صفحة من كتاب أنا لست كسولا، بل على وضع توفير الطاقة لدانسينغ سنيل. (تعود حقوق الصورة إلى دار أدارنا هاوس)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية إيمان الأشقر
كثيرا ما يظن الناس أن القراءة يجب عليها أن تكون عملية شاقة ومرهقة لتكون مفيدة ولذلك ينفرون منها. رغم أنها من الممكن أن تصبح سبيلنا الوحيد إلى الراحة والهدوء وسط ضجة هذا العالم الحديث. وليس من الضروري أن تبدأ بقراءة أعمال معقدة أو كتب في مواضيع علمية بحتة، فهناك بعض نوعيات الأدب البسيطة التي تستحق الاطلاع هي الأخرى. ونظرا لمشقة الحياة الحديثة في كوريا، فقد ظهر نوع أدبي جديد هناك منذ التسعينيات وذاع صيته في الأعوام الأخيرة يدعى أدب الشفاء الكوري. يمكن أن نرجع أصول ذلك الأدب للكتابات البوذية والكورية التقليدية الفلسفية التي تدعو للتأمل وتقدير اللحظات البسيطة في الحياة. يضم أدب الشفاء أعملا روائية وغير روائية تتفق جميعها على أن هدفها هو تذكير القارئ بالجمال الكامن في الحياة رغم تعقيداتها.
ورغم أنني لم أكن من محبي تلك النوعية من الكتب حيث ظننتها مجرد نوع فرعي من التنمية البشرية، إلا أن الأدب الكوري دائما ما يستطيع إضافة عمق جديد وأصالة لأي نوعية. وفي هذا المقال، سأشارككم ثمانية ترشيحات لكتب تصلح كفاصل من الهموم وبوابة للتأمل في حياتنا.
أول رواية هي رسائل بلا جواب (نو وان رايتس باك) لجانغ أو جين. صدرت تلك الرواية عام 2009 أي قبل انتشار موجة أدب الشفاء الكوري، لكنها تصلح للانتماء لتلك الفئة أكثر من العديد من الروايات الأحدث.
تدور أحداث الرواية حول شاب مجهول الاسم يسافر عبر كوريا رفقة كلبه الكفيف "واجو"، حاملا معه أشياء بسيطة: مشغل موسيقى وكتاب. يعطي الشاب رقما بدلا من الاسم لكل شخص يقابله خلال رحلته، ويأخذ عنوانيهم ليرسل لهم رسائل تحكي عن أهم أحداث حياته اليومية بعد افتراقهم. رغم عدم تلقيه لأي رد على رسائله، أدرك أن قيمة الرسائل كانت في كتابتها نفسها. فعملية كتابته للرسائل كانت بمثابة تطهير ذاتي لنفسه وتعبير عن مشاعره عبر الكلمات، وساعد ذلك في رحلة نضوجه وتغلبه على الوحدة والألم. قرأت تلك الرواية مؤخرا، ومن حسن حظي أني تعرفت عليها عبر نادي قراءة للأدب الكوري حيث شاركت آرائي مع محبين للأدب الكوري حول العالم. يمكنني وصف أسلوب الكاتبة بكلمة وحدة، أسلوبها دافئ. فقد شعرت بالراحة النفسية طوال مدة القراءة وكانت حقا فاصل من الراحة وسط زحام الأفكار داخلي. إيقاع الرواية ليس سريعا أو بطيئا، بل مناسبا لإيقاع رحلة البطل لتندمج في قصته وتستكشف ذاتك معه.
غلاف رواية رسائل بلا جواب. (تعود حقوق الصورة إلى دار دالكي آركايف للنشر)
صورتان من واجهة نادي قراءة الأدب الكوري على تطبيق فابل. (تعود حقوق الصورة إلى تطبيق فابل، نادي قراءة الأدب الكوري)
ولمحبي التعرف على شخصيات وحيوات كثيرة بشكل مكثف، وذلك من خصائص روايات الشفاء الكوري الحديثة على أي حال، سأقدم ثلاث روايات وهم: متجر البقالة المزعج لكيم هو يون، مرحبا بكم في مكتبة هيونام دونغ لهوانغ بو روم، ومتجر دالوجوت للأحلام للي مي ييه، حيث يقدمون رحلة غنية بالمشاعر والتجارب الحياتية الواقعية لهم.
تدور الأحداث حول رجل مشرد يائس فاقد للذاكرة، تقدم له سيدة عجوز طيبة فرصة للعمل في متجر البقالة عندها، فيبدأ في رحلة للتعرف على ذاته وماضيه. عنصر الغموض في الرواية ليس هو هدفها الأساسي، فالهدف الأساسي هو التعرف على زبائن وعاملي تلك البقالة وحيواتهم وتأثيرها على شخصية البطل. فمن خلال تقديم البطل العون والنصح لتلك الشخصيات، يسترجع ذاكرته ويكتشف ماضيه شيئا فشيئا. ورغم قسوة ما تذكره وعدم جدوى الندم، فإن رحلته تلك ستساعده على التعافي والتقبل والمضي قدما.
