النسخة العربية من رواية ’متجر للقتلة‘. (الصورة: سلوى الزيني)
بقلم مراسلتي كوريا نت الفخريتين المصريتين سلوى الزيني وإسراء الزيني
في السنوات الأخيرة شهد الأدب الكوري اهتمامًا متزايدًا من القراء العرب، خاصة مع انتشار الأعمال الدرامية المقتبسة عن الروايات الكورية. ومن بين هذه الأعمال برزت رواية ’متجر للقتلة‘ للكاتبة ’كانج جي-يونج‘ التي حققت نجاحًا ملحوظًا، وكانت من بين الكتب الأكثر مبيعًا في معارض الكتاب العربية، من بينها معرض القاهرة الدولي للكتاب.
في هذا الحوار نتعرف على تجربة المترجمة ’منار الديناري‘ التي نقلت الرواية إلى العربية، ونتوقف عند أبرز التحديات التي واجهتها أثناء الترجمة، بالإضافة إلى رؤيتها للفروق بين النص الأصلي والعمل الدرامي، وأسباب الإقبال المتزايد على الأدب الكوري بين القراء العرب. وقد أُجريت هذه المقابلة عبر تطبيق إنستغرام خلال الفترة من 3 إلى 10 مارس.
عندما طُلب منكِ ترجمة ’متجر للقتلة‘ ما أول انطباع شعرتِ به بعد قراءة النص الكوري؟ هل شعرتِ بالحماس أم القلق من طبيعة العمل؟
في الحقيقة شعرتُ بحماس شديد منذ البداية. كنت متحمسة جدًا لقراءة هذه الرواية عندما علمت أن الدراما الكورية المقتبسة عنها حققت نجاحًا كبيرًا على منصة ديزني بلس، وأنها حازت عددًا كبيرًا من المراجعات الإيجابية من المشاهدين، كما شارك فيها ممثلون معروفون كبطل العمل ’لي دونغ-ووك‘. وبطبيعة عملي وشخصيتي، عندما يكون هناك عمل درامي مقتبس من رواية أو قصة، أفضل دائمًا قراءة النص الأدبي أولًا قبل مشاهدة العمل الدرامي.
لذلك كنت متحمسة بالفعل لبدء قراءة الرواية، وعندما عُرضت عليَّ ترجمتها شعرت بسعادة كبيرة، وتوقعت أن تحقق نجاحًا مشابهًا لنجاح المسلسل. كما كانت هذه أول مرة أترجم فيها عملاً ينتمي إلى أدب الإثارة والجريمة، لأن معظم الترجمات التي أنجزتها سابقًا كانت ذات طابع اجتماعي. لذلك كنت متحمسة للغاية لهذه التجربة، وكنت أيضًا متشوقة لاكتشاف الفروق بين الرواية والعمل الدرامي، وكنت أظن أن القراء سيشعرون بالفضول نفسه لمعرفة القصة الأصلية التي استند إليها المسلسل.
الرواية مليئة بمصطلحات تتعلق بالأسلحة والتنظيمات السرية والأكشن. كيف تعاملتِ مع المصطلحات التقنية؟ هل اعتمدتِ على مراجع متخصصة؟ وهل واجهتِ مصطلحًا كان ترجمته معضلة حقيقية؟
نعم، واجهت بعض الصعوبات بالفعل، خاصة فيما يتعلق بالمصطلحات التقنية المرتبطة بالتكنولوجيا والإنترنت، مثل المصطلحات الخاصة بال ’الديب ويب‘ والشبكات المظلمة. لم تكن لدي خلفية سابقة عن هذه المجالات، لذلك كنت مضطرة إلى البحث المكثف عبر الإنترنت لفهم هذه المصطلحات بدقة قبل ترجمتها.
وفي بعض الأحيان كنت أشعر بشيء من القلق أثناء البحث، لأنني كنت أخشى أن تقودني عمليات البحث إلى مواقع أو محتويات مزعجة أو غير آمنة. ومع ذلك كنت حريصة على الوصول إلى الترجمة الدقيقة للمصطلحات كما تُستخدم فعليًا، وليس مجرد ترجمة حرفية.
