الصورة توضج إحدى الأعمال لكيم يونغ جو. (الصور من كيم يونغ جو وتم أخذ الإذن لنشرها)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية مريم صلاح
الفن المعاصر لم يعد مجرد تعبير تقليدي، بل أصبح وسيلة مبتكرة لنقل القضايا الإنسانية والثقافية. في كوريا، برزت الفنانة كيم يونغ جو بتجربة فريدة تمزج بين الإبداع الفني والتقنيات الجديدة، مستفيدة من ابتكار أشرطة هوك آند لوب لتحويل المواد اليومية إلى أعمال فنية مدهشة.
غالبًا ما تبدأ هذه الأعمال كقطع صغيرة يمكن ارتداؤها كإكسسوار، أو دمجها لتصبح قطعًا أكبر يمكن تعليقها كلوحات جدارية، مما يمزج بين الفن القابل للارتداء والفن المكاني. من معارضها المحلية إلى العالمية، تقدّم كيم يونغ جو رؤية جديدة للفن الكوري المعاصر. تم إجراء هذا الحوار بين 15 يوليو و30 أغسطس عبر البريد الإلكتروني.
- هل يمكنكِ أن تعرّفي نفسكِ لقرّاء كوريا نت، وأن تطلعيهم على بدايات رحلتكِ الفنية؟
وُلدتُ ونشأتُ في سيول، كوريا، وهي مدينة يزيد عدد سكانها على عشرة ملايين نسمة، وكان كل ما تقع عليه عيناي هو الناس—أعداد هائلة من الأشخاص المنشغلين على الدوام. وخلال إقامتي هناك، اعتدتُ أن أراقب مظاهرهم بعناية؛ نوعية الملابس التي يرتدونها، والحقائب التي يحملونها، والإكسسوارات، والأحذية.
لكن عندما انتقلتُ إلى بروفيدنس (ولاية رود آيلاند، الولايات المتحدة) عام 2007 لمتابعة دراستي العليا، تغيّر كل شيء. بدت الشوارع خالية، وكان من الصعب لقاء الناس. كانت المدينة صغيرة ومختلفة إلى حدّ كبير عمّا اعتدتُ عليه. كان الناس يسيرون ببطء، فبدأتُ أنا أيضًا أبطئ من وتيرتي. ومع هذا التباطؤ، بدأتُ ألاحظ عناصر أخرى في محيطي غير الناس، وأصبح لديّ فضول تجاه أشياء لم تكن تثير اهتمامي من قبل.
ومع ازدياد حساسيتي تجاه البيئة المحيطة، تغيّر كذلك أسلوبي في اختيار المواد التي أستخدمها في عملي. ففي سيول، كنت أشعر بضغط يدفعني لإنجاز الأمور بسرعة، ما جعلني أميل إلى اختيار مواد أراها جميلة بطبيعتها منذ البداية. أما في بروفيدنس، فقد بدأتُ أُمهل نفسي الوقت لاستكشاف البيئة الجديدة، سعيًا إلى بناء علاقة أكثر عمقًا وتعاطفًا مع المواد التي أجدها.
الصورة توضح لوحة للفنانة كيم يونغ جو من إحدى المعارض بسيول. (الصور من كيم يونغ جو وتم أخذ الإذن لنشرها)
-ما الذي جذبكِ إلى أشرطة "هوك آند لوب" لتكون مادّتكِ الأساسية؟
بعد أن أنهيتُ دراستي العليا عام 2009، كانت الأدوات والموارد المتاحة لديّ محدودة للغاية، لذلك كنت بحاجة إلى مادة يمكنني تشكيلها بيديّ. وقد لفتت أشرطة هوك آند لوب انتباهي بسبب مرونتها؛ إذ يمكن قصّها، ولفّها، وثنيها، وخياطتها باستخدام أدوات يدوية بسيطة. كما شدّني بريق خطاطيفها، وسهولة التصاقها وانفصالها، مما يجعلها مثالية لللتركيب والعمل معها بأسلوب ارتجالي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه الأشرطة مادتي الأساسي.
