الصورة تُظهر مجموعة من التصاميم لتجربة كتابة 'الهانغول' بالخط 'الكوفي الفاطمي'. (الصور من المراسلة سها علي)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية سها علي إبراهيم
في عالم الفن، تتجاوز الحروف حدود اللغة، وتتحول إلى رموز تحمل في طياتها ذاكرة حضارات. ومن هذا المنطلق، جاءت تجربتي في الجمع بين 'الخط الكوفي الفاطمي'، أحد أعرق الخطوط العربية، و'الهانغول'، الأبجدية الكورية، لتكون حوارًا بصريًا بين الشرقين العربي والآسيوي.
الخط الكوفي الفاطمي: جمالية الزوايا والاتساق
الكوفي الفاطمي' ليس مجرد خط زخرفي، بل هو أسلوب بصري يزدهر فيه التكرار، والاستقامة، والتوازن الهندسي. استخدم في تزيين العمارة الإسلامية في مصر إبان العصر الفاطمي، وامتزج فيه الخط' بالزخرفة المعمارية، حتى صار جزءًا من هوية المكان.
الهانغول'، رغم حداثة ظهوره مقارنة بالخطوط العربية، يتميز ببنية هندسية بصرية واضحة. كل مقطع يُكتب داخل مربع تخيلي، مما يجعله قابلاً للتماهي مع الأسلوب الهندسي للكوفي'.
تجربة الدمج: ما وراء الشكل
حين بدأت في كتابة الهانغول بأسلوب الخط 'الكوفي الفاطمي'، واجهت تحديًا كبيرًا يتمثل في تحويل الحروف الكورية إلى أشكال تتماشى مع خصائص الخط 'الكوفي' دون فقدان وضوحها. تطلب الأمر فهمًا عميقًا لكل من البنيتين الكتابيتين، وتجريبًا متكررًا للوصول إلى توازن بين الزخرفة والهُوية اللغوية.
الصورة تُظهر التصاميم لتجربة كتابة 'الهانغول' بالخط 'الكوفي الفاطمي'. (الصور من المراسلة سها علي)
بما أنني خطاطة متخصصة في كتابة أنماط متعددة من الخط، كان من أبرز الخطوط التي قمت بتجربة كتابتها هو الخط 'الكوفي الفاطمي'، والذي يتميّز بطابعه الهندسي الصارم وتوازناته الدقيقة. يعتمد هذا الخط على الأشكال الهندسية كالخطوط المستقيمة والزوايا القائمة، ويُكتب وفق قواعد صارمة من حيث التناسق والبناء، مما يمنحه طابعًا فنيًا فريدًا يجمع بين البساطة والوقار. ومن خلال ممارستي لهذا النوع من الخط، لاحظت وجود تشابه بين الطبيعة البنائية للحروف العربية الكوفية وطبيعة حروف الهانغول الكورية، التي تتكون أساسًا من أشكال هندسية كالدائرة والخط المستقيم والمربع. ومن هذا التلاقي البصري والجمالي، وُلدت فكرة تجربتي: الجمع بين جمالية الخط 'الكوفي' الفاطمي وبنية 'الهانغول' الهندسية، في محاولة لإبداع شكل تعبيري جديد يمزج بين ثقافتين بأسلوب فني متناغم.
مرحبًا
في الصورة التالية، قمتُ بكتابة أولى الكلمات التي ترددت على مسامعي كثيرًا حين بدأت معرفتي باللغة الكورية. كنت أسمعها في كل شيء: مقدمة البرامج، في المسلسلات، إلخ. علمت حينها أنها الطريقة التي يحيي بها الكوريون بعضهم، لذا أردت أن تكون أيضًا من أولى كلماتي التي أكتبها في هذا المزيج العربي الكوري.
لكي نكتب بالخط 'الكوفي الفاطمي'، نقوم بتقسيم الصفحة إلى مربعات، حيث إن كل حرف يأخذ عددًا من المربعات يُكتب فيه جزء يكون لجسم الحرف، وجزء آخر للزخرفة. وتساعد هذه الطريقة على تنظيم الكتابة وسهولة اتصال الحروف ببعضها. كان الأمر أكثر سهولة في الكتابة بحروف 'الهانغول'، حيث إن الحروف تُكتب منفصلة، وليست متصلة ببعضها كاللغة العربية.