الأمر نفسه ينطبق على المصطلحات المتعلقة بالأسلحة النارية والأسلحة البيضاء. لم تكن لدي معرفة مسبقة بها، لذلك كنت أبحث عنها وأطّلع على صورها أحيانًا حتى أتمكن من فهم أوصافها بدقة وترجمتها بطريقة صحيحة. وبما أن كثيرًا من هذه المصطلحات أصله إنجليزي، كان عليَّ أيضًا البحث عن الترجمة العربية المعتمدة لها إن وجدت. كما أشرتُ سابقًا فإن المصطلحات التقنية المرتبطة بالتكنولوجيا والإنترنت لم تكن متوفرة بصيغة عربية واضحة أو موحدة، بل إن كثيرًا منها يُستخدم كما هو باللغة الإنجليزية. لذلك كان عليّ أن أراجع الترجمات المختلفة لهذه المصطلحات، وأن أتحقق مما إذا كانت هناك مقابلات عربية معتمدة تُستخدم فعليًا.
فعلى سبيل المثال، مصطلحات مثل تسجيل الدخول، وتسجيل الولوج، وكلمة المرور، وغيرها من المصطلحات المرتبطة بعالم الإنترنت، لم يكن من السهل اختيار ترجمتها بشكل عشوائي أو حرفي. بل كان من الضروري البحث عن المقابل العربي الأكثر شيوعًا واستخدامًا، بحيث يكون مفهومًا للقارئ العربي، وليس مجرد ترجمة حرفية قد تبدو غريبة أو غير مألوفة.
لهذا كنت حريصة على اختيار المصطلحات العربية المتداولة فعليًا، حتى تصل المعاني بشكل واضح وسلس، دون الإخلال بالدقة أو الفهم.
ومن أكثر المصطلحات التي شكّلت تحديًا بالنسبة لي مصطلح ’الديب ويب‘، لأن هذا المصطلح غالبًا ما يُستخدم باللغة الإنجليزية كما هو. لذلك كان عليّ أن أوازن بين استخدام المصطلح المتداول وبين إيجاد صياغة عربية مفهومة للقارئ. والحمد لله تمكنت في النهاية من الوصول إلى صياغات مناسبة، وتبيّن من خلال تعليقات القراء أن المصطلحات كانت مفهومة وواضحة.
هل تواصلتِ مع الكاتبة خلال عملية الترجمة لطرح أسئلة أو توضيحات؟ أم اعتمدتِ بالكامل على قراءتك وتحليلك للنص؟
فيما يتعلق بالتواصل مع الكاتبة خلال عملية الترجمة، فإن ذلك يكون صعبًا في كثير من الأحيان، خاصة عند ضيق الوقت أو عندما يكون الكاتب شخصية معروفة يصعب الوصول إليها. لذلك كنت أفضل الاعتماد بشكل أساسي على فهمي وتحليلي للنص.
وفي حال واجهتُ مقطعًا أو مصطلحًا لم أتمكن من فهمه بشكل كامل، كنت أستعين أحيانًا بأصدقاء كوريين، أو بأصدقاء يجيدون اللغتين الكورية والعربية، ليساعدوني على فهم المعنى بدقة، خاصة إذا كان هناك شك في ترجمة مصطلح معين. كما أن الرواية تضمنت بعض العناصر المرتبطة باللغة الصينية، ولذلك كنت أرجع إلى أشخاص لديهم إلمام بالكورية والصينية معًا، لمساعدتي في فهم هذه المصطلحات أو الرموز بشكل صحيح.
ومع ذلك، فإن الرواية والحمد لله لم تكن صعبة من حيث الأسلوب، إذ إن الكاتبة اعتمدت أسلوبًا بسيطًا وسلسًا في الكتابة. وكانت التحديات تتركز بشكل أساسي في المصطلحات التقنية ومصطلحات الأسلحة، أما بقية النص فكان واضحًا، والجمل مفهومة، والأحداث متسارعة، مما جعل القراءة ممتعة وجذابة. فقد كان النص مشوّقًا إلى درجة أن القارئ يندمج فيه دون أن يشعر بمرور الوقت، وهذا يدل على مهارة الكاتبة في الوصف دون تعقيد.
وقد اعتمدتُ بالفعل على قراءتي وتحليلي للنص، وفي حال وجود بعض الأمور التي لم أكن واثقة منها تمامًا، كنت ألجأ إلى استشارة أشخاص يجيدون اللغتين، سواء من هم أكثر خبرة، أو من يدرسون اللغة الصينية أو نظام الكتابة الكوري المرتبط بها (الهانجا)، وذلك لضمان الفهم الدقيق.