عبر تلك الرواية، نلقي نظرة على قسوة الحياة المعاصرة وسوق العمل على الأشخاص بطريقة واقعية وغير مباشرة. فنتعرف على كاتبة واعدة، أم لشاب عاطل عن العمل، رجل يريد التقاعد لضعف قدراته العملية مع السن، شابة تبحث عن عمل تقليدي مستقر، والبطل نفسه الذي يتعلق سر ماضيه وتشرده بالعمل. يمكن للحياة أن تكون قاسية علينا جميعا ولا يمكن لنا توقع ما يخبئه الزمن لنا من تقلبات وخيبات، لكن من المهم تقديم العون لبعضنا البعض والمضي قدما رغم الصعاب.
أما رواية مرحبا بكم في مكتبة هيونام دونغ، فتدور حول امرأة في الثلاثينات مرهقة من حياتها وعملها، فتقرر الاستقالة وفتح مكتبة صغيرة في حي هيونام دونغ. تقدم لنا الرواية تلك هي الأخرى شخصيات غنية متنوعة كطالب يبحث عن معنى، كاتب فاشل، ربة منزل وحيدة وغيرهم. لكنها أكثر دفئا من متجر البقالة المزعج في رأيي وأسلوبها شاعري أكثر كما تعطيك نبذة عن عالم المكتبات وإدارتها. فهي رواية شيقة وممتعة لأي محب للمكتبات والكتابة، فمعظم الشخصيات إما كتاب أو قراء ونتعرف على تجاربهم في عالم الأدب الفسيح.
على اليمين غلاف متجر البقالة المزعج، وعلى اليسار غلاف مرحبا بكم في مكتبة هيونام دونغ. (تعود حقوق الصور إلى دار نشر شركة دار العربية، منشورات سدرة)
وللانفصال عن الواقع قليلا والغوص في الخيال، تقدم رواية متجر دالوجوت للأحلام تجربة فريدة تنتمي إلى عالم الواقعية السحرية. تدور الرواية حول بيني التي تحاول الحصول على وظيفة في متجر الأحلام الغامض الذي يفتح بابه للزوار عند النوم.
رغم خيالية الفكرة، إلا أن العلاقات داخل المتجر والرغبات والمخاوف للزبائن واقعية للغاية، فالرواية تور التأكيد على أهمية الأحلام وتعبيرها عننا. فالأحلام ليست رفاهية بل هي أهم وسيلة للتنفيس عن الذات وللنوم قيمة كبيرة بدأ الناس يتناسوها بسبب انشغالهم وضغط العمل. نتعرف مع بيني خلال الرواية على ماهية الأحلام وأسباب اختيار شخص لحلم دون الأخر. فتعطينا الرواية فرصة للتفكير في الأحلام والتأمل في معناها بشكل أعمق. فالخيال والأحلام ضرورة وليست رفاهية، وعبرهما نستطيع التصالح مع ماضينا، تقبل حاضرنا، وتشكيل مستقبلنا.
على اليمين غلاف الجزء الأول من متجر دالوجوت للأحلام، وعلى اليسار غلاف الجزء الثاني. (تعود حقوق الصور إلى دار عصير الكتب)
الروايتان التاليتان هما رحلة وتذكير لنا بعلاقة الإنسان بالطبيعة ووجود المعنى في أبسط الأشياء التي تحيط بنا. الروايتان هما: موسم الشفاء بالفخار ليون سو مين و شظية واحدة لليندا سو بارك.
شظية واحدة هي رواية للكاتبة الكورية الأمريكية ليندا سو بارك وقد صرت عام 2001. رغم صدور الرواية في أوائل الألفية وهجرة الكاتبة من كوريا في سن صغيرة للغاية، إلا أنه يمكن تصنيف الرواية ضمن فئة الشفاء لأصالة موضوعها وارتباطه بالثقافة الكورية وخصائص أدبها. تدور الرواية في كوريا خلال القرن الثاني عشر، وتحكي عن طفل يتيم يعيش تحت جسر مع رجل مسن، ويحب مراقبة الخزاف الشهير مين. ثم عن طريق الخطأ، يكسر قطعة من الفخار ويضطر للعمل لدى مين لتعويضه، وخلال تلك الفترة يستكشف أسرار الفخار الكوري ويمر برحلة نضوج ذاتي.