الصورة تُظهر التصاميم لتجربة كتابة 'الهانغول' بالخط 'الكوفي الفاطمي'. (الصور من المراسلة سها علي)
الشكر
كان الشكر هو ثاني كلمة تعلمتها في اللغة الكورية، لذا وددتُ أن أوثّق أولى خطواتي في رحلة التعلّم من خلال التجربة الفنية التي أقوم بها الآن، لأصنع مزيجًا بين رحلتي كطالبة في تعلّم اللغة، ورحلتي الفنية كخطاطة.
كلمة 'كامساهمنيدا' هي صيغة محترمة للتعبير عن الشكر في اللغة الكورية.
في كتابتي لها، قمت بعمل طابع لوني مختلف لكل مقطع صوتي، ولكي لا أترك حرف 'يي أونغ' وهو عبارة عن دائرة مفرغة – قمت باستلهام فكرته من علم جمهورية كوريا، ليكون بمثابة مفتاح بصري لمن لا يعرف الحروف الكورية. فقد تلفت الألوان والتصميم انتباههم، ويتساءلون: "ما هذه الحروف؟". لذا رغبتُ أن أقدّم إجابة بصرية أيضًا لذلك السؤال من خلال التصميم.
الصورة تُظهر التصاميم لتجربة كتابة 'الهانغول' بالخط 'الكوفي الفاطمي'. (الصور من المراسلة سها علي)
'سارانغ'
.حين يحب الإنسان شيئًا بصدق، يصبح الشغف هو الدافع، والإبداع هو اللغة، والإنجاز هو النتيجة التي تُدهش الجميع
.كلمة بسيطة، لكنها تحمل في طياتها معاني أكبر
في هذا التصميم، أردت أن أُبرز الزخارف المستوحاة من الطابع الكوفي الفاطمي، لإضفاء طابع تاريخي على الكلمة. كما استخدمت درجات من اللون البنفسجي الزاهي، لتعكس الإحساس بالرقة والدفء المرتبطين بهذه الكلمة العميقة
الصورة تُظهر التصاميم لتجربة كتابة 'الهانغول' بالخط 'الكوفي الفاطمي'. (الصور من المراسلة سها علي)
حين نربط شغفنا بمهاراتنا، نصنع شيئًا لا يُشبه أحدًا... فقط يُشبهنا
بما أنني أتعلم اللغة الكورية حاليًا، فأنا أحرص دائمًا على ربط الأشياء التي أرغب في إتقانها بالمهارات التي أتقنها بالفعل. ومن هذا المنطلق، وددتُ أن أعبّر عن إحدى الكلمات التي أعجبتني أثناء مذاكرتي وحفظي لكلمات الوحدة، من خلال تصميم فني يجمع بين تعلمي للغة وشغفي بالخط.
الصورة تُظهر التصاميم لتجربة كتابة 'الهانغول' بالخط 'الكوفي الفاطمي'. (الصور من المراسلة سها علي)
الصورة تُظهر التصاميم لتجربة كتابة 'الهانغول' بالخط 'الكوفي الفاطمي'. (الصور من المراسلة سها علي)
حين تهمس الحروف بلغتين
في هذا التصميم، قمتُ بكتابة حرف عربي يُصدر نفس الصوت الذي يُصدره الحرف 'هيأت'، والذي يُنطق هكذا في اللغة الكورية. هذا الحرف يتميّز في اللغة العربية بكونه غنيًا بصريًا، ويمكن زخرفته بأسلوب فني مبهر عند كتابته بالخط 'الكوفي الفاطمي'. ومن هنا جاءتني الفكرة: أن أختار كلمة 'هانغوغو' أي 'اللغة الكورية' لأطبق من خلالها هذا الدمج بين الصوت والشكل، وبين النطق والمعنى.
أردت أن يجمع التصميم بين جماليات اللغة العربية وروح اللغة الكورية، وأن يُنثر عبق الزخارف الكوفية على كليهما، ليكشف عن وجه جديد من الجمال، حيث تتقاطع الثقافتان في لوحة فنية واحدة تتحدث بلغة الخط.
في زمن تتسارع فيه اللغات وتتباعد فيه الثقافات، تبقى الفنون هي اللغة المشتركة التي لا تحتاج إلى ترجمة. ومن خلال هذه التجربة، أدركت أن الحروف ليست مجرد رموز تُنطق، بل هي جسور تُبنى بين العوالم. حين تمتزج المهارة بالشغف، ويُفتح باب الإبداع على مصراعيه، يصبح الحرف مساحة لقاء بين الحضارات. وربما في خط مرسوم أو كلمة منقوشة، يولد حوار صامت، أعمق من ألف ترجمة.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.