مجموعة من تصميمات ديور من داخل قاعة رموز ديور ومعرض ديور فى سيؤول. (الصورة من شيماء رشدي)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية شيماء محمد رشدي
لم أكن أتخيل أن زيارة معرض أزياء يمكن أن تهزّ مشاعري إلى هذا الحد. خلال زيارتي الأخيرة إلى العاصمة الكورية سيؤول، كانت محطتي الأهم داخل مبنى 'دونغ داي مون ديزاين بلازا' وهو معلم معماري حديث ومميز في قلب منطقة دونغ داي مون فى سيؤول صممته المعمارية العراقية العالمية زها حديد، هناك أقيم معرض بعنوان 'كريستيان ديور: مصمم الأحلام'، وما كنتُ أظنه جولة عابرة بين الفساتين، تحوّل إلى تجربة فنية وروحية كاملة، جمعت بين الضوء، النسيج، وكثير من الذكريات.
من أمام مبنى 'دونغ داي مون ديزاين بلازا' وبوستر معرض ديور. (الصورة من شيماء رشدي)
منذ اللحظة الأولى، شعرت أنني دخلت رواية من الجمال الصامت، القاعات مصممة بعناية مدهشة، تعكس تناغمًا بين الذوق الفرنسي الأنيق والروح الكورية العميقة. تولّى تصميم فضاء المعرض مهندس معماري بارز تعاون مع فنانين كوريين، وظهر تأثير الثقافة الكورية بوضوح من خلال استلهام عناصر كورية تقليدية مثل ورق الهانجي، وتوظيف تقنيات محلية قديمة كخياطة الرقع الورقية وصناعة الورق اليدوي الناعم في تشكيل الجدران والخلفيات.
كان لكل قاعة طابع فني وروحي خاص. تنقلت من قاعة إلى أخرى وأنا أشعر وكأنني أُبحر في حلم متعدد الفصول. في إحدى القاعات، تأملتُ الرسومات الأولية التي صممها كريستيان ديور بيده، إلى جانب تخطيطات مصممين معاصرين تابعوا خطاه، كانت الخطوط بسيطة، ولكنها مشبعة بالإحساس، وكأنها خطوات أولى في طريق الحلم.
صور ارشيفية من قاعة '٣٠ أفينيو مونتين' توضح مدخل ديور والسلم المركزي للمقر الرئيسي ليخبرنا أن حكايات الموضة تبدأ من هنا من محل ديور. (الصورة من شيماء رشدي)
بدأت رحلتي من قاعة تُحاكي مقر دار ديور القديم في باريس، '٣٠ أفينيو مونتين'، بممراته البيضاء وصوره الأرشيفية، وكأنني أخطو إلى بيت الحلم الأول. ثم دخلت إلى قاعة 'اللوك الجديد'، حيث وقف فستان 'البار' الشهير كأنما وُلد من جديد في تلك الإضاءة النقية، تحيط به تصاميم عام ١٩٤٧ التي غيّرت مفهوم الأنوثة في زمن ما بعد الحرب، لم تكن مجرد فساتين، بل كانت شهادات ولادة لأمل عالمي.
واصلت خطواتي، وإذا بي أصل إلى واحدة من أكثر القاعات شاعريةً وروحًا: حديقة ديور، وهي مساحة دائرية شاهقة مستوحاة من جرة القمر الكورية واحدة من أروع وأشهر رموز الفخار التقليدي الكوري ويعود لسلالة جوسون، غُمرت بجمال خافت من ورق الهانجي الأبيض، تدلت منه أزهار مصنوعة يدويًا، خفيفة كأنها تتنفس.
صورتي من داخل قاعة حديقة ديور من تصميم فنانة الهانجي الكورية هيون-جو كيم. (الصورة من شيماء رشدي)
هناك التقيت بالفنانة الكورية هيون-جو كيم، مصممة العمل الفني الذي حمل اسم الحديقة الأثيرية في حديثٍ قصير معها، أخبرتني أن دار ديور دعتها لإعادة تخيّل حديقة ديور باستخدام ورق الهانجي، من خلال لغتها الفنية الخاصة. قالت
أردت أن أخلق عالماً بين الواقع والخيال، حديقة من الضوء، الظلال، والورق المتنفس. مكان يدعو الزائر للسكينة والتأمل.
أشارت إلى أن الهانجي، بورقه المصنوع من لحاء شجرة التوت الكوري، يمثل الصبر، الاستدامة، والجمال الهادئ. وقد جمعت القطع دون غراء أو مسامير، في تناغم مع المفهوم الكوري القائم على الانسجام الطبيعي.
تركت الحديقة وأنا أشعر أنني مررت داخل حلم ناعم لا يُنسى. لم يكن ذلك الركن الفني مجرد تركيب بصري، بل حالة وجدانية كاملة.
