بعض من الصور الملتقطة بعدسة الأسترالية 'لويزا كولز' التي تعمل أساساً في مجال التنمية المستدامة والابتكار الاجتماعي، ومهتمة بالبحث في مجال الأرشفة العمرانية- ضمن مشروعها الأرشيفي الفوتوغرافي المستمر 'هانغول هايب- لافتات كوريا' ويعني حرفياً المبالغة في تقدير هانغول؛ لمراقبة واكتشاف حروف الأبجدية الكورية من خلال اللوحات الإرشادية واللافتات في المناطق الحضرية. (الصور من لويزا كولز، مجمعة بواسطة آلاء عاطف)
بقلم مراسلة كوريا نت الفخرية المصرية آلاء عاطف عبادة
مع اكتساب الثقافة الكورية العديد من المهتمين حول العالم، فقد كان لها بعض التأثير والإلهام في أعمال الكثيرين مما ساعد في خروجهم بنِتاج من أفكار غير نمطية تخدم بيئتهم المهنية. وباختصارٍ، فقد ساهمت الأبجدية الكورية 'هانغول' بنصيب ضخم في ذلك الإلهام ليس فقط كونها تمثل أهم ركن للثقافة الكورية كلغة تواصل، ولكن أيضاً للبعد الإنساني في أهميتها كتراث ثقافي للبشرية، كونها أول أبجدية حثّ على ابتداعها ملك (الملك سيجونغ العظيم) بمساعدة علماء البلاط الملكي بهدف محو الأمية لدى شعبه وإزالة الفروق الثقافية بين طبقاته، فصدرت في مستندٍ باسم 'هون مين جونغ أوم' أو الأصوات الصحيحة لتثقيف الشعب منذ حوالي 576 عاماً؛ لتكون الأبجدية منطقية صوتياً صُممت على أساس علمي وذات بُعد إنساني، تم الاعتراف بها رسميًا من قبل منظمة اليونسكو كتراث ثقافي عالمي عام 1997.
تختبر 'لويزا كولز' النسخة التجريبية من 'الزاينات' للوحات الإرشادية الخاصة بها من مقاطع هانغول التي التقطتها بعدستها من اللوحات الإرشادية في الشوارع، 'الزاينات' هي عبارة عن بعض المنتجات الصغيرة مثل الملصقات والشرائط والأدوات المكتبية استعدادًا لإطلاقها لتكون جاهزة للاستخدام بحلول العام المقبل (الصور من لويزا كولز)
من هذا المُنطلق، بدأت الأسترالية 'لويزا كولز' والتي تعمل أساساً في مجالِ التنمية المستدامة والابتكار الاجتماعي- مشروعًا لمراقبة واكتشاف حروف الأبجدية الكورية أثناء عَملها وقيامها بالأبحاث الشخصية وجمْع البيانات حول المساحات الحضرية وسياسات إعادة التطوير العمراني في العاصمة سيئول. والحوار أدناه مع لويزا، جاء في ال 13 من سبتمبر عبر البريد الإلكتروني حول مشروعها وصور حِسابها عبر موقع التواصل أنستغرام 'هانغول هايب- لافتات كوريا' كأرشيف في حُب الأبجدية الكورية، يسرد قصصَ تطور النسيج الحضري والعمراني في العاصمة سيئول من خلال المسح الفوتوغرافي بالتركيز على 'هانغول' في اللافتات واللوحات الإعلانية المختلفة التي تعكس آثار الملامح المتبقية من ماضٍ مر بالعديد من التغيرات.
بجانب إنشاء حساب انستغرام للمشروع، تستعد لويزا أيضًا لإنتاج مجموعة مصغرات من الصور للأدوات المكتبية حيثت تصنع بعض المنتجات الأصغر مثل الملصقات والأشرطة للزينة، لتكون جاهزة بحلول العام المقبل وتخطط لكتابة المزيد من المقالات حول موضوع مشروعها حيث كتبت مقالتها 'اللوحات الإرشادية كسرد مرئي لقصة التنمية الاقتصادية في كوريا' في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية 'ترانزاكشنز'، النسخة 96 ومن المقرر صدور مقالها في يونيو المقبل.