ورغم كل ذلك، ما زلت أتمنى دائمًا أن أتمكن من التواصل مع الكُتّاب الذين أترجم أعمالهم، ليس فقط فيما يخص هذا العمل، بل جميع الأعمال التي قمت بترجمتها. فأنا أرغب في شكرهم على إتاحة الفرصة لنقل الأدب الكوري إلى القارئ العربي، كما أتمنى أن أُعبّر لهم عن مدى تقدير القراء العرب لأعمالهم. ويُعدّ من أحلامي أن ألتقي بهم يومًا ما، أو على الأقل أن تتاح لي فرصة التواصل معهم، وإن كان ذلك لا يحدث إلا نادرًا. وآمل أن يتحقق ذلك في المستقبل.
إحدى نسخ الرواية الكورية ’متجر للقتلة‘ بعد صدورها باللغة العربية. (الصورة: إسراء الزيني)
ما أكثر مشهد كان مرهقًا لكِ كمترجمة؟ هل مشاهد الأكشن أم الحوارات النفسية أم التفاصيل الدقيقة للعالم السري؟
في الواقع كانت أكثر المشاهد صعوبة بالنسبة لي هي مشاهد الأكشن، نظرًا لما تتطلبه من حركة سريعة وتفاصيل تقنية دقيقة. ومن بين هذه المشاهد، كان هناك مشهد تُصاب فيه البطلة في ظهرها بسلاح حاد يشبه الخطاف. وهذا السلاح لم يكن من الأنواع المتعارف عليها، بل بدا في الرواية أن القاتل يستخدم أداة صمّمها بنفسه.
لذلك كان عليّ أولًا أن أتخيّل آلية عمل هذا السلاح وكيفية استخدامه، خاصة أن المشهد يوضح أنه أصابها بطريقة محددة جعلتها غير قادرة على التخلص منه بسهولة. وكانت الصعوبة تكمن في وصف هذا المشهد بدقة، دون أن يبدو الأمر وكأن الإصابة حدثت بشكل عابر أو بسيط، إذ إن الرواية قدّمت وصفًا تفصيليًا لشكل السلاح وطريقة استخدامه.
كما أن المشهد كان سريع الإيقاع، كونه مشهد أكشن، مما تطلّب مني أن أوازن بين دقة الوصف والحفاظ على سرعة السرد. فكان من الضروري أن أنقل جميع التفاصيل، وفي الوقت نفسه أحافظ على الإيقاع المتسارع للمشهد حتى لا يفقد حيويته أو يتحول إلى نص بطيء.
إضافة إلى ذلك، كان من المهم الحفاظ على منطقية الأحداث، بحيث تبدو حركة الشخصية وردود أفعالها متسقة مع طبيعة الإصابة. ولهذا كانت ترجمة مثل هذه المشاهد تتطلب عناية خاصة، لأنها تجمع بين الدقة اللغوية والحس السردي في آن واحد.
أما فيما يتعلق بالمصطلحات المرتبطة بالإنترنت والتكنولوجيا، فقد كانت تمثل تحديًا أيضًا، لأن كثيرًا منها يُستخدم في العالم العربي بصيغ إنجليزية. لذلك كنت أحاول الموازنة بين استخدام المرادفات العربية حين تكون متوفرة ومفهومة، وبين اللجوء إلى بدائل مناسبة إذا لم يكن هناك مصطلح عربي واضح.
وفي المقابل، كانت الحوارات النفسية والمونولوجات الداخلية في الرواية من أكثر الأجزاء التي استمتعت بترجمتها، إذ وجدت فيها سلاسة وعمقًا، وشعرت براحة كبيرة أثناء العمل عليها. أما ترجمة مشاهد الأكشن، فكانت تجربة جديدة بالنسبة لي، لكنها أضافت إلى خبرتي الكثير.
رواية ’متجر للقتلة‘ في ترجمتها العربية التي لاقت رواجًا بين القراء. (الصورة: إسراء الزيني)
كيف تقيمين تفاعل القارئ العربي مع هذا النوع من الأدب الكوري الذي يمزج الجريمة بالفلسفة والبعد النفسي؟
في الحقيقة ومن خلال خبرتي في الترجمة والقراءة، أرى أن القارئ العربي يميل بشكل واضح إلى أدب الجريمة، سواء كان كوريًا أو من ثقافات أخرى. وربما يرتبط هذا الاهتمام في حالة الأدب الكوري بشعبية الدراما الكورية، خاصة الأعمال التي تنتمي إلى نوع الجريمة أو الدراما النفسية، والتي تحظى بإقبال كبير وردود فعل إيجابية من المشاهدين.
