صورة لمنتجات الجمال الكوري المستخدمة خلال جلسة العناية بالبشرة ضمن صف الجمال الكوري. (الصورة من سلمى الكناني)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية التونسية سلمى الكناني
في عالمٍ باتت فيه مفاهيم الجمال تتجاوز الحدود وتُشكّل جزءًا من الهوية الثقافية، تبرز كوريا كنموذج فريد استطاع أن يجذب أنظار العالم بأسلوبه الخاص في العناية بالبشرة وفن التجميل. وقد بدأت مفاهيم الجمال الكوري منذ عقود طويلة، حيث اعتمدت على المكونات الطبيعية والتوازن بين الجمال الخارجي والصحة الداخلية، مستوحاة من الطب التقليدي والمعتقدات الثقافية المرتبطة بالنقاء والانسجام.
ومع تطور الصناعة وانتشار التأثير الكوري عالميًا، تحوّلت مفاهيم الجمال الكوري من سرّ محلي إلى ظاهرة عالمية أثّرت بشكل ملحوظ على روتينات العناية الشخصية في مختلف أنحاء العالم، وألهمت ملايين النساء والرجال بأسلوبها البسيط، الهادئ، والمتجدّد.
تتميّز منتجات الجمال الكورية بجودتها العالية ومكوناتها الطبيعية المستوحاة من الطب التقليدي الكوري، مثل ماء الأرز، الشاي الأخضر والعناصر البحرية. وقد لاقت هذه المنتجات رواجًا عالميًا، فأصبحت تُطلب بشدة في الأسواق العالمية، من آسيا إلى أوروبا، مرورًا بالعالم العربي، نظرًا لنتائجها الملموسة وسعرها المعقول مقارنة بالعلامات التجارية الغربية.
وفي هذا السياق، أُتيحت لي فرصة ثمينة للمشاركة في تجربة ثقافية مميّزة ضمن برنامج نظّمه معهد الملك سيجونغ في تونس تحت عنوان 'صفّ الجمال الكوري'، وذلك يوم 27 يونيو 2025. هذا الحدث الفريد جمع بين الشرح النظري والتطبيق العملي، وكان بإشراف الأستاذة 'تشوي جي ؤو'، خبيرة التجميل والمستشارة لدى إحدى أبرز العلامات في كوريا، والتي أضافت بخبرتها ومهنيّتها بعدًا غنيًا وقيمًا لهذه التجربة.
جمع هذا البرنامج بين التعلّم والتطبيق، وسعى إلى تعريف المشاركين من مختلف أنحاء العالم بفلسفة الجمال في كوريا. من خلال محورين أساسيين: الأول حول العناية بالبشرة، والثاني حول تقنيات تجميل مستوحاة من نجمات كوريا، حيث تمكّنا من التعمّق في هذا المفهوم الجمالي الذي يتجاوز المظهر الخارجي، ليجسّد نمط حياة يعكس التوازن، والاهتمام بالنفس، والانسجام مع الذات.
صورة أثناء سير الدرس الثقافي لجمال البشرة الكوري، ضمن البرنامج المميز الذي نظّمته الأكاديمية الثقافية لمعهد الملك سيجونغ. (الصورة من معهد الملك سيجونغ بتونس وتم أخذ الإذن باستخدامها)
في الجلسة الأولى، اكتشفنا مفاهيم العناية بالبشرة كما تُفهم وتُمارس في المجتمع الكوري، حيث يُنظر إلى البشرة النضرة والمتوهجة على أنها انعكاس للصحة الجسدية والنفسية، والعناية الذاتية اليومية، حيث يبدأ الاهتمام بالبشرة في سن مبكرة، وتُمارس كعادة يومية، وليس كرد فعل على مشكلات تظهر فجأة.
كما تعلمنا أن الروتين الكوري لا يقوم فقط على تنظيف البشرة وترطيبها، بل على فلسفة كاملة تشمل التغذية السليمة، والنوم المنتظم، وشرب الماء، وتخصيص وقت للراحة النفسية. إذ تعتبر هذه العوامل كلها جزءًا من العناية بالجمال في الثقافة الكورية.
ثم انتقلنا إلى تطبيق هذا الروتين بأنفسنا، وتعلمنا طريقة التدليك الذاتي للوجه باستخدام اليدين، وهو جزء أساسي من الروتين، لأنه يساعد على شد البشرة، وتنشيط الدورة الدموية، وإزالة علامات التوتر من ملامح الوجه.