الكلمة بالكورية تُنطق 'إيل' وتعني الشمس، النهار، اليوم والعمل. الطلاء يدوي على الخرسانة لمستودع جوار محطة سكك حديد 'سيونجهوان'، تقول لويزا: "يبدو أن هذا المستودع الذي يعود إلى عام 1931 قد شهد العديد من المالكين على مر السنين وعمل كمستودع لوجستيات وتغليف على طول خطوط القطار، الحروف المرسومة يدويًا والخطوط المتنوعة للمالكين السابقين باهتة من الخارج". وأضافت أن محطة 'سيونجهوان' كانت تعمل كمحور للنقل والخدمات اللوجستية في عام 1905 وحتى قبل ذلك في وقت سابق من جوسون. (الصورة من لويزا كولز)
استهلت لويزا حديثَها بالتعريف عن مشروعها البحثي عن الأرشفة الحضرية، واهتمامها الشخصي حول مُراقبة الأبجدية الكورية في الشوارع من خلال عملها، "أنا أسترالية، أعيش ذهابًا وإيابًا بين كوريا والصين مُنذ ما يَقرُب من 10 سنوات، أقوم بمشاريع الأرشفة الحضرية العمرانية، والأبحاث في أنظمة المُدن وسياسات التنمية الحضرية، لذلك أقضي معظم وقتي في استكشاف الأزقة المظلمة والتحدث إلى الناس عن تجاربهم في التغيير الحضري في سيئول، أثناء ذلك من أكثر الأشياء التي أستمتع بها هو التصوير الفوتوغرافي للوحات الإعلانية القديمة واستكشاف جماليات الثقافة البصرية والتاريخ الحضري لخطوط 'هانجُل' المختلفة في كوريا من خلالها".
واسترسلت حول أسبابِ مُبادرتها وكيفية حصولها على فكرة مشروعها الأرشيفي في تدوين التطور العمراني من خلال الضواحي والشوارع الحضرية وواجهات المباني وبداية نشأته؛ "نشأ هذا المشروع بشكل طبيعي من اهتماماتي الشخصية والدراسية في التاريخ والأشياء التي اكتشفتها أثناء تجولي لاستكشاف الشوارع. أعتقد أنه في مدينة سريعة التطور ومُتغيرة باستمرار مثل سيئول، فإن أي بقايا من الماضي مهما كان عمرها تحمل قيمة مهمة للذاكرة الثقافية والتراث. وتعتبر هذه العلاقة الإنسانية مع البيئة العمرانية المبنية من حولنا جانبًا مثيرًا للاهتمام في حياة المدينة الحديثة، خاصةً في كوريا- وغالبًا ما نتجاهل الأهمية التي تلعبها الثقافة المرئية في حياتنا ولا يُمكننا تقديرها تمامًا حتى تختفي. تلعب اللغة والتصميم والأعمال المحلية دورًا رئيسيًا في مشهد مدينة سيئول، وتعتبر اللافتات والكلمات المستخدمة في الأساس أداة تسويقية للشركات وتذكرنا كيف كانت الأشياء في السابق وكيف هي اتجاهات التصميم التي كانت شائعة في الماضي. وبِصرْف النظر عن هذا كله فأنا مجرد مُتعلم لغة متعطش للمزيد من المعرفة!".
الكلمة بالكورية تُنطق 'كوت' وتعني زهرة، مصنوعة لتضاء بالنيون على لوحة خلفية معدنية ومطلية لمحل أزهار 'كمسونغ' في منطقة 'جونغنو' (الصورة من لويزا كولز)
ردًا على سؤالي عما يَلفت انتباهها أول وهلة في الواجهات الإعلانية أو اللافتات لالتقاطِ صورة لرموز هانجُل، وما تُركز عليه أثناء تجولها واستكشافها، تقول: "تُعتبر اللوحات الإرشادية في كوريا مثيرة للاهتمام لعدد مٍن الأسباب، أهمها تميزها بالعديد من الأساليب الغير مألوفة، بدءًا من اللوحات الخشبية الرأسية مع رموز 'هانچا'، إلى اللوحات المرسومة يدويًا على ألواح القصدير، والنسيج المرن المطبوع والفينيل، أو الأكريليك المنحوت، والنيون وما إلى ذلك. كل نمط وكل تصميم يمثل فترة مختلفة من تطور كوريا. أيضًا، نظرًا لعدم وجود شركات رسمية خاصة بتطوير خطوط الهانجول حتى ثمانينيات القرن العشرين، فقد تم رسم الكثير من اللافتات ذاتياً من قِبل الفنانين وصانعي اللافتات أو صممها أصحاب الورش أنفسهم. إنه لأمر ممتع أن ترى لافتات فريدة مصنوعة يدويًا باستخدام أي مادة عشوائية لتشكيل رموز الهانجول، مما يربط تلك العلامات واللافتات بقصص الناس! وأنا أحب رؤية براعة الناس في صنع شيء من لا شيء".