وهذا النجاح الدرامي قد يدفع الجمهور إلى الاهتمام بالأعمال الأدبية التي تنتمي إلى النوع نفسه، خاصة أن الدراما بطبيعتها أكثر انتشارًا وجماهيرية من الأدب. إلى جانب ذلك، ألاحظ أن القراء ينجذبون أيضًا إلى البعد الفلسفي والنفسي في هذه الأعمال، لما يقدمه من عمق وتحليل للشخصيات.
وقد كانت لي تجارب سابقة مع هذا النوع من الأدب، مثل ترجمة أعمال تتناول الجانب النفسي المظلم، ككتاب ’مذكرات قاتل‘ و’حقي في تدمير نفسي‘ بالإضافة إلى بعض الأجزاء ذات الطابع النفسي في أعمال أخرى. ومن خلال ردود الفعل التي تلقيتها بعد نشر هذه الأعمال، لاحظت وجود اهتمام متزايد من القراء بهذا النوع من الروايات، بل ورغبة في قراءة المزيد من أدب الجريمة.
كما أن هناك أعمالًا أخرى من الأدب الكوري في هذا المجال تُرجمت على يد مترجمين متميزين، مثل رواية ’المتآمرون‘ ترجمة ’محمد نجيب‘ ورواية ’السيدة شيم قـاتلة‘ للكاتبة ’كانج جي يونج‘ ترجمة ’سلمى حسنين‘. وكل ذلك يشير إلى وجود إقبال حقيقي على هذا النوع الأدبي، حيث تحقق هذه الروايات مبيعات جيدة وتحظى باهتمام القراء.
وبالنسبة لي، كنت سعيدة بخوض تجربة ترجمة أدب الجريمة، فقد كانت تجربة جديدة وممتعة، وأتمنى الاستمرار في هذا النوع من الترجمة مستقبلًا.
برأيك ما الذي يميز الأدب الكوري المعاصر ويجعله قابلاً للانتقال عالميًا بهذه القوة؟
إضافة إلى ذلك، تلعب حركة الترجمة دورًا كبيرًا في انتشار الأدب الكوري عالميًا. فالحكومة الكورية والمؤسسات الثقافية تولي اهتمامًا كبيرًا بترجمة الأدب الكوري إلى لغات متعددة، وتقدم دعمًا وبرامج متنوعة لتشجيع الترجمة. وهذا ما ساهم في وصول الأدب الكوري إلى جمهور عالمي واسع.
في الواقع ينقسم هذا السؤال إلى شقين. أولًا، فيما يتعلق بما يميز الأدب الكوري، أرى أن الأدب الكوري سواء الذي يكتبه الرجال أو النساء يتميز بقدرة عالية جدًا على نقل المشاعر والأحاسيس الإنسانية بصدق وشفافية. فهو يقدم التجارب الإنسانية بأسلوب مرهف وقريب من القارئ، بحيث يمكن لأي إنسان بغض النظر عن خلفيته الثقافية أن يتفاعل معه ويشعر به.
كما أن الأدب الكوري لا يقتصر على تناول القضايا المحلية، بل يعبر عن مشكلات إنسانية واجتماعية عامة تمس الإنسان المعاصر في مختلف المجتمعات، وليس المجتمع الكوري فقط. فهو يعبّر بعمق عن الاغتراب والاضطرابات النفسية التي يعيشها الإنسان، ويقدمها بصورة مؤثرة تلامس وجدان القارئ.
ومن أبرز ما يميزه أيضًا أسلوب السرد، إذ يمتلك الأدب الكوري أسلوبًا خاصًا ومتفردًا في السرد، يختلف عن غيره من الآداب الآسيوية والعالمية، ويجمع بين السلاسة والعمق في آن واحد. وهذا ما يجعل النصوص الكورية قادرة على جذب القارئ والاستحواذ على اهتمامه.