أما في الجزء الثاني من البرنامج، فكان التركيز على المكياج العصري الذي تتبعه نجمات الغناء والتمثيل في كوريا، والذي أصبح له تأثير عالمي ملحوظ. خلال هذه الجلسة، عرضت علينا الأستاذة أحدث توجهات المكياج في كوريا، والتي تقوم على إبراز الجمال الطبيعي دون إثقال الملامح. حيث تستخدم منتجات خفيفة تُضفي إشراقًا على الوجه دون أن تخفي الملامح الحقيقية، بل تعمل على إبرازها بشكل ناعم ومتوازن.
وقدّمت لنا الأستاذة مثالًا تطبيقيًا يعتمد على أسلوب 'جيني' من فرقة 'بلاكبينك'، والتي تعتبر اليوم من أيقونات الجمال في كوريا والعالم، إذ يتميز مكياجها بالبساطة والأناقة في نفس الوقت، حيث تعتمد على بشرة مضيئة خالية من العيوب، مع القليل من التورّد الطبيعي في الخدين، وظلال عيون وردية ناعمة، أما الشفاه فهي غالبًا ما تكون بتدرج لوني ناعم يبدأ من منتصف الشفاه ويتلاشى نحو الأطراف، وهذا ما يُعرف بتقنية الشفاه المتدرجة.
صورة جماعية التقطت في معهد الملك سيجونغ بتونس، بعد الانتهاء من صف الجمال الكوري، تعكس شعور الإنجاز والفرح بالمشاركة في تجربة ثقافية غنية. (الصورة من معهد الملك سيجونغ بتونس وتم أخذ الإذن باستخدامها)
بعد الشرح المفصل من الأستاذة 'تشوي جي ؤو'، بدأنا التطبيق العملي للمكياج خطوة بخطوة، حيث اتبعنا المراحل والنصائح التي تم توضيحها بدقة. ركزنا على اختيار الألوان المناسبة، وطريقة توزيع الأساس بطريقة خفيفة تمنح البشرة مظهراً طبيعياً، بالإضافة إلى إبراز العيون والشفاه بأسلوب أنيق وناعم.
كانت الأستاذة 'تشوي' تتابعنا عن قرب خلال كل مرحلة من مراحل التطبيق، تلاحظ أدق التفاصيل وتُقدّم ملاحظاتها القيمة لكل مشاركة، سواء لتصحيح حركة معينة أو اقتراح بديل أفضل يناسب ملامح الوجه. هذا التفاعل المباشر والمتواصل كان له أثر كبير على نتائجنا النهائية، حيث شعرنا بأننا نتعلم ليس فقط من الشرح النظري، بل أيضاً من التوجيه الفردي والدقيق.
وبفضل هذه التوجيهات، تمكنا من تنفيذ مكياج مستوحى من إطلالة النجمة 'جيني'، والتي تتميز بمكياج بسيط لكنه جذاب، يبرز ملامحها بطريقة ناعمة دون مبالغة. وقد ساعدتنا هذه التجربة على فهم كيف يمكن لأي فتاة أن تطبّق هذا النوع من المكياج على نفسها بطريقة عملية وسهلة.
في ختام هذه الورشة، اكتسبنا مهارة جديدة في وضع المكياج وتعرّفنا عن قرب على فلسفة الجمال الكوري التي تقوم على التوازن بين البساطة والاهتمام بالتفاصيل. الجمال الكوري لا يعتمد على إخفاء العيوب أو وضع طبقات من المستحضرات، بل يركّز على إبراز الجمال الطبيعي وتعزيزه من خلال روتين منتظم، ومكياج خفيف، واختيار ألوان تتناغم مع البشرة.
صورة تجمعني مع خبيرة التجميل تشوي جي ؤو، التي أضافت خبرتها القيمة وتجربتها المهنية عمقًا مميزًا لصف الجمال الكوري. (الصورة من سلمى الكناني)
كانت تجربة ثرية وملهمة، فتحت أمامنا نافذة لفهمٍ أعمق للجمال الكوري، ذلك الجمال الذي لا يُقاس بالمظهر وحده، بل ينبع من أسلوب حياة متوازن، ووعي داخلي يُقدّر الذات، ويمنحها الوقت، والعناية، والاهتمام. 'الكي بيوتي' اليوم تجاوزت كونها مجموعة من المنتجات أو تقنيات تجميل، لتُصبح صوتًا ناعمًا يحمل رسالة ثقافية مؤثرة. لقد أثرت في نظرة العالم للجمال، فأعادت تعريفه ليصبح أكثر إنسانية، أقرب إلى الطبيعة، وأقل تصنّعًا. في كل عبوة صغيرة، وفي كل خطوة من خطوات الروتين، تنعكس قيم مثل النقاء، الانسجام، والاهتمام الصادق بالنفس.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.