تقدم لنا الرواية رحلة إلى الماضي وإلى التراث الكوري، فمن خلالها ستجد نفسك تعرفت على جوانب تاريخية وثقافية كثيرة عن كوريا في تلك الفترة بشكل سلس. الرواية لا يوجد بها خصائص روايات الشفاء التقليدية، ولكن عند الانتهاء منها تعطيك نفس إحساس الرضا الداخلي والصفاء المفترض أن تقدمه تلك الروايات. قدمت الكاتبة رحلة لطفل وتمسكه بحلمه وشغفه والأشخاص الذين ألقتهم الحياة في طريقهم بخيرهم وشرهم، فسواء كنا في القرن الثاني عشر أو الحادي والعشرين، أو سواء أردنا إرضاء ملك أو مدير عمل، تظل المشاعر الإنسانية والمعاناة ورحلة البحث عن المعنى واحدة.
ونعود للحاضر والروايات الحديثة مع موسم الشفاء بالفخار ليون سو مين، تدور قصتها حول مذيعة تلفزيونية ناجحة ظاهريا لكنها محطمة نفسيا وتعاني من الإرهاق. بعد انهيارها، تقرر الابتعاد عن حياتها السابقة وتسافر إلى ورشة فخار في قرية صغيرة. هناك تبدأ بتعلّم صناعة الفخار على يد حرفي غامض وصارم. ببطء، تجد في الطين والهدوء وسيلة للتواصل مع ذاتها، وخلال الفصول الأربعة، تعكس مشاهد الفخار مراحل شفاءها الداخلي. من المميز في تلك الرواية هو وصف عملية صناعة الفخار وورش صناعته بدقة تجذبك إلى ذلك العالم وإلى تجربته. وقد وضحت الكاتبة يون سو مين أن رغم خيالية الأحداث، إلا أن الرواية والشخصية الرئيسية مبنية على تجربتها الحقيقية والورشة هي ورشة موجودة فعليا في كوريا. وما يميز تلك الرواية أنها الأولى لكاتبها، فيمكنك أن تشعر بحماستها وشغفها خلال القراءة.
على اليمين غلاف رواية موسم الشفاء بالفخار، وعلى اليسار غلاف شظية واحدة. (تعود حقوق الصور إلى دار ألجونكوين للنشر، دار كلاريون للنشر)
صورتان خلال لقائي مع الكاتبة يون سو مين. (الصور من إيمان الأشقر)
ولا يقتصر أدب الشفاء الكوري على الروايات، فيضم كتبا أيضا يمكن تصنيفها ضمن فئة كتب التنمية الذاتية أو البشرية.
سأقدم لكم كتابين خفيفين ويتناولان تجارب حياتية يومية بسيطة لكتابهما، وهما أريد أن أموت لكنني أريد أن آكل التوكبوكي لبايك سي هي، و أنا لست كسولا، بل على وضع توفير الطاقة لدانسنغ سنيل.
يقدم كتاب أريد أن أموت لكنني أريد أن آكل التوكبوكي مذكرات الكاتبة وجلساتها مع الطبيب النفسي خلال تعافيها من الاكتئاب. تشاركنا الكاتبة بصدق رحلة علاجها والعقبات التي واجهتها. تذكرنا رحلة الكاتبة بأهمية التمسك بالسعادة التي نجدها في الأشياء البسيطة كأكلة نحبها أو أغنية نسمعها باستمرار، فتلك اللحظات البسيطة هي سر استمرارنا في الحياة رغم المعاناة.
وختاما، سأقدم كتاب أنا لست كسولا، بل على وضع توفير الطاقة. وقد كانت تجربة قراءته من أمتع التجارب التي مررت بها. الكتاب هو مزيج بين نصوص قصيرة وصور تعبر عن رحلة كاتبته مع الإرهاق النفسي، فتأخذنا في رحلة داخل عقلها وأفكارها. يستطيع أي شخص أن يجد نفسه في صفحات تلك الكتاب وفي مخاوف كاتبته، ومع نهاية الكتاب ستشعر ببعض من التصالح مع النفس كما شعرت الكاتبة.
على اليمين غلاف كتاب أريد أن أموت لكنني أريد أن آكل التوكبوكي، وفي المنتصف غلاف كتاب أنا لست كسولا، بل على وضع توفير الطاقة، وعلى اليسار غلاف الجزء الثاني من كتاب أريد أن أموت لكنني أريد أن آكل التوكبوكي. (تعود حقوق الصور إلى دار نشر بلومزبري، ودار نشر أدارنا هاوس)
صفحات من كتاب أنا لست كسولا، بل على وضع توفير الطاقة. (تعود حقوق الصور إلى دار نشر أدارنا هاوس)
مهما ازدحمت حياتنا أو زادت همومنا، من المهم أن نتذكر قيمة اللحظة العادية وألا نقسو على أنفسنا ونحاول من جديد. وتلك الروايات والكتب هي بمثابة دليل مساعد لنا خلال رحلة الشفاء.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.