يظهر تصميم الصورة في أعلى اليمين غلاف رواية جريمة الابن الصالح، وفي الأسفل غلاف رواية سبع سنوات من الظلام، في المنتصف غلاف رواية المتآمرون، في أعلى اليسار غلاف رواية الحفرة، وفي الأسفل غلاف رواية لعبة القدر. (تعود حقوق الصور إلى دار العربي، دار المحروسة، دار أركيد، دار بانتام)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية إيمان الأشقر
بدأت رحلتي مع الأدب الكوري منذ عدة سنوات وكنت محظوظة بتزايد عدد الكتب المترجمة وتنوعها. الأدب الكوري عالم واسع وغني ولا يقتصر على فئات أدبية محددة. فالأسلوب الفني الكوري في أصله لا يعتمد على التقسيمات الأدبية المحددة كالغموض/الرومانسية/الجريمة وغيرهم، فمن المعتاد أن تضم الروايات والقصص مختلف العناصر من عدة فئات بما يخدم القصة. ولكن مؤخرا مع التأثير الغربي، أصبح هناك اهتمام بالفئات الأدبية، ولكن ما زال أسلوب القصص الكورية فريد من نوعه ومرتبط بثقافته بشكل كبير.
وروايات الغموض بشكل خاص هي ما جعلتني أتبنى ذلك الرأي، ففئة الغموض والإثارة هي من أكثر الفئات الأدبية متعة وجاذبية ولكن أحيانا ما توصف بالسطحية وعند محاولة إضافة طبقات أعمق للقصة أو تعقيد الشخصيات تفقد متعتها. ولكن ذلك لا ينطق على الأدب الكوري من وجهة نظري، فهو ينجح في الجمع بين المتعة وعمق وتعقيد الشخصيات في آن واحد. وفي ذلك المقال، سأشارككم تجربة قراءتي لخمس روايات كورية تصلح لأن تكون مدخل لأي محب لروايات الغموض بمختلف أنواعها.
بدايتي مع أدب الغموض الكوري كانت برواية المتآمرون للكاتب كيم أون سو. تدور الرواية حول ريسينج، وهو شاب نشأ داخل عالم الجريمة السفلي في سيول، دفعه القدر لأن يصبح قاتل مأجور، وعندما يقرر التمرد على النظام، يصبح هو الهدف التالي.
قرأت تلك الرواية عام 2022، ولم أكن ملمة كثيرا بالأدب أو الثقافة الكورية. نظم المركز الثقافي الكوري ندوة للكاتب كيم أون سو حينها بمناسبة إصدار النسخة العربية، ووزعوا نسخ من الرواية على كل من سجل لحضور الندوة كي نلم بأحداثها وموضوعاتها قبل الحضور. أتذكر أني أنهيت قراءة تلك الرواية في جلسة واحدة رغم أنها ليست قصيرة كثيرا بل كانت حوالي أربع مائة صفحة، ولكن عالمها جذبني ولم أستطع تركها قبل الانتهاء منها.
يظهر تصميم الصورة على اليمين النسخة الموقعة من رواية المتآمرون لدي، وعلى اليسار غلافها. (الصور من إيمان الأشقر وتعود حقوق الرواية إلى دار نشر المحروسة)
افتتاحية الرواية لا تنسى، فقد تركت صدمة لدي وعلمت أني أمام شخصية غير اعتيادية مليئة بالجوانب المتناقضة. محادثة ريسينج مع ذلك الرجل العجوز رغم بساطتها غيرت مسار حياته بالكامل، وكأن كل ما كان في حاجة إليه هو علاقة إنسانية بسيطة، لحظة دفأ واحدة ليدرك أن ذلك العالم أكبر من كونه ساحة للقتل والمؤامرات. ورغم أنه قتل العجوز على أي حال، أدت تلك اللحظة إلى تمرده فيما بعد وتأمله في الحياة التي فرضت عليه رغما منه من قوة مجهولة.
في البداية، عندما قرأت ملخص الحبكة، اعتقدت أنها رواية جرية تقليدية وأننا سنمضي أحداثها في محاولة هروبه ممن يحاولون قتله واكتشاف هوية المسؤول عن تلك المنظمة.
ولكن تلك المنظمة تمثل المجتمع بأكمله، فلا يمكن لأحد أن يضع يده على سبب الفساد الرئيسي ولا ينتهي الظلم بالقضاء على الديكتاتور الأوحد أو رأس الأفعى كما يظن البعض. فطبيعتنا البشرية ودوافعنا مجهولة ومرتبكة مهما حاولنا اكتشافها ووضعها في قالب معين. والأخلاق ليست ثابتة والغاية دائما ما بررت الوسيلة. ولا يمكننا أن نزعم أن جميع أفعالنا كانت عن اختيار حر، فنشأة ريسينج داخل تلك المكتبة المجهولة ويتمه وانتمائه لمجتمع القتلة المأجرين المشوه منذ صغره، جعله يعتقد أن استكمال ذلك العمل هو الطريق الوحيد ولم يشك فيما يفعله أو يفكر في جدوى حياته ولو للحظة.