أما الشق الثاني، والمتعلق بانتشار الأدب الكوري عالميًا، فأرى أن الترجمة تلعب الدور الأهم في ذلك حيث تولي كوريا اهتمامًا كبيرًا بحركة الترجمة ولديها برامج عديدة لدعمها. فمهما كان العمل الأدبي متميزًا، فإنه لن يصل إلى جمهور عالمي إلا من خلال الترجمة. واللغة الكورية كما هو معروف، تقتصر في الأساس على عدد محدود من المتحدثين إذ تُستخدم أساسًا في بلدين كانا في الأصل أمة واحدة ثم انفصلا، وبالتالي فإن عدد الناطقين بها يظل محدودًا مقارنة بلغات أخرى أكثر انتشارًا حول العالم. ومع ذلك نلاحظ أن الأدب الكوري استطاع أن ينتشر عالميًا بشكل واسع، فلقد أدركت كوريا هذه الحقيقة مبكرًا، ولذلك أولت اهتمامًا كبيرًا بحركة الترجمة، من خلال دعمها ببرامج ومبادرات متعددة، مثل تقديم المنح، وتسهيل شراء حقوق النشر، وتشجيع ترجمة الأدب الكوري إلى مختلف اللغات، ومنها العربية والإنجليزية والإسبانية والألمانية وغيرها. وقد انعكس هذا الاهتمام بشكل واضح في الانتشار الواسع للأدب الكوري عالميًا أو في تحقيقه إنجازات أدبية مهمة كحصول الكاتبة الكورية ’هان كانغ‘ بجائزة نوبل للآداب لعام 2024 مما يؤكد أن الترجمة كانت العامل الأساسي في وصول هذه الآداب إلى القراء حول العالم، إذ لم يكن من الممكن أن يحقق هذا الانتشار دون وجود حركة ترجمة نشطة.
وفي المقابل، نجد أن الأدب العربي رغم غناه وما يزخر به من أعمال أدبية متميزة وكتّاب كبار بارزين، لا يحظى بنفس القدر من الانتشار عالميًا، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى ضعف حركة الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى. لذلك يمكن القول إن نجاح الأدب الكوري في الوصول إلى العالمية لم يكن نتيجة جودته فقط، بل أيضًا نتيجة الاهتمام المؤسسي الكبير بدعم الترجمة ونشره خارج حدوده اللغوية.
ومن هنا أرى أن جهود الدولة والمؤسسات الثقافية في دعم الترجمة هي العامل الأساسي الذي جعل الأدب الكوري قادرًا على الانتشار عالميًا بهذا الشكل القوي واللافت.
لو عاد بكِ الزمن إلى أول عمل ترجمته، ما النصيحة التي تقدمينها لنفسكِ كمترجمة مبتدئة؟
لو عاد بي الزمن إلى أول تجربة ترجمة، فإن أول نصيحة كنت سأقدمها لنفسي كمترجمة مبتدئة هي أن أهتم أكثر باللغة العربية نفسها، وبأساليبها وتقنيات الترجمة المختلفة. كما كنت سأنصح نفسي بالالتحاق بدورات في التحرير والتدقيق اللغوي، لأنني في بداياتي كنت أعتمد بشكل كبير على معرفتي العامة باللغة العربية وعلى قراءاتي وثقافتي العامة، بالإضافة إلى ما درسته في الكلية من مواد تتعلق بالترجمة. إلا أنني أدركت لاحقًا أن ذلك لم يكن كافيًا.
فعندما أنظر إلى تجربتي الآن، أجد أنني كنت بحاجة إلى تطوير أدواتي بشكل أكبر، خاصة فيما يتعلق بأساليب اللغة العربية وصياغاتها. لذلك أرى أن الاهتمام باللغة العربية هو الأساس الذي ينبغي أن يركز عليه أي مترجم، وهو ما كنت سأحرص عليه أكثر لو أتيحت لي فرصة العودة إلى البدايات.
كما أنصح كل مترجم أو كاتب بأن يقوم بتدوين المصطلحات الصعبة أو غير المألوفة التي تواجهه أثناء الترجمة، خاصة تلك التي يجد صعوبة في إيجاد مقابل عربي مناسب لها. وقد بدأت في تطبيق هذه الفكرة مؤخرًا وأدركت أهميتها، إذ كان من الممكن أن تسهّل عليّ الكثير في أعمالي الأولى. فوجود ما يشبه مرجعًا أو قاموسًا خاصًا بالمصطلحات التي تمت ترجمتها، مع توثيق المرادفات العربية التي تم اعتمادها سيساعد المترجم نفسه في المستقبل، كما يفيد المترجمين الآخرين الذين يعملون في المجال ذاته، خاصة في الترجمة من اللغة الكورية.
