري)
درستِ الإنجليزية والإيطالية، لكن الكورية امتلكت قلبكِ في النهاية. ما السحر الخاص الذي لم تجديه في اللغات الأوروبية؟
العاطفة والإنسانية داخل اللغة نفسها! في الكورية، تشعر أن اللفظ مصمم ليراعي أسلوب الحياة، الاحترام، والتفاصيل الدقيقة في التعامل اليومي. ما جذبني للثقافة الكورية ليس مجرد الصيحات الحديثة، بل هذا التوازن المدهش بين الحداثة الفائقة والمحافظة الصارمة على الجذور والتقاليد. كفتاة مصرية وعربية، لم أجد هذه القيم غريبة عني؛ فاحترام الكبير، وتقدير العائلة، والروابط الاجتماعية ملامح قريبة جداً من مجتمعاتنا الشرقية، وهذا ما جعلني أفهم المجتمع الكوري من الداخل وبسرعة ذاتية مذهلة.
نشأتِ وتخرجتِ في الإسكندرية، مدينة البحر والانفتاح. هل ترين رابطاً خفياً بين روح الإسكندرية والمدن الكورية؟
نعم، وبشدة! الإسكندرية مدينة لها طاقة خاصة، هدوء ممزوج بالحركة، وارتباط أبدي بالبحر والتاريخ. عندما شاهدت وقرأت عن مدن كورية مثل «سيئول» وخاصة المدينة الساحلية «بوسان»، شعرت بنفس الإيقاع. أعتقد أن البحر يشكل هوية الشعوب؛ يمنحهم حساً من التأمل، والانفتاح على الآخر، والقدرة على التواصل. هناك طاقة مشتركة تجمع بين محبي البحر في مصر وكوريا، تجعلنا نلتقي إنسانياً وفكرياً رغم المسافات الجغرافية.
لقطة لعرض فني لفرقة الفنون الشعبية الكورية التقليدية على خشبة مسرح دار الأوبرا المصرية بالقاهرة، حيث يظهر المؤدون بالزي التراثي الأبيض وهم يلوحون بعلمي جمهورية مصر العربية وجمهورية كوريا الجنوبية معاً تعبيراً عن قوة العلاقات الدبلوماسية والشعبية بين البلدين. (المصدر: نورهان صبري)
بحكم عملكِ كمعلمة خريجة كلية التربية، كيف تقرأين سر تميز «التعليم الكوري»؟ وما الذي تتمنين نقله لواقعنا؟
قوة النظام التعليمي في كوريا الجنوبية لا تقاس فقط بعدد ساعات الدراسة أو حشو المناهج، بل في «فلسفة الالتزام». هناك تقدير قدسي للعلم والمعلم، والانضباط يعتبر مسؤولية وطنية لبناء الإنسان والدولة. ما أتمنى نقله لواقعنا التعليمي هو هذا «التقدير العملي» للمنظومة، وأن نزرع في الطلاب منذ الصغر ثقافة تطوير الذات بشكل منظم ومتدرج، ليصبح الالتزام أسلوب حياة وهدفاً سامياً، وليس مجرد ضغط وقتي لاجتياز الامتحانات.
هل غيرت الثقافة الكورية شيئاً في شخصية نورهان اليومية؟ وكيف كانت مواجهتكِ الأولى مع الكوريين في الواقع مقارنة بالدراما؟
بالتأكيد، هناك تفاصيل صغيرة غيرتني؛ مثل انتباهي لنبرة الصوت أثناء الحديث، وطريقة إبداء الاحترام، ومراواة مشاعر الآخرين بدقة وتفانٍ، وكل هذه السلوكيات نقلتها بالتبعية إلى محيطي العائلي والعملي. أما عن مواجهة الواقع، فالدراما كانت البوابة الأولى والنافذة التي رأيت من خلالها واقع المجتمع الكوري بضغوطه وطموحاته واجتهاده، ولم تكن مجرد ترفيه عابر. لكن عندما تعاملت مع أصدقاء كوريين في الواقع، وجدت الأمر أعمق بكثير؛ إذ فوجئت بلطفهم الشديد وترحابهم عندما يلمسون أنك تحترم ثقافتهم بصدق. كانوا مندهشين وسعداء جداً بأن فتاة مصرية عربية تدرس لغتهم وتفهم مجتمعهم بكل هذا الحب والجدية. حتى على مستوى المطبخ، بدأت أجرّب أكلاتهم الشهيرة مثل «الكيمتشي»، و«الكيمباب»، والراميون الكوري الحار.
أخيراً.. كيف تخطط نورهان لاستثمار هذا الشغف مستقبلاً؟ هل هي مجرد «موجة» عابرة أم مشروع ممتد؟
حب الثقافة الكورية ليس موجة مؤقتة إذا تحول من مجرد متابعة سطحية إلى فهم حقيقي للغة والتاريخ والعادات؛ فأي شغف يصبح ذا قيمة حقيقية عندما يدفع الإنسان للتطور والانفتاح الحضاري. أطمح مستقبلاً إلى تحويل هذا الشغف إلى مشروع حقيقي في مجال التعليم والتواصل الإنساني؛ وتحديداً في مجال «تعليم اللغة العربية للناطقين باللغة الكورية»، والمساهمة الفعالة في بناء جسور معرفية متينة ومتبادلة بين المجتمعين العربي والكوري لتقريب وجهات النظر.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.