-أثناء عملكِ على القطعة الفنية، هل تركّزين أكثر على العملية نفسها، أم على الشكل النهائي، أم على الإحساس الذي ينبغي أن تحمله القطعة؟
بالنسبة لي، تُعدّ العملية هي الأهم. أتعمد أن أدفع حدود المادة إلى أقصاها، ومن خلال هذا التفاعل المباشر معها، كثيرًا ما أواجه لحظات من المفاجأة. وهذه اللحظات تقودني إلى ما يتجاوز حدود معرفتي، وتفتح أمامي إمكانات جديدة. أما الشكل، فيتشكّل كنتيجة لهذا الاستكشاف، وليس بوصفه شيئًا محددًا سلفًا.
-لقد حظيتِ بتقدير دولي. كيف أثّرت خلفيتكِ الثقافية في رؤيتكِ الفنية وفي كيفية تلقّي أعمالكِ حول العالم؟
في كوريا، تلقيتُ تدريبًا يرسّخ قيمة الدقة والانضباط—أي الإيمان بأن العمل ينبغي أن يُنجز بإتقان تام، حتى وإن كانت العملية شاقة أو مؤلمة. لاحقًا، في الولايات المتحدة، تعلّمتُ أن أحتضن التجريب، وأن أتعامل مع المواد بحرية، وأن أُبدع دون أن أقلق كثيرًا بشأن توقعات الآخرين.
أعتقد أن الجمع بين هذين التأثيرين الثقافيين—الصرامة، الصبر والحرية—هو ما أسهم في تشكيل رؤيتي الفنية. وربما يكون هذا التوازن تحديدًا هو ما يلقى صدى لدى الجمهور على المستوى الدولي، إذ يتيح لهم التفاعل مع العمل من خلال إدراك الجهد الكامن وراء صناعته، وكذلك روح الفضول التي يتضمنها.
الصورة توضح بروش من صنع الفنانة الكورية كيم يونغ جو. (الصور من كيم يونغ جو وتم أخذ الإذن لنشرها)
-ما الرسالة أو الشعور الذي تأملين أن يخرج به الجمهور بعد مشاهدة أعمالكِ على أرض الواقع؟
أستكشف الضغوط والأثقال التي أشعر بها كفنانة وكامرأة، في محاولة لتحويلها إلى وسيلة لصنع الفن بدلًا من أن تظل مجرد مشاعر عالقة.
ولإنجاز أعمالي، أقوم بقصّ أجزاء من أشرطة هوك آند لوب، ثم أعمل على تنميتها حجميًا عبر ربطها معًا كما لو كنتُ أصنع نسيجًا. بعد ذلك، أُطوّر العمل بطرق غير متوقعة من خلال تقييد نفسي بطريقتين أساسيتين في التشكيل: الأولى هي تطبيق الضغط على العمل باستخدام يديّ، والثانية هي تعريضه للثِقل من خلال تعليقه على الجدار وتدويره.
وبالنسبة لي، فإن صنع الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل هو أشبه بأثرٍ متبقٍ من جهودي في الاستمرار في الحياة تحت وطأة الضغط والثِقل. وهو في ذلك لا يختلف عن الجبال والوديان، بوصفها آثارًا للطبيعة تشكّلت تحت تأثير الضغط والثِقل.
-هل تؤثّر عناصر من الفن الكوري التقليدي—مثل الحِرفية أو الفلسفة التأملية أو النزعة التبسيطية في أعمالكِ بأي شكل؟
لستُ متأكدة تمامًا، لكن ما كان يلفت انتباهي دائمًا في الفن الكوري هو الحِرفية—ذلك الاهتمام العميق بالتفاصيل، والدقة، والاحترام الكبير للمادة. وأعتقد أن هذا الإحساس قد أثّر فيّ بطريقة ما. فعلى الرغم من أنني أعمل بمادة معاصرة مثل أشرطة هوك آند لوب، فإنني أتعامل معها بدرجة مماثلة من العناية والاحترام التي أتصوّر أن الحرفيين الكوريين التقليديين كانوا يولونها لموادهم.
