من حقل تعيين المراسلين الفخريين عام 2025. (الصورة من كوريا نت)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية غادة محمد
"لم أكن أبحث عن إنجاز، كنت فقط أبحث عن مساحة أعبّر فيها عن شغفي، لكنني وجدت رحلة غيّرتني بالكامل."
في عام 2019، وبين تصفّح عادي لموقع فيسبوك، صادفت إعلانًا عن برنامج المراسلين الفخريين لكوريا نت. قد تبدو لحظة عادية، لكنها كانت نقطة البداية لواحدة من أهم التجارب في حياتي. دون تردد، قررت التقديم، مدفوعة بشغف حقيقي بالثقافة الكورية ورغبة صادقة في مشاركته مع الآخرين. لم أكن أتوقع أن تصلني رسالة القبول، لكن عندما حدث ذلك، شعرت بمزيج من الفرح والفخر. في تلك اللحظة، لم يكن الأمر مجرد انضمام إلى برنامج، بل بداية انتماء حقيقي إلى منصة عالمية، وثقة مُنحت لي لأكون صوتًا ينقل الثقافة الكورية إلى الجمهور العربي.
في بداياتي كمراسلة فخرية، كانت الكتابة مساحة لاكتشاف نفسي قبل أي شيء آخر. كتبت عن الفعاليات الثقافية، وعن اهتمامي بكوريا، وعن تفاصيل صغيرة كانت تعني لي الكثير، لكن مع الوقت بدأت أدرك أن الأمر أكبر من مجرد مشاركة. أصبحت الكتابة مسؤولية حقيقية، وتحوّلت من مجرد شغف إلى رسالة. تعلمت كيف أبحث بعمق، وكيف أقدّم محتوى يحمل روح التجربة وليس مجرد معلومات، وكيف أكون حلقة وصل حقيقية بين ثقافتين.
حضوري حفل تعيين المراسلين الفخريين عام 2021 عبر الزووم. (الصورة من كوريا نت)
في عام 2021، عشت تجربة استثنائية عندما شاركت في اللقاء الافتراضي مع السيدة الأولى السابقة لكوريا، ’كيم جونغ-سوك‘، خلال حفل التعيين الذي أُقيم عبر الإنترنت. كانت هذه هي المرة الأولى التي يُدعى فيها المراسلون الفخريون لحضور هذا الحدث، ورغم أن اللقاء كان افتراضيًا، إلا أن تأثيره كان عميقًا جدًا. شعرت حينها أنني لم أعد مجرد متابعة، بل أصبحت جزءًا من هذا المشهد، وأن المسافة بيني وبين هذا العالم الذي أحببته قد تقلصت بشكل لم أتخيله من قبل.
ثم جاء عام 2022 ليحمل معه لحظات أكثر قربًا وواقعية. مشاركتي في فعالية ’الثقافة الكورية بلون النيل‘ والتي اتاحت لي مقابلى السيدة ’كيم جونغ-سوك‘ شخصياً، كانت تجربة حيّة جمعت بين الثقافة الكورية والمصرية في صورة مميزة، حيث لم أكتب عن التبادل الثقافي فقط، بل عشته بكل تفاصيله. في نفس العام، حصلت على المركز الثاني على مستوى القسم العربي لكوريا نت، وهو إنجاز كان له معنى خاص بالنسبة لي، لأنه لم يكن مجرد ترتيب، بل تأكيد على أن ما أقدمه يُرى ويُقدَّر. والأهم من ذلك، تمت دعوتي لزيارة كوريا كواحدة من أفضل المراسلين الفخريين، وهي تجربة نقلتني من مرحلة الكتابة عن كوريا إلى معايشتها فعليًا، حيث أصبحت الأماكن التي كنت أحلم بزيارتها واقعًا أراه وأشعر به.
صورة تذكارية مع السيدة ’كيم جونغ-سوك‘ في فعالية ’الثقافة الكورية بلون النيل‘ عام 2022. (الصورة من غادة محمد)
ومع مرور الوقت، أدركت أن أجمل ما في هذه الرحلة لم يكن فقط في الإنجازات، بل في هذا المجتمع العالمي الذي أصبحت جزءًا منه. عائلة المراسلين الفخريين ليست مجرد مجموعة من الكُتّاب، بل مساحة حقيقية للتواصل والتبادل الثقافي. من خلال التفاعل مع مراسلين من مختلف أنحاء العالم، تعلمت كيف أرى الأمور من زوايا متعددة، وكيف يمكن للاختلاف أن يكون مصدر إلهام. هذا التنوع لم يثرِ تجربتي فقط، بل وسّع فهمي للعالم وجعلني أكثر وعيًا بقيمة الحوار بين الثقافات.
لحظة استلام جائزة أفضل مراسل فخري عام 2022. (الصورة من غادة محمد)
ثم جاء عام 2024، ليحمل واحدًا من أهم إنجازاتي على الإطلاق. خلال هذا العام، تم اختياري كأفضل مراسلة فخرية، إلى جانب تحقيق المركز الثالث ليس فقط على مستوى القسم العربي، بل وعلى مستوى جميع اللغات المشاركة. لكن الإنجاز الأهم بالنسبة لي كان اختيار أحد مقالاتي ليتم نشره ضمن كتاب أرشيف المراسلين لعام 2024. هذا الكتاب يضم أفضل المقالات من مختلف أنحاء العالم، واختيار مقال لي ضمنه كان لحظة فخر حقيقية.
أما في عام 2025، فقد عشت واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في رحلتي، خلال حضوري حفل تعيين المراسلين الفخريين في كوريا. هذه المرة، لم أكن مجرد مشاركة جديدة، بل تم تقديمي كمراسلة فخرية قديمة (سونباي)، وطُلب مني إلقاء كلمة أمام المراسلين الجدد. كانت لحظة مليئة بالمشاعر، حيث وجدت نفسي أسترجع كل تفاصيل رحلتي منذ البداية. وأنا أقف أمامهم، لم أتحدث عن إنجازات بقدر ما تحدثت عن التجربة نفسها، عن أهمية الصدق، وعن قيمة المحاولة، وعن أن لكل صوت مكانه إذا كان حقيقيًا.
لحظة استلام شهادة التعيين عام 2025. (الصورة من كوريا نت)
في تلك اللحظة، أدركت أن هذه الرحلة لم تكن فقط عن كوريا، ولا عن الكتابة، بل كانت عني أنا أيضًا، عن كيف تطورت، وكيف تغيّرت نظرتي للعالم، وكيف أصبحت أقدّر الاختلاف وأبحث عن الجمال فيه. تعلمت أن الكتابة الثقافية ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أداة للفهم، وجسر للتواصل، ومساحة للقاء الإنساني بين الشعوب.
اليوم، بعد سبع سنوات من هذه الرحلة، أنظر إلى كل ما مررت به بامتنان عميق. كوريا نت لم تمنحني فقط منصة، بل منحتني صوتًا، وثقة، وتجارب لا تُنسى. هذه التجربة أصبحت جزءًا من هويتي، ومسارًا مستمرًا من التعلم والنمو. ولهذا، فإن حماسي للتقديم للسنة الثامنة على التوالي لا يأتي فقط من رغبتي في الاستمرار، بل من إيماني بأن هذه الرحلة لا تزال تحمل الكثير، وأن لدي المزيد لأقدمه، والمزيد لأتعلمه. ربما بدأت القصة بإعلان بسيط، لكنها تحولت إلى رحلة غيّرتني، وما زلت أكتب فصولها حتى اليوم.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.