ثم انتقلت إلى قاعة إرث ديور، حيث صُمّمت المساحة على شكل شريط طويل، يستعرض بأسلوب شفاف مسيرة المصممين الذين خلفوا كريستيان ديور من إيف سان لوران إلى ماريا غراتسيا كيوري، الشريط مستوحى من تقنية جاكاك بو الكورية –فن ترقيع القماش– وكأن تاريخ الدار خُيّط بخيوط آسيوية ناعمة.
دخلت بعدها إلى قاعة الألوان حيث تشكّلت دائرة عملاقة تنفجر منها الألوان تدريجيًا، من الوردي الحالم إلى الأحمر الصارخ، عبر واجهات تعرض الأقمشة والأكسسوارات، في احتفالٍ صامت بالحواس.
جمال قاعة الألوان وتصميمات ديور العالمية. (الصورة من شيماء رشدي)
واحدة من أكثر اللحظات خصوصية كانت في القاعة البيضاء فساتين بيضاء بالكامل، عائمة في فضاء ناعم، تضيئها لمسات ضوء هادئ. الصالة بدت ككنيسة للأزياء، تصمت فيها الكلمات، ويتحدث فيها النسيج، والخط، والظل.
صورتي من داخل القاعة البيضاء لمعرض ديور. (الصورة من شيماء رشدي)
من داخل القاعة البيضاء فساتين بيضاء بالكامل، عائمة في فضاء ناعم، تضيئها لمسات ضوء هادئ. (الصورة من شيماء رشدي)
أما قاعة ليدي ديور، فكانت تحفة بصرية، عُرضت فيها حقائب من تصميم فنانين كوريين داخل صناديق خشبية مصقولة بلون أحمر ملكي، تحاكي التراث الكوري العريق.
وفي القاعات الأخيرة، تنوعت التجارب والمعروضات التي تجعلك تدخل فى عالم ديور الساحر. ففي قاعة العطور، شاهدت زجاجات جادور وميس ديور، ومقاطع قصيرة لعارضات وسفيرات الدار.
أما قاعة النجوم، فكانت مشهدًا ختاميًا مذهلًا، حيث ارتدت النجمات العالمية أجمل تصاميم ديور، وسط خلفية من النجوم اللامعة.
من داخل قاعة النجوم وفساتين تتلألأ في القاعة كانها نجمات عالميات علي السجادة الحمراء. (الصورة من شيماء رشدي)
واحد من فساتين قاعة النجوم لمعرض ديور. (الصورة من شيماء رشدي)
لم يكن العرض مقتصرًا على الفساتين النهائية، بل امتد ليشمل عينات من الأقمشة التي استخدمتها الدار على مر السنين: من التول الحريري الشفاف إلى الحرير الثقيل المطرز يدويًا، ومن الدانتيل الرقيق إلى الأورغنزا الموشاة بالخيوط الذهبية. كان بإمكاني أن أتأمل كيف تتحول فكرة بسيطة مرسومة على الورق، إلى قطعة تنبض بالفخامة والدقة.
أما الفساتين نفسها، فكانت كل واحدة منها قصة مكتملة. رأيت فيها الجهد والخيال واللمسة الإنسانية. بعضها بدا وكأنه مقتطع من حديقة ورد، بألوانه الهادئة وزخارفه الناعمة، وبعضها الآخر حمل هيبة ملكية لا تُنسى، بأقمشته الثقيلة وتفاصيله المنحوتة كتماثيل ناعمة.
خرجت من المعرض وأنا أحمل في داخلي دهشة جميلة، وامتنانًا لتلك اللحظة التي جمعت بين الفن، والهوية، والحلم، ديور لم تعد بالنسبة لي مجرد دار أزياء، بل مرآة عاكسة لتاريخ ثقافي وجمالي عميق، تجربة كهذه تؤكد أن الجمال، حين يُقدَّم بصدق، يُصبح لغة عالمية نفهمها جميعًا.
من داخل معرض ديور وسعادة وفخر لحضوري هذا المعرض في كوريا. (الصورة من شيماء رشدي)
لم تكن استضافة كوريا لمعرض 'كريستيان ديور: مصمم الأحلام' مجرّد اختيار عابر، بل تعبيرًا صريحًا عن تقدير عالمي لمكانتها المتنامية في مشهد الثقافة والجمال. في السنوات الأخيرة، أصبحت سيؤول من أبرز العواصم التي تحتضن الإبداع المعاصر، حيث تمتزج الحِرَفية الدقيقة بروح التجديد، وتتناغم التقاليد مع الحداثة في مشهد بصري ساحر. إن الاحترام العميق الذي تبديه كوريا للفن، للمواد الطبيعية، وللجماليات الهادئة جعل منها مساحة مثالية لعرض إرث ديور في قالب يتجاوز الأزياء نحو التأمل والدهشة.
اختيار ديور لكوريا لم يكن مجرد محطة في جولة عالمية، بل كان اعترافًا بدورها كمصدر إلهام ثقافي له لغته الخاصة، ومكان قادر على إعادة تعريف العلاقة بين الشرق والغرب، وبين الحلم والواقع.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.