ونهاية الرواية المفتوحة كانت نتيجة منطقية وطبيعية لأسلوب الكاتب منذ البداية، وأعتقد أنه لو وضع نهاية مفصلة لم تكن الرواية ستصبح بتلك القيمة. فهدف تلك النوعية من الكتابات هو دفع القارئ للتفكير ووضع التفسيرات والتأويلات التي تناسبه.
بعض المقتطفات من الرواية. (الصور من إيمان الأشقر وتعود حقوق الرواية إلى دار نشر المحروسة)
محطتي الثانية مع أدب الغموض كانت عن طريق روايات الكاتبة جونج يو جونج. وذلك بفضل ندوة أخرى تابعة للمركز الثقافي الكوري، وقد استضافوا الكاتبة لمناقشة روايتي سبع سنوات من الظلام وجريمة الابن الصالح.
يظهر تصميم الصورة على اليمين الكاتبة جونج يو جونج خلال ندوتها في مصر عام 2023، وعلى اليسار صورة مع الكاتبة عقب الندوة. (الصورة من إيمان الأشقر)
لكلا الروايتين مكانة خاصة عندي، فروايات تلك الكاتبة كانت بوابتي نحو عالم الأدب النسائي الكوري فيما بعد. رغم أنها ليست روايات نسوية بالمعنى التقليدي وشخصياتها الرئيسية رجال، إلا أنها جعلتني أستكشف أصوات نسائية كورية أخرى فأقلامهن جادة وهناك مساحة للحرية والإبداع عكس العديد من الدول الشرقية الأخرى.
تناقش الروايتان فكرة حرية الاختيار والإرادة مثل رواية المتآمرون ولكن بشكل مختلف. ففي رواية سبع سنوات من الظلام أدى حدث عشوائي وغير مقصود إلى دمار حياة أسرة وقرية بأكملها. تابعت رحلة بطل الرواية سوون في البحث عن حقيقة ما حدث لعائلته وكشف سبب الجريمة التي ارتكبها والده وتسببت في الحكم عليه بالإعدام. ورغم أن نهاية الرواية انتصرت قليلا للبطل وأراحته الحقيقة بعض الشيء، إلا أنه لم يتغير فعليا أي شيء، فالذنب لم يكن ذنب أحد بعينه، جميعهم أشخاص دفعتهم نشأتهم وصدف غير متوقعة إلى إبراز أسوأ ما في طبيعتهم البشرية.
وأكدت الكاتبة على تلك الفكرة عبر روايتها أصل الأنواع أو جريمة الابن الصالح في النسخة الإنجليزية والعربية. وأنا أعتقد أن العنوان الكوري الأصلي معبر أكثر عن الفكرة. تدور الرواية حول يو جين الذي يستيقظ وسط بركة من الدماء ليكتشف أن والدته قد قتلت وأنه فاقد للذاكرة، فيبدأ في محاولة التذكر لمعرفة الحقيقية. وسرعان ما تكشف لنا الكاتبة أن يو جين هو الجاني وليس المجني عليه. ولكن ما هو المعيار الذي نستطيع عبره تحديد إن كان مذنب أم لا، فقد ولد يو جين بتلك الطبيعة التي لم تفلح محاولات عائلته المستمرة وحياته المستقرة والهادئة في كبتها. مع كل جريمة ارتكبها يو جين وتذكرها، تصبح الفكرة أوضح بأنه لا يوجد مفر من تلك النهاية فمهما حاولت والدته كانت نتيجتها ستكون مماثلة. وتعود بنا الرواية إلى السؤال الأزلي الذي لا يمكن الإجابة عنه: هل أصل طبيعتنا البشرية هو الخير أم الشر؟ وما هو تعريف الخير والشر من الأساس؟
على اليمين غلاف رواية جريمة الابن الصالح، وعلى اليسار غلاف رواية سبع سنوات من الظلام. (تعود حقوق الصور إلى دار العربي للنشر)
بعدها خلال أخر عامين، أصبحت منغمسة في روايات الغموض الكوري. ولكني لا أستطيع الحديث عن جميع الروايات، ولذلك سوف أختم المقال بالحديث عن روايتين وهما الحفرة لبيون هاي يونغ، حيث أنها من أكثر الكاتبات تميزا واختلافا من وجهة نظري والرواية مختصرة وأسلوبها غير معتاد. والرواية الأخيرة ستكون لعبة القدر لسي آه جانغ وهي من أحدث الروايات الكورية المترجمة في تلك الفئة صدرت في أواخر شهر يوليو هذا العام، وقد قرأتها مؤخرا وأعجبت بها.
