نرى في الصور مقتطفات من رحلتي في تعلم اللغة الكورية على مدار ٣ أعوام، من المستوى الأول إلى المستوى الثامن، واستلامي شهادة نجاح فصلنا في المستوى السادس خلال الحفل الذي أقامه المركز الثقافي الكوري في مصر في فندق شيراتون العام الماضي. (الصور من تصويري الشخصي)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية سارة علي فاضل
منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، بدأت رحلتي الصغيرة مع كوريا، عبر الشاشات وأغاني الكيبوب والدراما الكورية التي أيقظت بداخلي فضولًا تجاه لغتها وثقافتها الفريدة. لم أكن أتخيل حينها أن هذا الشغف سيقودني بعد سنوات إلى أحد الفصول الدراسية في المركز الثقافي الكوري في مصر، حيث بدأت أولى خطواتي الجادة في تعلُّم اللغة الكورية.
ولكن قبل أن أبدأ الحديث عن رحلتي مع اللغة الكورية، لا بد من التوقف عند الأبجدية التي جعلت هذه اللغة تنبض بالحياة وهي 'الهانغل'.
'الهانغل' هو نظام الكتابة الكوري الذي ابتُكر في القرن الخامس عشر في عهد الملك سيجونغ العظيم، أحد أكثر الملوك الكوريين احترامًا ومحبة في التاريخ.
كان الهدف من اختراعه نبيلًا وبسيطًا في الوقت نفسه: أن يتمكن عامة الناس من القراءة والكتابة بسهولة، بعدما كانت الكتابة في السابق تعتمد على الحروف الصينية الصعبة.
يُعرف الهانغل بكونه نظامًا منطقيًا وسهل التعلم، وقد أسهم في رفع مستوى التعليم ونشر المعرفة بين الكوريين بسرعة مذهلة.
ولقد قال عنه الملك سيجونغ: "الهانغل نظام كتابي سهل، يمكن لأي إنسان أن يتعلمه في يومٍ واحدٍ إن كان ذكيًا، وفي عشرة أيام إن كان بطيئًا."
واليوم، يُحتفى به في التاسع من أكتوبر من كل عام، في مناسبة تُعرف بـ يوم الهانغل، تخليدًا لتلك اللحظة التي غيّرت تاريخ اللغة الكورية إلى الأبد.
نرى في الصور بداية رحلتي مع تعلم اللغة الكورية في المستوى الأول بمعهد الملك سيجونغ بالمركز الثقافي الكوري في مصر عام ٢٠٢٢. (الصور من تصويري الشخصي)
عندما بدأت تعلم اللغة الكورية، لم أكن أستطيع قراءة أو كتابة أي حرف من الهانغل. كانت اللغة بالنسبة لي عالمًا جديدًا بالكامل بحروفٍ وقواعدَ نطقٍ تختلف تمامًا عن لغتي العربية.
في البداية، كنت أواجه صعوبة كبيرة في كتابة الجمل الكورية، وخاصًة عندما يكون عليّ إنجاز الكثير من الواجبات أو كتابة موضوعات محددة، فكان الأمر يستغرق مني وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا.
وعلى مدار ثلاث سنوات، قضيت ساعات طويلة بين الكتب والملحوظات والتدرب ومشاهدة قنوات تعليم اللغة الكورية على منصات التواصل الاجتماعي، أحاول أن أفهم القواعد وأتغلب على صعوبة النطق والكتابة. كانت هناك أيام شعرت فيها بالإحباط، وأخرى امتلأت بالفخر عندما استطعت التعبير بجمل صحيحة أو كتابة فقرة قصيرة بالكورية دون أخطاء.
نرى في الصور المراحل الأولى لتعلمي كيفية كتابة موضوع باللغة الكورية، وحل الواجبات، وقيامي دائمًا بتشجيع نفسي على مواصلة العمل الجاد. (الصور من تصويري الشخصي)
لكن وراء كل تقدم حققته، كانت تقف معلماتي من المستوى الأول وحتى المستوى الثامن، اللواتي بذلن جهدًا كبيرًا معي. لم يكن دورهن مجرد تعليم اللغة، بل كان دعمًا وتشجيعًا مستمرين، سواء في الفصول أو خارجها. ومع كل مستوى كنت أشعر أنني أتطور بشكل جيد، ربما ليس بشكل سريع، ولكني أتقدم وأحقق إنجازات صغيرة مستمرة.