-في ضوء خلفيتكِ الثقافية الكورية، هل هناك قيم أو أفكار مجتمعية سعيتِ إلى إعادة تأويلها من خلال فنكِ؟
لقد عشتُ معظم حياتي في بيئة تُروَّج فيها معايير الجمال السطحي بشكل مكثّف، وقد شهدتُ آثارها السلبية على النساء من مختلف الأعمار.
ومن أبرز وظائف الفن أن يتحدى تصوّراتنا المسبقة وأفكارنا وأنماط حياتنا. وبوصفي فنانة تعمل داخل مرسم، وجدتُ نفسي مرارًا وتكرارًا أمام حقيقة مفادها أن الجمال يمكن أن ينبثق من مواد تبدو عادية، بل وربما مبتذلة، إذا ما تعاملنا معها بتعاطف صادق وثقة مستمرة. ومن خلال ذلك، تعلّمتُ كيف يمكن إنتاج أعمال فنية جميلة باستخدام أشرطة هوك آند لوب.
وأؤمن أيضًا أن الأمر ذاته ينطبق على البشر. فلكي نتجاوز افتتاننا بالجمال السطحي، علينا أن نمنح بعضنا البعض قدرًا من التعاطف الصادق والثقة المستمرة، بما يمكّننا من اكتشاف الإمكانات الكامنة والجمال والدهشة الموجودة داخل كل واحد منا.
الصورة توضح أعمال كيم يونغ جو المعروضة في متحف سيول للفن الحرفي. (الصور من كيم يونغ جو وتم أخذ الإذن لنشرها)
-عرضتِ أعمالكِ في أنحاء مختلفة من العالم في أوروبا وآسيا وأمريكا وغيرها. هل كان هناك معرض بعينه شكّل نقطة تحوّل في مسيرتكِ؟
لا، لم يكن هناك معرض بعينه، بل كانت نقطة التحوّل الحقيقية تجربة مررتُ بها أثناء العمل. فقد تعرّضتُ لحادث أثناء إنجاز قطعة جدارية.
ومع شروعِي في تنفيذ أعمال أكبر حجمًا، ظهر عنصر كنتُ قد تجاهلته إلى حدّ كبير، وهو "الجاذبية". ففي أحد الأيام، حاولتُ بناء شكل يشبه الوعاء ينمو إلى الأعلى، لكن الجاذبية والوزن تسببا في انهياره وترهّله إلى الأسفل. وكانت تجربة دفعتني للتساؤل بجدية عمّا إذا كان عليّ التخلي عن التقيّد بهذه المادة الواحدة. إذ بدا وكأن الاستمرار معها قد يهدد بقائي كفنانة.
-هل تعملين حاليًا على مشروع جديد أو تخطّطين لشيء في المستقبل؟ وما الذي تطمحين إلى تحقيقه فنيًا في السنوات القادمة؟
يُعدّ عمل "ثِقل الالتزام: أربع سنوات" أحد أحدث أعمالي الفنية، وقد أنجزته خلال تجربتي الشخصية مع تحديات الإنجاب. كانت تجربة معقّدة على المستوى العاطفي، لكنني سمحتُ لتلك المشاعر بأن تؤثّر في العمل بشكل غير مباشر. وكما هو الحال في جميع تركيباتي الجدارية، تطوّر هذا العمل أيضًا تحت تأثير الضغط بيديّ، وقوة الجاذبية أثناء تعليقه على الجدار.
لكن عند تصوير العمل لأغراض الأرشفة، ظهر ظلّ لطفل بشكل غير مقصود، بدا وكأنه في الرابعة من عمره. وكان ذلك مشهدًا مؤثرًا للغاية، شعرتُ معه وكأن معاناتي وجهودي قد تجسّدت في هيئة ملموسة.
وفي السنوات القادمة، أطمح إلى مواصلة استكشاف الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل ضغوط الحياة—سواء كانت شخصية أو اجتماعية أو ثقافية—إلى أشكال فنية تعبّر عن الصمود، والجمال، والتأمل.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.