تظهر الصورة على اليمين غلاف رواية الحفرة، وعلى اليسار غلاف رواية لعبة القدر. (تعود حقوق الصور إلى دار أركيد للنشر ودار بانتام للنشر)
رواية الحفرة تدور حول الأستاذ الجامعي أوغي الذي يستيقظ بعد حادث سير يفقد به زوجته ويتركه عاجزا حبيسا لسريره داخل منزل قاتم برفقة والدة زوجته.
تتركنا الرواية محملين بالأسئلة عن سبب كره والدة زوجته له وإبعادها لكل وسائل المساعدة عنه واحتجازه، فنحن نرى الأحداث من وجهة نظر أوغي العاجز والمضطرب، فهو راوي غير موثوق ولا يمكن التعاطف معه بشكل كامل حيث يخفي الكثير. لا تقدم الرواية إجابات واضحة والمكان يلعب دور أساسي في الرواية، فذلك المنزل القاتم الذي يحمل الأسرار والحفرة التي ستبتلع أوغي في النهاية يمكن أن يتم اعتبارهما شخصيتين رئيسيتين بجانب الأبطال.
الرواية كانت قصيرة ومربكة تترك للقارئ شعور مظلم عند نهايتها. تجعلك الرواية تختبر مشاعر الوحدة، الظلم، الغضب، والذنب في آن واحد. فلا يمكن تحديد موقفك تجاه البطل ولن نتعرف سوى على لمحات من ماضيه، ولكنها كالروايات السابقة رواية تتأمل في الطبيعة البشرية وتترك مساحة للأسئلة والتفكير ولا تقدم إجابات معلبة.
في الرواية لمحة من الرعب، فأنت تتوحد بالكامل مع مشاعر البطل وعجزه عن التصرف وعالمه الضيق، فالبطل محتجز في سريره طوال أحداث الرواية سوى في بعض اللحظات القليلة التي ستؤدي لنهايته. فهل يمكن لأحد أن يتحرر من الذنب هل يمكن أن تمحى خطايانا أو يبررها جهلنا بها؟
أما رواية لعبة القدر، فهي الرواية الأولى لكاتبتها جانغ سي آه في تلك الفئة وهي رواية ممتازة بالنسبة لكاتبة جديدة. تدور أحداث الرواية حول جاي يونغ التي تبدل هويتها مع امرأة شابة قابلتها على متن قطار بالمصادفة. فتترك لها المرأة طفلها الرضيع وعنوان منزل والد الطفل، الذي يتضح أنه قصر مليء بالأسرار المظلمة مثل ماضي البطلة وسيحاصرها الاثنان معا ليدفعاها إلى أحداث قرارات لم تكن لتخطر على بالها.
سعدت بفرصة التحدث إلى الكاتبة ومعرفة وجهة نظرها حول الرواية فقد وضح ذلك لي الكثير. وأكثر ما علق في ذاكرتي كان حديثها عن الرغبة، فتيمة الرواية الأساسية هي الرغبة وليس البحث عن الهوية. فرغم أجواء الرواية القوطية وأجواء القصر المشؤوم، إلا أن جميع الشخصيات عادية تماما ومن لا يعرفهم سيبدون له شخصيات هادئة ومحببة. لكن مآسي القدر، الطمع، والرغبة في الانتقام دفعوهم لما وصلوا إليه.
جاي يونغ هي مجرد فتاة عادية، كانت تطمح في العثور على الحب والأمان، ولكن القدر لم يحمل لها سوى الفقر، العنف، الإهانة، والوحدة. مشاهد العنف ضد المرأة في الرواية كانت حقيقية للغاية وتوضح مدى الأذى الذي تتعرض له النساء بدافع الحب. ومن وجهة نظري، فالرجال تميل إلى إسقاط أسباب فشلها وحزنها على من حولهم ويميلون للمبادرة بالإيذاء أكثر من النساء. وغالبا ما تكون المرأة مجرد رد فعل، ولكن في طريق الانتقام يظلم العديد ممن لم يكن لهم يد فيما حدث. فهل يبرر الأذى الذي تعرضنا له أفعالنا؟
ختاما، إن عالم الأدب الكوري واسع ولا يمكن اختزاله في قالب معين، وكلما تعمقت به أكثر ستكتشف الكثير عن العالم وعن نفسك.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.