وأنا أؤمن تمامًا أن كل من يجتهد ويثابر سيصل إلى أحلامه. وإنني أطمح إلى مواصلة التعلم حتى أصل إلى المستوى المتقدم وأتمكن من إتقان اللغة الكورية -بشكل كامل- يومًا ما.
نرى في الصور مقتطفات أخرى وتطور كتابتي لمواضيع اللغة الكورية بمرور المستويات، ونرى اسمي مكتوبًا بالهانغل على مكان جلوسي في المستوى الخامس. (الصور من تصويري الشخصي)
وها أنا اليوم طالبة في المستوى الثامن، وهو المستوى الأخير من المستويات المتوسطة، وكذلك المستوى الأخير في معهد الملك سيجونغ بالمركز الثقافي الكوري في مصر. أتمنى أن يوفقني الله وأن تكلل هذه الرحلة الطويلة من التعب والدراسة بالتخرج أنا وكل صديقاتي في المستوى الثامن، حيث تطورت صداقتنا على مدار عامين وأصبحنا عائلة واحدة نساعد بعضنا بعضًا بحب وفخر.
نرى في الصور شهاداتي التي حصلت عليها عند اجتيازي كل مستوى من المستويات السبعة في معهد الملك سيجونغ بالمركز الثقافي الكوري في مصر. (الصور من تصويري الشخصي)
ولا يمكن أن أنهي حديثي عن رحلتي في تعلم اللغة الكورية دون هذه الفرصة لعمل مقابلة مع معلمتي في المستوى الثامن 'إن هايون'، للتعرف أكثر عليها وعلى رحلتها في تدريس اللغة الكورية في العالم العربي.
مرحبًا معلمتي العزيزة، في البداية، نودّ أن تعرّفي قرّاء كوريا نت بنفسك.
مرحبًا، كيف حالكم؟ أنا المعلمة هايون، أدرّس اللغة الكورية في معهد الملك سيجونغ. التقيتُ بكم في الصيف، ويسعدني جدًا أن ألتقي بكم مجددًا من خلال سارة هذه المرة.
ما الذي ألهمك لتبدئي تعليم اللغة الكورية؟ هل كان هناك سبب شخصي أو تجربة دفعتك لمشاركة لغتك وثقافتك؟
في الحقيقة، أحب تعلّم اللغات الجديدة، وقد تخصّصتُ في الأدب الإنجليزي في الجامعة. ومع انفتاح المجتمع الكوري أكثر في السنوات الأخيرة، أتيحت لي فرصة لقاء العديد من الأجانب في كوريا، وقد لاحظتُ معاناتهم في تعلّم اللغة الكورية.
وكما تعلمون، اللغة الكورية ليست سهلة. وقد ذكّرني ذلك بأيام كنتُ أتعلم فيها لغات أخرى، لهذا السبب، قررتُ متابعة دراساتي العليا للحصول على الماجستير والدكتوراه حتى أتمكن من التدريس لطلاب من مختلف أنحاء العالم. والآن أنا هنا، سعيدة جدًا بلقائكم جميعًا.
كيف تصفين تجربتك في تدريس اللغة الكورية في مصر مقارنة بعُمان؟ ما أوجه التشابه والاختلاف بين الطلاب في البلدين؟
اللغة الأم لكل من الطلاب العُمانيين والمصريين هي العربية، لذلك ألاحظ أنهم يرتكبون أخطاء نحوية متشابهة.
لكن ما يميّز الطلاب المصريون هو تفاعلهم الكبير في الصف وشغفهم الملحوظ بتعلّم اللغة الكورية. كما أنهم واضحو الهدف ويسعون دائمًا للتقدم، وهذا أمر رائع حقًا. لذلك أقدّر جدًا هذا الموقف الإيجابي تجاه تعلّم اللغة الكورية.