ومن الأمور المهمة أيضًا التي لم أكن أُوليها اهتمامًا كافيًا في البداية، هي الاهتمام بآراء القراء. فمن الضروري أن يكون المترجم قريبًا من القارئ، وألا يبدو بعيدًا عنه. فآراء القراء والنقاد سواء كانوا نقادًا متخصصين أو قراء عاديين تعكس جوانب قد لا يلاحظها المترجم بنفسه.
فعندما ينتهي المترجم من عمله، يكون قد قرأ النص مرات عديدة واعتاد عليه، وربما لا يعود قادرًا على ملاحظة بعض الأخطاء أو نقاط الضعف. لكن عندما يقرأه شخص آخر للمرة الأولى، يمكنه أن يكتشف هذه الأمور بسهولة أكبر. لذلك فإن تلقي الملاحظات أو الآراء يعد أمرًا مهمًا للغاية.
كما أرى أنه لا ينبغي الخوف من النقد حتى وإن كان نقدًا سلبيًا، لأن هذا النوع من الملاحظات هو الذي يساعدنا على تطوير أسلوبنا وتفادي الأخطاء في الأعمال القادمة. وهذه من الأمور التي لم أكن أدرك أهميتها بشكل كافٍ في بداياتي، لكنني أصبحت الآن أكثر وعيًا بها.
عند قراءتك للرواية الكورية ثم مشاهدتك للعمل الدرامي المقتبس عنها، ما أول اختلاف جوهري شعرتِ به؟ هل كان في البناء السردي أم في معالجة الشخصيات؟
أما فيما يتعلق بالفارق بين الرواية والعمل الدرامي، فقد كان هناك اختلاف واضح في معالجة الشخصيات. فعلى سبيل المثال شخصية الشرير في الرواية كانت تُذكر في سياق الأحداث من خلال مشاهد الاسترجاع (فلاش باك) بل إن الرواية تبدأ بالإشارة إلى أن هذه الشخصية قد قُتلت بالفعل. أما في العمل الدرامي فقد تم توسيع دور هذه الشخصية بشكل كبير، حيث رأى صُنّاع العمل أنها تمتلك أبعادًا درامية يمكن البناء عليها، مما أدى إلى إبقائها على قيد الحياة ومنحها مساحة أكبر في الأحداث.
كذلك كان هناك اختلاف كبير في شخصية العم ’جيونغ جين-مان‘، الذي يُعد من الشخصيات المحورية في القصة. ففي الرواية، وُصف بأنه رجل بدين وأصلع وغير جذاب، بل وتبدو شخصيته في بعض الأحيان غير محببة. أما في الدراما فقد تم تقديمه بصورة مختلفة تمامًا حيث ظهر بشخصية جذابة وبنية جسدية قوية، أقرب إلى صورة البطل الكوري التقليدي. ويبدو أن هذا التغيير كان مقصودًا من صُنّاع العمل، باعتباره أحد عوامل نجاح المسلسل.
وعلى المستوى الشخصي شعرت بارتباط أكبر بالشخصية كما قُدمت في الرواية، لأنها بدت أكثر واقعية ومنطقية بالنسبة لي. ومع ذلك فقد استمتعت أيضًا بتجسيدها في العمل الدرامي، خاصة مع الأداء المميز للممثل ’لي دونغ-ووك‘.
وفي النهاية يمكن القول إن معالجة الشخصيات تختلف بين الرواية والدراما، ولكل منهما طابعه الخاص. فالرواية تتيح مساحة أوسع للتعمق في التفاصيل الداخلية للشخصيات، بينما تعتمد الدراما على الصورة والحوار في تقديمها. ولذلك، فإن العمل الدرامي لا يُعد نقلًا حرفيًا للرواية، بل هو إعادة تقديم لها برؤية مختلفة، مع الحفاظ على الإطار العام للعالم الذي تنتمي إليه القصة.
الرواية تخلق عالمًا عبر الكلمات، بينما الدراما تخلق عالمًا عبر الديكور والإضاءة والموسيقى. برأيك، أي الوسيطين كان أكثر قدرة على بناء أجواء ’المتجر‘ ككيان غامض ومقلق؟
في الحقيقة يعتمد ذلك إلى حد كبير على المتلقي نفسه. فهناك قراء يفضلون استخدام خيالهم في بناء العالم الذي تصفه الرواية بالكلمات، بينما يفضل آخرون مشاهدة العالم مجسدًا بصريًا من خلال الدراما.
