(رواية "راقصة البلاط" وبعض الروايات الكورية الأخرى. (تصوير: شيماء رشدي
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية شيماء محمد رشدي
عالم الروايات عالم ساحر يأخذك في عقل وقلب شخصيات أخرى، تعيش عالمهم وأحلامهم، تفرح لفرحهم وتحزن لحزنهم، تراهم أمامك عبر سطور الرواية وتنتقل من زمنك إلى زمنهم. لقد اخترت لكم رواية "راقصة البلاط" للكاتبة كيونغ-سوك شين، وترجمة محمد نجيب، وهي رواية خيالية تاريخية تدور أحداثها في كوريا في تسعينيات القرن التاسع عشر في عصر مملكة جوسون. وكما يوحي العنوان، فهي تحكي حياة فتاة يتيمة تصبح فيما بعد راقصة في بلاط القصر؛ "جين لي" بطلة القصة، التي تبنتها جارتها الطيبة. كانت أخت هذه المرأة سيدة من البلاط الكوري، وفي إحدى زياراتها العرضية برفقة المرأة، تلفت جين انتباه الملكة، وكانت هذه بداية صعودها في العالم، حيث حرصت الملكة على تعليمها وتدريبها كراقصة، لتصبح جين في النهاية الفنانة الأكثر براعة في البلاط.
(رواية "راقصة البلاط" لكيونغ-سوك شين. (تصوير: شيماء رشدي
بعد سنوات، اتخذت حياتها منعطفًا غير متوقع؛ فبحلول عام 1888، أصبحت كوريا أكثر عالمية، وتزخر سيئول بالدبلوماسيين والجنود الأجانب، مما سمح بحدوث ما لا يمكن تصوره. إذ انبهر المندوب الفرنسي الجديد إلى كوريا، فيكتور كولين دي بلانسي، بالمرأة الشابة الجميلة، وطلب يدها للزواج، وسُمح لها بمغادرة البلاط والبدء في نهاية المطاف بحياة جديدة في فرنسا. لكن إقامتها في فرنسا ليست تمامًا القصة الخيالية التي تخيلتها؛ فطوال فترة إقامتها في "مدينة الأنوار"، لم يبتعد وطنها عن أفكارها أبدًا، وليس من المستغرب أن تعود يومًا ما إلى بلدها.
"راقصة البلاط" هي قصة رائعة عن تجارب امرأة في فجر عصر جديد، تستعرض فيها الكاتبة بسرعة طفولة بطلتها وحياتها في البلاط، حتى أنها تقدم مثلث الحب الحتمي على غرار الدراما الكورية؛ فبالإضافة إلى فيكتور، الدبلوماسي الوسيم والحساس، هناك أيضًا "يون"، الصبي الأخرس الذي يأتي ليعيش مع جين والمرأة التي احتضنتها، ويسليهما بقدراته الموسيقية، وهذا مثال على نمط كوري خالص، وهو صبي وفتاة يكبران معًا، فقط لكي يزدهر الحب بينهما لاحقًا.
ورغم أن هذه الفترة الباريسية الممتعة، التي تضم ظهور ضيوف من كتاب فرنسيين مشهورين (بما في ذلك علاقة جين الوثيقة بجي دو موباسان)، تتلاشى تدريجياً، تتوقف الرواية قليلاً؛ حيث تستسلم الكاتبة لنفسها في قدر لا بأس به من المعلومات الثقافية التي ترويها لقرائها الكوريين، وتتقدم القصة ببطء، مما يجعل القارئ قد يشعر بالملل قليلاً، لكن سرعان ما تأخذك الكاتبة مرة أخرى إلى أجواء الحماس، حيث تتوق جين إلى العودة إلى الوطن أكثر مع كل صفحة تمر. وفي منتصف الكتاب، كنت أتساءل إلى أين نحن متجهون بالضبط، وما إذا كان الأمر مجرد قراءة ممتعة ورومانسية عابرة.
(توقيع المترجم محمد نجيب على نسختي من الرواية. (تصوير: شيماء رشدي
ولكن لحسن الحظ، تتغير رواية "راقصة البلاط" في هذه المرحلة، لتصبح عملاً أكثر تشويقاً وتعقيداً، عندما تشعر جين بالغربة في فرنسا أكثر فأكثر، مما يجعلها على وشك الانهيار. وعندما حاول فيكتور أن يخفف من انزعاجها من نظرات المارة لها دائماً في الشارع، مذكراً إياها بأنه مر بنفس التجارب في سيئول، سارعت جين إلى الإشارة إلى فرق دقيق: فقد واجه هو نظرات الإعجاب كرجل من بلد قوي، بينما تفعل هي ذلك كامرأة ضعيفة. هذا الصراع بين الشرق والغرب، والثقافات المختلفة عن كوريا في ذلك الوقت، يمثل فترة محورية ورائعة في التاريخ الكوري. وكما هو الحال غالباً في الخيال التاريخي، تجعل الكاتبة إبداعها يتحرك وسط مجموعة من الشخصيات الحقيقية، مما يسمح للقارئ الحديث بمعرفة المزيد عن أحداث ذلك الزمان.
إن "راقصة البلاط" عمل جميل وممتع، ويُعد كتاباً أساسياً يجب قراءته لأي شخص مهتم بالتاريخ الكوري. لقد قام المترجم محمد نجيب بعمل بارع في تقديم نسخة باللغة العربية تُقرأ دائمًا بسلاسة. إنها قصة بلد يكافح من أجل البقاء، محاطًا بقوى عظمى، وقصة امرأة تسير على خط رفيع بين اتباع التقاليد وإيجاد طريقها الخاص في الحياة. ورغم أن شغفها بالمعرفة يجذبها نحو ثقافة جديدة، فإنها تجد نفسها حتمًا تتوق إلى الوطن، وفي النهاية، فإن قصتها توضح استحالة العيش في عالمين في نفس الوقت.
(رواية "أرجوك اعتني بأمي" بالنسخة العربية. (تصوير: شيماء رشدي
تُعد كيونغ-سوك شين، كاتبة رواية "أرجوك اعتني بأمي"، واحدة من الكتاب الكوريين المفضلين عندي، فهي قادرة على الغوص في أعماق النفس البشرية، وقد استطاع محمد نجيب كمترجم نقل هذه المشاعر بشكل جميل وسلس من خلال مفردات عربية رصينة وسهلة. "راقصة البلاط" عمل يستحق القراءة حقاً، وأنصحكم به بشدة.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.