وأضافت؛ "هناك الكثير من الزخارف والأنماط الجميلة التي رأيتها للهانجول، رائعة جدا ومتوازنة في شكلها. ومع ذلك، أكثر ما يميل له قلبي اللافتات المرسومة يدويًا في المناطق الصناعية، إن رؤية ضربات الفرشاة الجميلة لشخص ما على اللافتة تجعلها لا تُنسى! كونها تم رسمها عادةً في وقت يسبق وجود خطوط الهانجول الرقمية، فهي تعد تصميمًا أصليًا وتعبيرًا فنيًا".
المقطع بالكورية يُنطق 'هُوا' ويعني في السياق رائع، مذهل، مبهر ومزدهر. ملصق على النوافذ الزجاجية لمطعم صيني كوري في 'جيونجو'، أضافت لويزا أن معظم المطاعم الصينية في البلاد نشأت في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر خاصة في مدينة إنتشون الساحلية. (الصورة من لويزا كولز)
سيئول عاصمة لا تنام وهي واحدة من أكثر مُدن العالم حيوية التي تغير حُلّتها باستمرار، وكأي مدينة هنالك الشوارع الجانبية والأسواق القديمة، وأثناء التجول في الشوارع لالتقاط الصور تلتقي 'لويزا' العديد من الأشخاص وتستمع لحكاياتهم عن التطور العمراني، وعن كيفية سير هذه العملية من البداية تُعلق قائلة: "تتغير المدينة والناس كل يوم ولا يمكنك التأكد من وجود مبنىً أو متجر أو لافتة أو شارع في المرة القادمة التي تعود فيها. أعتقد أن هذا التغيير الحتمي هو أيضًا جزءٌ من المتعة! إذا رأيت لافتة تحتوي على ألوان فريدة أو تآكل أو تسَوس أو مكتوبة يدويًا أو بالخط القديم، فأنا دائمًا أتجه إليها مباشرة! عادةً ما أستكشف الأجزاء القديمة من المدينة حيث تركزت التنمية الصناعية أو الأنشطة التجارية في وقت مضى، لذا فإن حياة الناس وأعمالهم متشابكة جدًا مع مشروعي حول اللوحات الإعلانية القديمة وتصميم الهانغول". وتابعت: "من المهم أن تحترم حدود الأشخاص وعملهم، لذلك إذا صادفت شخصًا مهتمًا بصوري أو حتى ونحن نتناول الطعام في مطعم محلي قديم، فسأبادر بالحديث معهم دائمًا حول قصتهم وتبدأ المحادثة من هنا! عادةً ما يكون الناس حذرين في البداية لكن يسعدون بالحديث عن الماضي".
'كِم جي' تعني ممنوع، المقطع 'جي' للنهي في السياق يعني توقف أو امتنع. وهي علامة مؤقتة باستخدام شريط لاصق كهربائي شديد التحمل، طُبقت على الجدار الخارجي لمبنى سكني بمنطقة 'تشانغشين دونج' (الصورة من لويزا كولز)
وعن إحدى المواقف الطريفة ضِمن تلك التي تحدُث معها أثناء العمل وتقوم بتدوينها، تقول: "أحبُ زيارة الأسواق والضواحي القديمة لأرى كيف تغيرت الأمور، يُمكنك أيضًا العثور على الكثير من الجواهر المخفية والأعمال الفنية القديمة مع الواجهات الإعلانية الرائعة في هذه الأماكن. ذات مرة في سوق قديم في حي 'إيكسان' صعدت إلى الطوابق العليا، وكان المكان مهجورًا وهادئًا تمامًا والمتاجر مغلقة بشكل دائم ومُغطاة بالغبار. بينما قابلت عدد قليل من الأعمام الكوريين يأخذون قيلولة ويشاهدون التلفاز خارج متجر قديم، ضحكوا كيف لشخص أجنبي ليس فقط مهتمًا بالتاريخ الكوري بل ويتهلل وجهه لتصوير لافتة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي. بالنسبة لهم لم يكُن الأمر مثيرًا، لكن بالنسبة لي هو نافذة على الماضي. وبدأوا في سرد كيف كان يبدو السوق سابقًا ثم تأكدوا من إرشادي في التقاط بعض الصور للافتات أكثر وودعوني بالابتسامات وهي ذكرى عزيزة لدّي".