بالنسبة لي شخصيًا، شعرت بارتباط أكبر بالأجواء التي قدمتها الرواية. فقد كان وصف المخزن والأسلحة والأحداث التي تدور داخله مفصلًا ومؤثرًا، مما جعلني أتصور المكان بوضوح في ذهني. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن الدراما الكورية بفضل إمكانات الإنتاج العالية، والإضاءة، وأداء الممثلين، تقدم تجربة بصرية مبهرة. لذلك يمكن القول إن كلاً منهما يقدم العالم نفسه بطريقة مختلفة، ولكل منهما تأثيره الخاص.
هل تعتقدين أن نجاح العمل الدرامي يعيد تشكيل قراءة الجمهور للرواية؟ بمعنى: هل يشاهد القارئ الشخصيات بوجوه الممثلين بعد المشاهدة؟
نعم بالتأكيد. نجاح العمل الدرامي لا يعيد تشكيل طريقة قراءة الرواية فحسب، بل يساهم أيضًا في إعادة إحياء الرواية نفسها. فكثير من القراء قد يتعرفون إلى العمل الأدبي من خلال المسلسل أولًا، ثم يتجهون إلى قراءة الرواية الأصلية بدافع الفضول.
كما أن المشاهدين غالبًا ما يبدأون في مقارنة الشخصيات والأحداث بين الرواية والدراما، ويلاحظون الاختلافات في المعالجة الدرامية أو في تطور الشخصيات. وفي كثير من الأحيان يتخيل القارئ الشخصيات بوجوه الممثلين الذين شاهدهم على الشاشة. لذلك يمكن القول إن العمل الدرامي لا يروّج للرواية فقط، بل يخلق أيضًا طريقة جديدة لقراءتها وتفسيرها.
وعلى المستوى الشخصي، أفضل ترجمة الأعمال التي تم تحويلها إلى أعمال درامية، لأن ذلك يقرّبها أكثر من القارئ، ويسهم بشكل كبير في الترويج لها. فغالبًا ما يكون الجمهور قد شاهد العمل بالفعل وأعجب به، مما يجعله أكثر استعدادًا لقراءة الرواية الأصلية. لذلك يمكن القول إن نجاح العمل الدرامي يسهم بشكل واضح في تقريب الأدب من القارئ العربي. وبصراحة، كنت سعيدة جدًا بهذه التجربة.
في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، كانت ’متجر للقتلة‘ من بين الروايات الأكثر مبيعًا. كيف استقبلتِ هذا الخبر كمترجمة؟ وهل توقعتِ هذا الحجم من الإقبال؟
سعيدة جدًا بأن رواية ’متجر للقتلة‘ كانت من بين الأكثر مبيعًا في معرض القاهرة للكتاب أو في معارض الخليج، وسعيدة جدًا بالإقبال الكبير عليها في معارض الكتاب. كما أشعر بسعادة كبيرة لأن هناك اهتمامًا متزايدًا بالأدب الكوري، رغم أننا لم نترجم منه حتى الآن سوى نسبة ضئيلة جدًا للقارئ العربي. ويسعدني أن القراء العرب أقبلوا عليه، فالمهم في البداية هو إتاحة الفرصة لهم لاكتشاف هذا الأدب، حتى وإن اختلفت آراؤهم بعد القراءة، فالأهم أن نمنحهم فرصة للتذوق والتجربة.
إن نقل صورة صادقة عن كوريا والمجتمع الكوري من خلال الأدب هو أمر مهم للغاية، وأشعر بالامتنان الشديد لأنني أساهم ولو بجزء بسيط في هذا الجسر الثقافي. كما أنني أرى ثمرة الجهد الذي أبذله عندما أجد تفاعلًا من القراء، سواء من خلال المراجعات أو من خلال أسئلتهم عن تفاصيل الرواية، أو عن المصطلحات الكورية، أو عن المجتمع الكوري بشكل عام.
وبصراحة أشعر بسعادة كبيرة لأنني كنت سببًا، أو جزءًا من سبب، في تعريف القارئ العربي بالثقافة الكورية من خلال الرواية. خاصة أن الأدب الكوري أدب عميق وغني، وقد حصد جوائز عالمية كبرى مثل جائزة نوبل في الأدب، ومع ذلك نجد أن القراء العرب يتفاعلون معه ويشعرون بالقرب منه، رغم اختلاف الثقافات.
