مراسل فخري

2025.07.17

اعرض هذه المقالة بلغة أخرى
  • 한국어
  • English
  • 日本語
  • 中文
  • العربية
  • Español
  • Français
  • Deutsch
  • Pусский
  • Tiếng Việt
  • Indonesian
صورة توثّق لحظة نحتي لطابعي الكوري الخاص وكتابة اسمي عليه باستخدام الأدوات التقليدية خلال حصة الفنون اليدوية. (الصورة من سلمى الكناني)

صورة توثّق لحظة نحتي لطابعي الكوري الخاص وكتابة اسمي عليه باستخدام الأدوات التقليدية خلال حصة الفنون اليدوية. (الصورة من سلمى الكناني)



بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية التونسية سلمى الكناني

منذ القدم، عرفت الشعوب استخدام الطوابع والأختام كوسيلة لإثبات الهوية وتوقيع الوثائق، لكن في كوريا، تحوّلت هذه القطعة الصغيرة إلى جزء راسخ من الثقافة اليومية والهوية الشخصية. يُعرف الطابع الكوري التقليدي باسم 'دوجانغ' أو 'إنجانغ'، ويُعد رمزًا فنيًا وقانونيًا يعكس شخصية صاحبه، ويحلّ محل التوقيع في الوثائق الرسمية والخاصة.

بدأ استخدام الطوابع في كوريا خلال عهد الممالك الثلاث، أي في القرون الأولى قبل الميلاد، حيث كانت تُستخدم لأغراض رسمية بين الملوك والمقاطعات. ومع مرور الزمن، خاصة خلال سلالة 'جوسون'، أصبح لكل مسؤول أو شخصية عامة طابعٌ خاص يوقّع به على الوثائق والمراسيم، بل وتم اعتماد طابع رسمي للدولة يُعرف بـ 'غوكسي' كان يُصنع غالبًا من الذهب أو اليشم ويُستخدم في المصادقة على المراسيم الملكية.

المواد المُستخدمة في صنع هذه الطوابع تنوّعت حسب المكانة الاجتماعية والمناسبة؛ فمنها ما كان يُصنع من الحجر أو الخشب أو العاج، ومنها ما كان يُنحت من المعادن الثمينة أو الكريستال أو اليشم، وكلّها تُنقش بدقة بحروف كورية 'هانغول' أو صينية 'هانجا'. ليس الشكل وحده ما يميّز كل طابع، بل حتى طريقة الحفر، نوع الخط، والزخرفة التي تعكس ذوق الفرد وخلفيته الثقافية.

الصورة تُظهر النتيجة النهائية لطابعي الكوري الخاص بعد إتمام عملية النحت والختم بالحبر الأحمر. (الصورة من سلمى الكناني)

الصورة تُظهر النتيجة النهائية لطابعي الكوري الخاص بعد إتمام عملية النحت والختم بالحبر الأحمر. (الصورة من سلمى الكناني)


تُستخدم الطوابع حتى اليوم في كوريا، سواءً في المصارف لفتح حساب بنكي، أوفي توقيع عقود إيجار، أوفي المصادقة على وثائق إدارية. ويُطبع الطابع عادةً بالحبر الأحمر الذي يرمز إلى الشرعية والرسمية. كما أن بعض العائلات ما تزال تحتفظ بطوابع أجدادها كرمزتراثي يُورَّث من جيل إلى جيل.

ما يميز الطابع الكوري عن غيره أنه يحمل بُعدًا جماليًا، فعملية صناعته تُعد فنًا قائمًا بحد ذاته. يتعلّم بعض الحرفيين تقنيات النقش على مدى سنوات، ويُنظر إلى هذا العمل كفن تقليدي رفيع، لأنه يتطلب تركيزًا، إبداعًا، وصبرًا كبيرًا. كل طابع يُصنع يدويًا يُعتبر قطعة فنية فريدة، لا تُشبه غيرها، وتحمل لمسة صانعها وبصمة صاحبها.