تُنطق بالكورية 'تشانغ' وتعني نافذة، مرسومة بخط اليد مع قاعدة طلاء بيضاء على جدار خرساني لزقاق يوجه العملاء إلى متجر إلكترونيات قديم، في 'چونغنو جو'. (الصورة من لويزا كولز).
وعن هدفها من وراء مشروعها 'هانغول هايب' وما تريد أن يصل للأجانب من خلاله، عبَّرت 'لويزا' أن اللافتات والواجهات الإعلانية نفسها غالبًا ما يتم تجاهلها من قبل السياح والزوار، وحتى الكوريون أنفسهم على الرغم من أنها نافذة مهمة في الثقافة وتعكس ملامح مُتبقية من التغيرات عبر الأزمنة الطويلة، مُضيفة أن؛ "اللافتات القديمة تعد سجلًا شاهدًا على تغييرات مهمة خاصة في اللغة، على سبيل المثال استخدام الكلمات الطنانة، وكذلك التغييرات في الموضات والنمط والتصميم عبر العصور.. أرغب في تقديرها ولفت النظر إليها، فمن السهل جدًا تعلم الأبجدية الكورية 'هانغول' وهذا يجعل من السهل تقدير الطباعة وأنماط النص المختلفة أثناء السفر في كوريا عند ملاحظتها، حتى إذا كنت لا تستطيع قراءتها فيمكنك الاستمتاع بها كفن بصري في المساحات من حولك..".
واختتمت حديثها فتقول: "في بلد حيوي ومدينة تتغير باستمرار، من الصعب أن تعتاد شيئاً أو تجد لنفسك مكانًا هادئًا للتفكير والتأمل، كل هذه العلامات والخطوط وقصص الأشخاص الذين ينتمون إلى أعمالهم التجارية هي جزءٌ مهم من مساحتنا الحضرية، ونحن بحاجة إلى إيجاد الوقت لتقدير الماضي والاعتراف به حتى نتمكن من التطلع إلى الأمام.. لذا فارفع رأسك وانظر حولك أكثر واستكشف الأزقة الهادئة في مدينتك.. هذه الأزقة هي مسافات شاهدة بين الماضي والحاضر!".
المقطع 'ما' ويعني في السياق حصان، ملصق مثبت على النوافذ الأمامية والأبواب لمطعم صغير وقديم يُسمى 'الحصان الذهبي' في منطقة 'إكسان'. وعلقت لويزا، "المطعم في الطابق الثالث والمكان مهجور، وهنا حيث قابلت أعماما قدامى من السوق كانوا متشوقين لمعرفة سبب قيام أجنبي بالسير في الممرات المظلمة والتقاط صور لأشياء تبدو غير مثيرة للاهتمام وأطلعوني على أقدم اللوحات الإعلانية في المكان ويبلغ عمرها 50 عاماً" (الصورة من لويزا كولز)
تُجدد 'لويزا' مشروعها الأرشيفي الفوتوغرافي باستمرارٍ في استكشاف التاريخ الحضري لسيئول والثقافة البصرية والعمرانية في غُلاف من مقاطع الأبجدية الكورية وشرح معانيها كبطل رئيسي في قصة المكان، مُبرزةً الجمال في اللوحات القديمة والمُتهالكة التى تحمل لمحاتٍ من البشر والزمن، وتُسجل ما تلتقطه بالكاميرا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، 'هانغُل هايب' هو مُعرف حساب أنستغرام الخاص بلويزا كولز، ويعني حرفيًا الضجيج والمبالغة في الترويج والتقدير لهانغول، ويُوافق يوم التاسع من أكتوبر لكل عام يوم هانغول الوطني، وهو أحد الأعياد الوطنية لجمهوية كوريا الجنوبية احتفالا بالأبجدية وتمجيدًا للغة، واغتنامًا لهذه الفرصة أردت تقديم هذا المشروع الثري الذي أتابعه من فترة طويلة، حيثُ يمكنكم مشاهدة المزيد من الصور التي تلتقطها 'لويزا' وقراءة المزيد من القصص حولها وحول الأرشفة العمرانية والحضرية من خلالِ الصفحة على أنستغرام، هُنا.
dusrud21@korea.kr
هذه المقالة كتبت بواسطة المراسلين الفخريين. مراسلونا الفخريون هم مجموعة من المراسلين حول العالم يشاركون شغفهم وحبهم لكوريا وثقافتها.