بل إن هذا التفاعل يكشف عن وجود نقاط تشابه إنسانية وثقافية بين المجتمعات العربية والكورية، وهو ما يجعل هذا الأدب قريبًا ومفهومًا. لذلك أشعر بسعادة كبيرة عندما يخبرني أحد القراء أنه لم يكن يعرف الكثير عن كوريا، لكنه بدأ يتعرف عليها من خلال هذه الكتب، أو أنه اكتشف أوجه تشابه بين الثقافتين.
في النهاية، أشعر بالامتنان لهذه الفرصة، وبالفخر بما قدمته للقراء العرب من خلال هذا العمل.
مقتطفات من رواية ’متجر للقتلة‘. (الصورة: سلوى الزيني)
خلال المعرض هل تلقيتِ تعليقات أو آراء من قراء مصريين حول الترجمة تحديدًا؟ وهل لفتك تعليق معين بقي عالقًا في ذهنك؟
أكثر تعليق يتكرر من القراء هو أن الترجمة كانت سلسة وسهلة القراءة. كثير منهم يقول إنهم شعروا وكأنهم يقرأون رواية مكتوبة أصلًا باللغة العربية، رغم اختلاف الأسماء والثقافة.
وهذا النوع من التعليقات يسعدني كثيرًا، لأن أحد أهم أهداف الترجمة الأدبية هو أن يشعر القارئ بالألفة مع النص، وألا يشعر بالغربة أو التعقيد أثناء القراءة. عندما يخبرني قارئ أنه اندمج مع الرواية ولم يشعر بأنها مترجمة، أشعر أنني نجحت في نقل النص بطريقة قريبة وطبيعية.
هل ترين أن نجاح ’متجر للقتلة‘ في القاهرة يمكن أن يشجع دور النشر العربية على التوسع في ترجمة الأدب الكوري المعاصر؟
ليس نجاح متجر للقتلة وحده هو ما يلفت الانتباه، بل إنني أرى أن هناك في الوقت الحالي حركة كبيرة ومزدهرة لترجمة الأدب الكوري. فهناك إقبال واضح من القراء على هذا الأدب، كما يوجد مترجمون متميزون على الساحة، على عكس ما كان عليه الوضع في السابق، حيث لم يكن عدد المهتمين بهذا المجال كبيرًا.
وأنا سعيدة جدًا بأن أكون جزءًا من هذه المنظومة، ومن هذه الحركة النشطة في الترجمة. وأرى أن إقبال القراء هو العامل الأساسي الذي يشجع دور النشر؛ ففي النهاية، هذه الدور تهدف إلى تحقيق الربح، وإذا لم يكن هناك طلب من القراء، فلن تُقدم على ترجمة الأدب الكوري أو شراء حقوق نشره. لذلك فإن هذا الإقبال هو المحرك الأول، إلى جانب وجود مترجمين أكفاء قادرين على نقل الأدب الكوري بشكل جيد إلى القارئ العربي.
كما ألاحظ وجود اهتمام متزايد من الناشرين بشراء حقوق الروايات الكورية، وهو ما يعكس حالة من الازدهار والزخم في هذا المجال، خاصة مع تأثير أحداث مهمة مثل فوز الكاتبة هان كانغ بجائزة نوبل في الأدب، مما زاد من الاهتمام العالمي بالأدب الكوري. ولم يعد هذا الاهتمام مقتصرًا على القراء المهتمين بالثقافة الكورية فقط، بل امتد أيضًا إلى نقاد وأدباء.
وقد شاركتُ في ترجمة أعمال أخرى، والحمد لله لاقت هذه الروايات ردود فعل إيجابية، مما يزيد من شعوري بالفخر لكوني جزءًا من هذه الحركة. وأرى أن المستقبل يحمل فرصًا أكبر، وأتمنى أن تستمر هذه المسيرة في التطور.
كما أتمنى أن تكون الأعمال التي نترجمها مناسبة لذوق القراء، وأن يستمتعوا بها، سواء كانوا قد تعرفوا عليها من خلال الترجمة الإنجليزية أو من خلال الأعمال الدرامية. والأهم أن نتمكن من تقديم هذه الأعمال باللغة العربية في وقت قريب، حتى يستمتع بها القارئ بلغته الأم، وأتمنى أن يتحقق ذلك قريبًا.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.