ما أبرز التحديات التي واجهتك أثناء التدريس خارج كوريا؟ وكيف تجاوزتِها؟
أكبر تحدٍ واجهته في الخارج هو الحنين إلى وطني، فأنا أفتقد والديّ وأصدقائي المقربين كثيرًا، كما أشتاق لطعام والدتي الكوري اللذيذ.
وأحيانًا يكون الطقس تحديًا أيضًا، فكوريا تتميز بأربعة فصول واضحة، ولكل فصل طعامه الموسمي وجماله الخاص، وأفتقد ذلك كثيرًا.
من وجهة نظرك، ما الفروقات بين الطلاب العرب والكوريين من حيث أسلوب التعلم والدافع؟ وهل هناك مواقف لا تُنسى توضح هذه الفروقات؟
المجتمع الكوري يتميز بشغفه الكبير بالتعليم، مما يجعل الطلاب في منافسة دائمة. فالحصول على قبول في جامعة مرموقة يُعتبر طريقًا أساسيًا للنجاح، ولهذا يبدأ الأطفال منذ الصغر بالالتحاق بالمعاهد الخاصة، ويضحي معظم طلاب المرحلتين المتوسطة والثانوية بوقت اللعب من أجل الدراسة. أحيانًا أشعر بالأسف تجاههم بسبب الضغط الكبير.
أما الطلاب المصريون، فهم أيضًا مجتهدون للغاية، ولكن نظرًا إلى أن عدد سكان مصر أكبر بكثير من كوريا، فإن هناك تنوعًا أكبر بين الطلاب من حيث القدرات والدوافع.
ما نصيحتك لجميع من يرغبون في تعلم اللغة الكورية في العالم العربي؟ وما العوامل التي تعتبرينها الأهم لتحقيق النجاح والاستمرارية في تعلم اللغة؟
إذا كنتم تطمحون للعمل في شركة كورية في مصر أو للحصول على منحة دراسية في جمهورية كوريا، فاعلموا أن الأمر لا يتعلق باللغة فقط. من المهم جدًا أن تفهموا الثقافة الكورية، وبيئة العمل، والقيم الأساسية في المجتمع الكوري.
فحتى الطلاب المتقنون للغة قد لا ينجحون في العمل داخل مؤسسة كورية إذا لم يلتزموا بأساسيات أخلاقيات العمل مثل الانضباط، والالتزام بالمواعيد، والسلوك المهذب.
أما بالنسبة لتعلم اللغة نفسها، فالاستمرارية هي مفتاح النجاح.
اللغة تتحسن تدريجيًا، خطوة بخطوة، مثل صعود الدرج. لذلك لا تستسلموا وواصلوا طريقكم حتى تصلوا إلى هدفكم. أنتم قادرون على ذلك.
وللعام الثاني على التوالي، حصلت الطالبتان المصريتان آلاء وجنى على المركز الثاني عالميًا في مسابقة معهد سيجونغ للتحدث باللغة الكورية.
يمكنكم أن تجعلوا هذا هدفًا لكم أيضًا، فأنتم قادرون على تحقيقه. أنا فخورة بكم جميعًا، وأشكركم على دعمكم المستمر لنشر اللغة والثقافة الكورية في مصر.
نرى في الصور بعض اللقطات التي قمت بالتقاطها خلال المستوى السابع وبداية المستوى الثامن. (الصور من تصويري الشخصي)
وفي نهاية هذا المقال، أرغب في أن أعبّر عن خالص امتناني لمعلمتي في المستوى الثامن، 'إن هايون'، التي منحتني من وقتها لإجراء هذه المقابلة الجميلة، وشاركتني كلماتٍ ملهمة زادتني حبًا للغة والثقافة الكورية.
كما أتوجه بالشكر لكل معلماتي اللواتي رافقنني خلال المستويات الثمانية، على دعمهن وتشجيعهن الدائم. آمل أن يكون هذا المقال مصدر إلهامٍ لكل من يفكر في البدء بتعلم اللغة الكورية، وأتمنى أن تصل رسالتي لكل من يحمل شغفًا؛ أن البداية قد تكون صعبة، لكن الاستمرار هو ما يصنع النجاح.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.