هذا الطابع لم يندثر رغم التطور التكنولوجي في كوريا، بل إنه يُدرَّس في المدارس الثقافية، وتُقام له ورشات في المعاهد الثقافية حول العالم لتعليم الأجانب عن هذا التراث الغني.

صورة من حصة الفنون اليدوية في معهد الملك سيجونغ بتونس، يظهر فيها المشاركون وهم يشاهدون فيديو تعليمي يشرح خطوات صنع الطابع الكوري. (الصورة من معهد الملك سيجونغ بتونس وتم الحصول على الإذن لاستخدامها)

صورة من حصة الفنون اليدوية في معهد الملك سيجونغ بتونس، يظهر فيها المشاركون وهم يشاهدون فيديو تعليمي يشرح خطوات صنع الطابع الكوري. (الصورة من معهد الملك سيجونغ بتونس وتم الحصول على الإذن لاستخدامها)


وفي هذا الإطار، أتيحت لي الفرصة للمشاركة في ورشة ثقافية نظّمها معهد الملك سيجونغ في تونس أكتوبر الماضي، حول فن الطابع الكوري التقليدي. وقد كانت التجربة غنية ومُلهمة على عدة مستويات، إذ لم تقتصر على الجانب العملي فحسب، بل سبقتها مقدّمة ثقافية معمّقة حول تاريخ الطوابع ودورها في المجتمع الكوري. قدّمت خلالها المعلمة معلومات تاريخية وأمثلة مرئية لأنواع الطوابع، مما زاد من حماسي لخوض التجربة.

بعد الجزء النظري، انتقلنا إلى الجانب العملي، حيث طُلب من كل مشارك كتابة اسمه باللغة الكورية، مع شرح مبسّط حول قواعد كتابة الأسماء بالحروف الكورية. وقد ساعدتنا المعلمة في اختيار الشكل الأنسب، والنمط الجمالي الذي يتماشى مع كل اسم. كان من الرائع أن نرى أسماؤنا تُكتب بأسلوب جديد ومختلف، يحمل في طياته لمسة ثقافية نابعة من تراث عريق.

قمنا باختيار الخامة التي سننحت عليها الطابع. لم تكن من الخشب كما يُستخدم أحيانًا، بل من مادة صلبة شبيهة بالحجر، تمنح الطابع وزنًا ورونقًا خاصّين. وزّعت علينا المعلمة صندوقًا صغيرًا يحتوي على كل الأدوات اللازمة للنحت، من بينها أدوات الحفر الدقيقة، وقفازات خاصة لحماية اليدين، ما أضفى على التجربة طابعًا احترافيًا وآمنًا في الوقت ذاته.
بدأنا عملية الحفر على الخامة، منتبهين إلى كل تفصيل، من شكل الحرف إلى عمق النقش، لضمان الوضوح والدقة. كانت التجربة مثيرة وممتعة، خاصة حين بدأ الاسم يظهر شيئًا فشيئًا على سطح الطابع، وكأننا نرسم هويتنا بحروف منقوشة.

بعد الانتهاء من نحت الاسم، حصل كل مشارك على بطاقة مزخرفة مستوحاة من الزخارف التقليدية الكورية. ثم قمنا بختم الطابع على البطاقة باستخدام الحبر الأحمر، لتتحوّل البطاقة إلى وثيقة فنية تحمل بصمتنا الثقافية الجديدة. تلك اللحظة كانت مميّزة للغاية، إذ شعرنا بأننا لم نكتفِ بتعلّم شيء جديد، بل صنعنا قطعة فنية تعبّرعنّا.

اختُتمت الورشة بجلسة نقاش شيّقة حول أهمية الطابع في الحضارة الكورية، ودلالاته الثقافية والاجتماعية. تحدّث خلالها المعلمة عن العلاقة بين الطابع والهوية، وعن كيف يمكن لرمز صغير أن يُجسّد طبقات من التاريخ والانتماء.



dusrud21@korea.kr

هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.